المال العام بين الأمانة والعدل والهِبة وسفاهة التصرف: قراءة في ظاهرة تبديد وتوزيع المال العام في العراق

رياض سعد

للمال حرمةٌ راسخة ومكانةٌ عظيمة في حياة الأفراد والشعوب؛ وقدسيةٌ لا تخطئها العين ؛ فهو عماد الاستقرار، وأساس العمران، وركيزة السعادة والتطور والازدهار , وعليه تدور رحى التنمية وتقوم الحضارات… ؛ لذلك أولى الفلاسفة والحكماء، كما القادة والشرائع الدينية والتشريعات الوضعية، عنايةً خاصةً بالمال، فسنّوا القوانين التي تحميه، وشرّعوا الأحكام التي تصونه، وشجّعوا الأمين النزيه، وعاقبوا السارق والمرتشي والفاسد، حفاظًا على توازن المجتمع وعدالته … ؛ الا أن العبرة ليست بوضع القوانين، بل بعدالة تطبيقها وشموليتها .
غير أن الواقع العراقي منذ تأسيس دولته الحديثة وحتى يوم الناس هذا، يروي حكايةً أخرى مؤلمة، حكاية انحرافٍ عن الجادّة الوطنية، وتطبيقٍ معكوسٍ للعدالة، حيث تُقام الحدود على صغار اللصوص وفقرائهم، بينما يُمنح كبار السارقين صكوك الغفران والحصانات، بل ويُصبح تبديد المال العام تحت مسميات العطاء والهبات نهجاً متبعاً وسلوكاً مألوفاً …!!
فالميزان اختلّ حين انحرف بعض أهل السلطة والساسة والقادة عن الجادة الوطنية والصراط القويم ، فصار القانون يُطبّق على الضعفاء والفقراء دون الأقوياء والاغنياء ، وتُقام الحدود على المستضعفين بينما يُستثنى كبار السارقين … ؛ وقد نبّه الإسلام إلى هذه الظاهرة الشاذة، فجاء في الحديث الشريف : (( إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ؛ وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها …)) .
كما عبّرت الثقافة الإنسانية عن هذا المعنى ببلاغة، إذ يقول مثلٌ إوربي : (( القوانين مثل خيوط العنكبوت، تُمسك بالحشرات الصغيرة بينما تخترقها الطيور الكبيرة)) وهكذا هو الحال في الدول المتخلّفة والمجتمعات المريضة ؛ اذ لا يُطبّق القانون بعدالةٍ وشمول، بل يُثقل كاهل الفقير بالعقوبات، بينما يفلت الغنيّ والقويّ من المساءلة القانونية …!!
وهذه الظاهرة تمثّل أصل البلاء وجذر الانحراف، إذ ينهار معها مبدأ المساواة، وتتآكل الثقة بين المواطن والدولة .
لقد أكّد كتاب القرآن الكريم على أهمية المال، وقدّمه في مواضع على البنين، وحذّر من وضعه في أيدي السفهاء، لأنّ السفيه يفتقر إلى الأهلية والكفاءة في إدارة أخطر مورد في الحياة… ؛ ومن هذا المنطلق، يمكن فهم جانبٍ من الأزمة التي تعانيها إدارة المال العام في العراق، حيث تحوّل المال من أمانةٍ وطنية إلى أداةٍ للنفوذ والمحاباة والفساد بيد السفهاء والعملاء … ؛ ومن هذا المنطلق تعرف سفاهة ساسة العراق واستهتار قادته بثروات البلاد وخيرات الأجيال والعباد… .
وعند تأمّل تاريخ الدولة العراقية الهجينة الحديثة ؛ نلحظ أن ظاهرة التصرّف بالمال العام على طريقة «وهب الأمير ما لا يملك» لم تكن طارئة، بل رافقت مراحل مختلفة وبأشكالٍ متباينة من تاريخ الدولة العراقية الحديثة … ؛ فقد شابت كل العهود السياسية ممارساتٌ اتُّهمت فيها السلطة بإساءة إدارة الثروات، سواء عبر الامتيازات غير المتكافئة، أو الإنفاق غير المنضبط، أو توجيه الموارد لخدمة الولاءات السياسية والشخصية بدل المصلحة العامة … .
وفي بعض المراحل، بلغ التبذير حدًّا صارخًا، حيث مُنحت الأموال والهدايا والامتيازات لفئاتٍ محددة، دون معايير واضحة أو عدالة في التوزيع، في الوقت الذي كان فيه جزءٌ كبير من الشعب يعاني الفقر والحرمان… ؛ ولم يقتصر الأمر على الداخل، بل امتدّ أحيانًا إلى الخارج، في صورة مساعدات أو عطايا لا تنسجم مع أولويات البلاد ولا مع حاجات مواطنيها …!!
ففي العهد الملكي، كان ساسة العراق يُوصفون من قبل السفارة البريطانية آنذاك بـ”حكومة الحرامية”… ؛ثم جاء العهد الجمهوري، حاملاً شعارات العدالة الاجتماعية، لكن التطبيق ظلّ متذبذبًا بين الطموح والواقع… ؛ ومع تعاقب الأنظمة، أخذت ظاهرة «الإنفاق السياسي» تتسع، فصار المال العام أداةً لتثبيت السلطة، لا وسيلةً لخدمة المجتمع. ولم يعد غريبًا أن تُمنح الهبات والامتيازات خارج أيّ معيار موضوعي، بل وفق ميزان الولاء والانتماء … .
وقد تبرع المجرم الطائفي السفيه “الطرطور عبد السلام ” بأموال العراق إلى مصر، وسلم مقدرات البلاد بيد المصريين ؛ واضحى ذيلا تابعا ذليلا للرئيس المصري جمال عبد الناصر … ؛ وأما حكومة البعث، لا سيما المجرم صدام، فقد قام بتوزيع أموال العراقيين الأصلاء على شراذم البلدان الناطقة بالعربية، وأغدق على شرذمة من الكتاب والإعلاميين والصحفيين المرتزقة وأصحاب الأقلام المأجورة… ؛ في مشهدٍ عبثي يندر أن يوجد له مثيل… ؛ والأدهى من ذلك أنه أقدم على إهداء أموال طائلة إلى فقراء الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الذي كان فيه الحصار الاقتصادي يطحن أبناء شعبه، فمات مئات الآلاف من العراقيين جوعاً وحرماناً، وفارق عشرات الآلاف من الأطفال الحياة بسبب نقص الحليب والدواء… ؛ ورفعه لشعارات معادية للأمريكان …!!
فبأي منطق، وبأي فلسفة في الحكم والإدارة، يُبذّر المال العام على الغرباء والاجانب بينما يموت أبناء الوطن الأصلاء تحت وطأة العوز والمرض والفقر؟!
إنه كان يبذر بأموال العراقيين الأصلاء، ويعطي “كوبونات النفط” للفنانين والإعلاميين من دون وجع قلب، في وقت كان يموت فيه آلاف العراقيين بسبب الجوع والحرمان والعوز وسوء التغذية والمرض، ويموت عشرات الآلاف من الأطفال بسبب نقص الحليب…!!
وقد نقل الصحفي هاتف الثلج التكريتي قصة يمجّها العقل السليم والضمير الحي، تروى على أنها من “مناقب” الطاغية …؛ قصة عن صدام وعدّها من مكارم اخلاقه : أنه زار كعادته إحدى مناطق الأقلية السنية، فرأى مهندسة في أحد المواقع، فقال لها: “اطلبي ما تشائين”، فطلبت منه سيارة من سيارات الوفد المرافق له… ؛ وشاءت الأقدار أن تكون تلك السيارة هي السيارة المليئة بالأموال الطائلة التي ترافقه عند خروجه وزيارته لتلك المناطق المعروفة، فقال للحماية: أعطوها السيارة بما فيها …!!
من هذه القصة — بغض النظر عن صحتها — ومن آلاف القصص المماثلة التي رافقت سلوك ساسة وقادة ومسؤولي الحكومات في العراق منذ العام 1920 وحتى هذه اللحظة، تعرف مدى السفاهة والانحطاط والفساد المالي والإداري الذي رافق نشأة الدولة العراقية الهجينة … ؛ فهذه القصة واشباهها إنما تختزل عقلية الحكم التي سادت وما تزال، عقلية “وهب الأمير ما لا يملك” وفق نزوات شخصية لا ضوابط لها ولا حسيب عليها …!!
واليوم، وبعد اكثر من عقدين من اندثار الانظمة الهجينة والحكومات الطائفية … ؛ يبدو أن شيئاً لم يتغير في جوهر التعامل مع المال العام… ؛ فالمشهد ذاته يتكرر ولكن بأقنعة مختلفة؛ أموال الدولة تُهدَر على المحسوبيات والمنافع الحزبية الضيقة، وتوزع الامتيازات والعطايا وفق معايير ملتوية .
نعم , بعد عام 2003، لم تنتهِ القصة، بل دخلت فصلًا جديدًا أكثر تعقيدًا… ؛ فقد كُشفت ملفات فساد بمليارات الدولارات، لعلّ أبرزها ما عُرف إعلاميًا بـ«سرقة القرن»، حيث اختفت مبالغ ضخمة من أموال الضرائب عبر شبكة تلاعب إداري ومالي… ؛ كما أُثيرت قضايا «الفضائيين» في المؤسسات الأمنية، حيث تُصرف رواتب لأسماء غير موجودة، في استنزافٍ صريح للمال العام ؛ وغيرها الكثير الكثير … ؛ ففي قطاع الإعمار، تكررت ظاهرة المشاريع المتلكئة أو الوهمية، حيث تُرصد الميزانيات وتُصرف الأموال، لكن النتائج على الأرض لا ترقى إلى حجم الإنفاق… ؛ وتحوّلت بعض العقود إلى بوابات للفساد، تُمنح لشركات غير كفوءة، أو تُضخّم قيمتها بشكلٍ مبالغ فيه …!!
إنّ جوهر المشكلة لا يكمن في حادثةٍ بعينها، بل في ثقافةٍ إدارية ترى المال العام ملكًا سائغًا للسلطة ونهبا مشروعا ، لا أمانةً مقيّدة بالقانون… ؛ إنّ القاسم المشترك بين هذه الشواهد ليس فقط ضياع المال، بل غياب الفلسفة التي تضبط إنفاقه… ؛ فالدولة التي لا تملك معيارًا واضحًا لتوزيع مواردها، تفتح الباب أمام الاجتهاد الشخصي، والاجتهاد الشخصي في المال العام هو بوابة الفوضى والفساد .
فبأي حق… ؛ وضمن أية فلسفة حكم وإدارة، يقوم ساسة العراق وقادته بالإغداق على البعض بالأموال الطائلة والهدايا والامتيازات والعطايا دون غيرهم من فئات الشعب الواسعة؟!
وعلى أيّ أساس تُوزّع الثروات بين أبناء الشعب الواحد؟
وما هي المعايير التي تبرّر هذا التفاوت الصارخ في الرواتب والتقاعد والفرص الاقتصادية والسياسية؟!
فتارةً يُكرمون البعض لأنه وشى بالعراقيين إلى السلطات الجائرة، أو قام بتعذيبهم وإهانتهم… ؛ وتارةً أخرى لأنه قاتل في حروب النيابة ومعارك الوكالة وتسبب بقتل أكبر عدد من العراقيين… ؛ وثالثةً يُكرمون لأنهم قاموا بإعدام وقتل السجناء والمعتقلين السياسيين المعارضين… ؛ ورابعةً لأنهم رياضيون وفازوا بإحدى مباريات كرة القدم… ؛ وخامسةً لأنهم من عناصر الأحزاب السياسية… ؛ وسادسةً لأنهم من أقارب الساسة والمسؤولين… ؛ وسابعةً لأنهم من الإعلاميين المرتزقة وأصحاب الأقلام المأجورة… ؛ تعددت طرق الصرف، والفساد واحد .
وعليه يحق لنا في هذا المقام أن نسأل ساسة العراق وقادته: ما هو المعيار الذي على ضوئه تقومون بتوزيع ثروات العراق وخيراته على بعض العراقيين، بل وعلى الجهات الخارجية؟!
وما هي الضابطة التي على ضوئها تفرقون بين أبناء الشعب الواحد والبلد الواحد، فتُقرِّبون ناسًا وتحرمون آخرين، بل وتفرقون بينهم بأبسط الأمور بدءًا من التقاعد والرواتب وصولًا إلى الامتيازات الاقتصادية والسياسية والحصانات القانونية؟!
وما هي الفلسفة الاقتصادية والنظريات الاجتماعية والسياسية التي تنطلقون منها في تطبيق وتشريع تلك القوانين والتشريعات والإجراءات والامتيازات؟!
إنّ غياب الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة يكشف خللًا عميقًا في بنية الإدارة، حيث تغيب الرؤية الاقتصادية الرشيدة، وتحلّ محلّها اعتبارات الولاء والانتماء والقرابة… ؛ فتُكرَّم فئاتٌ لأسبابٍ لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق، بينما تُهمَّش أخرى رغم أحقيتها …!!
وقد بلغ الاستهتار بالمال العام حدًّا جعل ثروات البلاد عرضةً للاستنزاف، في وقتٍ يُحرم فيه المواطن من أبسط مقومات الحياة الكريمة… ؛ وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة: بلدٌ غنيّ بموارده، فقيرٌ شعبه ويعاني الامرين …!!
نعم , لقد وصل الاستهتار بالمال العراقي والثروات الوطنية حدًا لا يُطاق، فأصبح العراق نهبًا لكل من هبَّ ودبَّ من الأجانب والغرباء والدخلاء، في الوقت الذي يُحرم فيه أبناؤه الأصلاء من أبسط مقومات العيش الكريم والحياة… ؛ وإلى متى يستمر هذا المسلسل الفوضوي الذي يستند إلى رؤى رجعية قديمة بالية، أشبه بالهبات البرمكية وأحكام “قرقوش”، وعلى طريقة “ما شئت لا ما شاءت الأقدار… احكم فأنت الواحد القهار”؟!
إنّ أخطر ما في هذه الظاهرة ليس حجم الأموال المهدورة، بل الأثر النفسي والاجتماعي الذي تخلّفه… ؛ فحين يرى المواطن أنّ المال العام يُوزّع بلا عدالة، تتآكل ثقته بالدولة، ويتحوّل الانتماء من شعورٍ وطني إلى علاقة مصلحة… ؛ وهنا يبدأ التفكك الحقيقي، لا في الاقتصاد فقط، بل في بنية المجتمع ذاته … .
إنّ الدول المتحضّرة لا تترك المال العام رهينة أهواء الأفراد، بل تُقيّده بقوانين صارمة ومؤسسات رقابية فعّالة… ؛ فالمسؤول فيها يُحاسب على أصغر الهفوات، وتُثار القضايا القانونية والحملات الاعلامية والاحتجاجات الشعبية إذا تلقّى هديةً بسيطة، لأنّ المال العام خطٌّ أحمر لا يُمسّ .
نعم ,لا توجد دولة متحضرة في العالم يتصرف فيها السياسي أو القائد أو المسؤول وفقًا لأهوائه ورغباته ونزواته، فالكل مقيد بقانون صارم … .
والدول التي نجحت في إدارة مواردها لم تفعل ذلك لأنها أغنى، بل لأنها وضعت قواعد صارمة: لا أحد فوق القانون، ولا مال يُصرف دون رقابة، ولا امتياز بلا معيار… ؛ أما حين يُترك المال لأهواء الأفراد، فإنّ الدولة تتحوّل تدريجيًا إلى «مزرعة»، والسلطة إلى «مالك»، والمواطن إلى«متلقٍ» .
أما في الواقع العراقي الذي نتحدّث عنه، فقد أصبح الفساد أمرًا مألوفًا، والتفاوت الطبقي ظاهرةً عادية، حتى وصل الأمر إلى حدّ أن يطالب البعض بتنظيم الفساد وتقنينه بدل القضاء عليه، وهو تعبيرٌ صارخ عن عمق الأزمة ؛ وكأن الفساد قدر لا مفر منه… ؛ إن هذا الواقع الأليم يستدعي وقفة جادة وإرادة وطنية حقيقية لاستعادة هيبة المال العام، ووضع حد لهذه السفاهة التي تهدد حاضر البلاد ومستقبل أجيالها …!!
أنّ المشكلة لا تبدأ حين يُسرق المال، بل حين يُعاد تعريفه؛ حين يتحوّل في وعي الحاكم من «أمانة» إلى «هبة»، ومن «حقّ عام» إلى «غنيمة مباحة » .
إنّ استعادة معنى المال العام بوصفه أمانة، لا غنيمة، هي الخطوة الأولى في طريق الإصلاح… ؛ وما لم تُكسر ذهنية «الهبة» لصالح ثقافة «الحق»، سيبقى السؤال معلقًا، وستبقى السردية تتكرر، بأسماء مختلفة، وعناوين جديدة، لكن بالمضمون ذاته: مالٌ يُنفق بلا حساب، وشعبٌ يدفع الثمن … .
إنّ معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات، بل بإعادة الاعتبار لمبدأ الأمانة، وترسيخ سيادة القانون، وبناء مؤسساتٍ شفافة تُخضع الجميع للمساءلة دون استثناء… ؛ فالمال العام ليس هبةً تُمنح، ولا غنيمةً تُقسّم، بل هو حقٌّ مشتركٌ للأجيال، وأمانةٌ في أعناق من يتولّى أمره … .