منظمة عراقيون ضد الفساد
(*) تخلّفت الدولة اللبنانيّة عن دفع المبالغ المالية المتوجّب للحكومة العراقية عن قيمة تصدير النفط وحسب تصريح رسمي لوزير الطاقة والمياه اللبناني جوزيف الصدى تبلغ قيمة الدين المتراكم في السنوات الثلاث المنصرمة نحو 1,2 مليار دولار وطريقة الدفع تتمّ من خلال حساب للدولة العراقية فتح بمصرف لبنان.هناك ثلاثة عقود أبرمت. العقد الأول أودع بناء عليه كامل المبلغ المطلوب من الدولة اللبنانية للعراق، وذلك خلال العام 2021 ويبلغ نحو 500 مليون دولار. أما اليوم فيترتّب على الدولة اللبنانية نحو 1,2 مليار دولار، لم تسدّد بعد.
في خطوة تكشف عن أزمة استراتيجية خطيرة وعميقة وفشل كارثي في إدارة موارد الدولة العراقية ، فقد أبلغ رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بإرسال المساعدات خلال اتصال مع الرئيس جوزاف عون، تضامنًا مع لبنان وشملت هذه المساعدات النفطية حيث وصلت قافلة محروقات تضم 26 صهريجًا لتأمين الوقود كدفعة أولى وبالإضافة المساعدات الطبية والتي بلغت إجماليها 36 طنًا من المساعدات الطبية . وبالمقابل قد أثارت هذه المساعدات ردود فعل متباينة في الشارع العراقي، حيث عبروا عن استيائهم الشديد لوجود أزمات وقود محلية وعدم توفر المواد الغذائية وارتفاع أسعارها ناهيك عن الأدوية الباهظة الثمن وبالأخص إلى الأمراض المزمنة ؟ وتعود أسباب الاستياء في الشارع العراقي تجاه إرسال المساعدات الخارجية (رغم التعاطف الإنساني التقليدي للعراقيين) إلى فجوة عميقة بين الإمكانيات المتوفرة والموارد وبين الواقع الخدمي والمعيشي الذي يلمسه المواطن يومياً. حيث ما يزال يشهد العراق (وهو ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك) أزمات وقود متكررة وبالأخص المظاهرات التي شاهدناه على شاشات التلفزة المحلية لعدم توفر قناني الغاز وفقدانها من الأسواق ، مما يجعل المواطن يتساءل: “كيف نصدّر الوقود مجاناً ونحن نقف في طوابير لساعات؟” وكذلك نقص حاد في تجهيز الطاقة الكهربائية، ويربط الكثيرون بين نقص الوقود المخصص للمحطات الوطنية وبين الشحنات المرسلة للخارج.
والاهم ما يعانيه أصلا القطاع الصحي و نقص الأدوية وارتفاع التكاليف حيث ما يزال يواجه المرضى، خاصة المصابين بالأمراض المزمنة (كالسرطان والسكري)، صعوبة بالغة في الحصول على الأدوية من المستشفيات الحكومية، مما يضطرهم لشرائها بأسعار باهظة من الصيدليات الخاصة وكذلك النقص في المستلزمات الطبية والعلاجية ويرى المنتقدون لهذا العطاء السخي لدول الأخرى على حسابهم بأن توفير الأدوية “المجانية” للخارج أولى به المستشفيات العراقية التي تعاني من نقص في أبسط المستلزمات الطبية.
حسب ما وردنا من احد السادة المسؤولين الأفاضل رد وتعقيب منه على إرسال مساعدات إلى لبنان فقد تبين للمنظمة ومن خلال طرق ملتوية شيطانية تصاغ من خلف الستار الإنساني والاقتصادي، تتكشف عملية شيطانية مبتكرة لتحويل جزء من هذه الصهاريج للمشتقات النفطية عبر الحدود السورية-اللبنانية إلى بيروت، حيث يستلمها عناصر حزب الله اللبناني لإعادة بيعها في السوق السوداء، ومن خلال محطات وقود تابعة له بالباطن مما يوفر تمويلاً مباشراً للحزب بعد الضربات الموجعة التي تلقاها منذ 28 شباط الماضي. فأنها تشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الشحنات والتبرعات العينية (بما في ذلك مواد طبية وأدوية لأمراض مزمنة نادرة وغالية الثمن في لبنان) يُخصص حصرياً لحزب الله وكجزء يُعاد توزيعه مجاناً على عوائل مقاتليه، والباقي يُباع في السوق السوداء لإعادة ملء خزائنه المستنزفة. هذا التحويل يتم بتوجيهات من الفصائل الولائية العقائدية التي تسيطر على مجلس النواب والحكومة، وبأوامر مباشرة من السفارة الإيرانية في بغداد، تحت ستار “دعم محور المقاومة والممانعة” و”الأخوة الشعبية” لتجنب إثارة الشكوك الدولية. ومن خلال قراءة استراتيجية مستقبلية انتقادية حادة فإن هذا ليس مجرد “تحويل جانبي” أو خطأ لوجستي، بل خيانة استراتيجية للمصالح الوطنية العراقية على مذبح الولاء لمحور الشر طهران. العراق، الذي يعاني أصلاً من انخفاض حاد في إيراداته النفطية (انخفضت بنسبة تصل إلى 70% في مارس الماضي)، يضحي بموارد شعبه السيادية لتمويل ميلشييات خارجية تخوض حرباً لا تخدم أمن بغداد ولا استقرار المنطقة، بل تُطيل أمد التوترات وتجلب عقوبات دولية محتملة.مستقبلياً، يُنذر هذا السيناريو بكوارث متعددة:
- اقتصادياً: الاعتماد على طريق بري مكلف وغير آمن (عبر سوريا غير المستقرة) سيؤدي إلى خسائر هائلة بسبب الخصومات الكبيرة على أسعار الوقود الثقيل، بالإضافة إلى مخاطر السرقة والتحويل غير الشرعي. العراق يبيع نفطه بأسعار بخسة ليُمول طرفاً ثالثاً بدلاً من بناء احتياطياته أو تنويع اقتصاده.
- سياسياً: يُعمق سيطرة الفصائل الولائية على الدولة، ويحول العراق إلى ممر تهريب ومصدر تمويل لأجندات إقليمية، مما يُضعف سيادته ويجعله هدفاً للضغوط الدولية (أميركية أو خليجية). رئيس الوزراء السوداني، الذي يدّعي التوازن، يبدو عاجزاً أو متواطئاً أمام نفوذ هذه الفصائل.
- أمنياً وإقليمياً: استمرار تمويل حزب الله يُطيل الصراع في لبنان، ويُعرض العراق لمخاطر تصعيد جديدة. في المستقبل القريب، قد يؤدي ذلك إلى عزلة دبلوماسية أو عقوبات ثانوية تستهدف القطاع النفطي، خاصة مع تزايد الرقابة الدولية على طرق التصدير البديلة.
- اجتماعياً: الشعب العراقي، الذي يعاني من نقص الخدمات والكهرباء والوقود محلياً، يرى موارده تُهدر على “دعم الشقيق اللبناني” الذي ينتهي جزء كبير منه في جيوب قادة ميلشييات ، لا في بناء مستشفيات أو مدارس. والاستياء ليس موجهاً ضد الشعب اللبناني بحد ذاته، بل هو تعبير عن تراكم الإحباط من تردي الخدمات الأساسية في بلد يمتلك ثروات هائلة، حيث يشعر المواطن أن احتياجاته الأساسية في “الوقود، الدواء، والغذاء” يتم تجاوزها لصالح أجندات خارجية ؟.
هذا النموذج يكرر تاريخ العراق ما بعد 2003: دولة مخترقة من الداخل، تُدار بأولويات عقائدية خارجية على حساب التنمية الوطنية والمصلحة العامة. إذا لم تتدخل قوى سياسية وطنية حقيقية أو يفرض المجتمع الدولي رقابة صارمة على هذه الطرق، فإن العراق يتجه نحو انهيار اقتصادي متسارع وفقدان سيادة كامل، حيث يصبح نفطه ليس مصدر قوة، بل أداة تمويل لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.السؤال المُلح الآن: هل ستكتفي الحكومة العراقية ببيانات الدعم “الإنساني”، أم أن الشعب سيطالب بمحاسبة حقيقية لمن يحول ثروة الأمة إلى وقود حرب لأطراف إقليمية؟ الزمن كفيل بالإجابة، ولكن التكلفة ستكون باهظة على الجميع.ولان ما يحدث لا يمكن قراءته كإجراء اقتصادي طارئ فحسب، بل كمؤشر على تحول خطير في وظيفة الدولة العراقية من مُصدّر للطاقة إلى لاعب في اقتصاد الظل الإقليمي. وأخيراً، يبدو أن غطاء “المساعدات الإنسانية” أصبح أداة متعددة الاستخدامات: دعم شعبي ظاهري، وتمويل سياسي-عسكري فعلي. وهذا الاستخدام المزدوج، إن استمر، قد يحول العراق من دولة تحاول تحقيق الاستقرار إلى عقدة مركزية في شبكة صراعات مفتوحة. والمسألة لم تعد تتعلق بكيفية تصدير المشتقات النفط، بل بمن يملك قراره، وإلى أي غاية يُستخدم. وفي ظل غياب الشفافية، فإن أخطر ما في هذه التطورات ليس ما يُعلن، بل ما يُدار في الظل. ولذا فأن غياب الشفافية والنزاهة حيث يعتقد البعض والأغلبية تجزم بأن هذه المساعدات تُستخدم أحياناً “كاستعراض سياسي” أو لتعزيز علاقات إقليمية على حساب الاحتياجات الداخلية. وهناك شعور عام اصبح يظهر الى العلن ومن خلال المظاهرات التي شهدتها العاصمة بغداد في بعض مناطقها وفي المحافظات والتي نقلتها عدسات الصحافة والإعلام المحلية لعدم توفر قناني غاز الطبخ وفقدانها من مراكز التوزيع بأن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في سوء إدارتها وتوزيعها والفساد الإداري، حيث تُرسل المساعدات للخارج بكفاءة عالية بينما تتعثر المشاريع الخدمية في الداخل وبصورة متعمدة لغرض خلق حالة ونوع من السوق السوداء يستفاد منها اصحاب المصالح وحجتهم واستغلالهم لظروف الحرب الدائرة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز ؟.