صباح البغدادي
(*) هل سيُصبح يوم الأربعاء القادم، بانتهاء المهلة المحددة، يوماً أسود يخيّم فيه الظلام على أجواء إيران والخليج، حيث تتكاثف سحب كثيفة من الدخان الأسود والنار المتطايرة، لتعلن معها عودة القصف الصاروخي الذي يمزق السماء ويهز أركان المنطقة؟ أم أننا سنشهد الدخان الأبيض المنبعث من أدخنة ناقلات النفط العملاقة، يرتفع كبشارة سلام تجوب مياه الخليج ، ويعلن معها نذير خير لاستئناف تدفق الذهب الأسود ويعيد الحياة إلى شرايين الاقتصاد الإقليمي المنهك؟ ولغز هذه الإجابة سوف تظل معلقة في العقدة الموجعة التي ما تزال تراوح مكانها، كشبح يحوم فوق طاولات التفاوض :والذي يتمثل حاليآ بمفهوم ومصير اليورانيوم المخصب الذي يُشكل قلب النزاع النووي. وعلى الرغم من الحوافز المالية الضخمة التي بلغت حتى الآن عشرين مليار دولار — كنز من الأموال المجمدة يُعرض كثمن مغري مقابل تسليم المخزون إلى طرف ثالث محايد — إلا أن هذه العقدة ترفض أن تنفك، وكأنها صخرة سيزيف التي تتدحرج إلى القاع كلما حاول الدبلوماسيون دفعها إلى القمة. وفي هذا المشهد الاستشراقي المليء بالغموض والتوتر، يبدو الشرق الأوسط كساحة لعبة شطرنج نووية خطيرة، حيث تتقاطع الطموحات الإمبراطورية مع حسابات الاقتصاد والأمن، ويظل الدخان — أسود أم أبيض — هو الوحيد الذي سيحدد لون سماء يوم الأربعاء القادم .
في ازدواجية المعايير التي تنتهجها طهران في سياستها حول “مضيق هرمز” وتكشف عن عمق ومدى ما بلغت إليه السيطرة على مفاصل الاقتصاد العراقي، حيث أجبرت بحرية الحرس الثوري وقبل ظهر هذا اليوم السبت 18 نيسان ناقلة نفط عملاقة ترفع العلم الهندي وتحمل نحو مليوني برميل من النفط العراقي على العودة أدراجها بعد إطلاق نار تحذيري في مضيق هرمز، وعلى الرغم من تصريح مقر “خاتم الأنبياء” الأسبوع الماضي بان العراق مستثنى من القيود المفروضة على مرور السفن في مضيق هرمز، ووصف العراق بـ”شريك النصر” الذي لا يُستهدف. ولكن الفعل على الأرض يقول شيئاً آخر ومغاير تماما ويكشف لنا حقيقية التعامل والازدواجية الصارخة على الأقل مقارنة بتعامل طهران مع الصين وبينما تُفتح لها أبواب مضيق هرمز على مصراعيها، وتُسمح لها إيران باستيراد النفط كما تشاء وبدون أي شرط أو قيد أو حساب، ويُمنع العراق نفسه من تصدير قطرة واحدة من نفطه! والمعادلة أصبحت واضحة وصريحة ولا غبار عليها : ” ناقلة ترفع علم هندي (دولة محايدة نسبياً ومشترٍ رئيسي للنفط العراقي) تم إجبارها على التراجع، مع تقارير عن إطلاق نار من زوارق إيرانية شمال عُمان. هذا ليس “خطأ لوجستياً” أو تشويش إشارات فقط، بل رسالة عملية واضحة.إيران تُطبق سياسة “الكر والفر”: تمنح إعفاءً شكلياً للعراق لامتصاص الغضب العراقي ومنع انهيار كامل للاقتصاد.ولكنها في الوقت نفسه تحتفظ بالسيطرة الفعلية على المضيق، وتستخدمه كورقة ضغط عندما تريد ومع صمت حكومي مريب من بغداد بل نراها بانها رسالة تحذيرية مبطنة ومباشرة من طهران إلى بغداد، في وقت يعاني فيه العراق من شلل شبه كامل في عملية تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات البرلمانية السادسة ، وتأخر انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من 70 يوماً عن المهلة الدستورية.وهذه الازدواجية ليست تناقضاً عشوائياً، بل سياسة مدروسة في مرحلة الحرب الدائرة مع أميركا وإسرائيل وبالنسبة للفصائل الولائية العقائدية مفادها : ” ابقوا معنا، لكن لا تظنوا أن ولاءكم يمنحكم استقلالية اقتصادية. نحن من يقرر متى يفتح المضيق ومتى يُغلق” وحتى رسالة لأي حكومة عراقية مقبلة وإذا جاءت حكومة لا تلبي “الهوى الإيراني” تماماً (أي أقل ولاءً مطلقاً، أو أكثر انفتاحاً على التوازن مع واشنطن والخليج، أو تحاول تنويع طرق التصدير)، فإن هرمز سيصبح خانقاً أكثر، والخسائر اليومية ستتجاوز عشرات الملايين من الدولارات ورغم أن الفصائل الولائية العقائدية قد صادرت قرار السلم والحرب من يد الحكومة الاتحادية، وسلّمت مقدرات البلد لمصلحة “إيران العليا”، إلا أن طهران تنظر إلى العراق نظرة فوقية اخرى مغايرة لما تصرح به في الاعلام، كأنه مجرد مستعمرة أو إقطاعية او حديقة خلفية تُستخدم متى شاءت وتُرمى متى أرادت.
العراق يدفع الثمن غالياً ومن حيث خزانات ممتلئة، وإيرادات منهارة، واضطرار للتصدير البري المكلف عبر سوريا وشعب يعاني نقص الخدمات رغم ثروته النفطية. الفصائل الولائية التي تقف سياسياً وعسكرياً إلى جانب إيران تجد نفسها عاجزة عن حماية المصلحة الوطنية، بل تُسهم في تحويل العراق إلى دولة رهينة اقتصادياً.ومستقبلياً، يُنذر هذا السيناريو بكارثة إذا استمرت عملية تشكيل الحكومة على هذا النحو. وأي محاولة لتشكيل حكومة “غير مرضية” لطهران قد تواجه تضييقاً متعمداً على الصادرات، مما يعمق الأزمة المالية ويفتح الباب لعقوبات ثانوية دولية أو ضغوط أميركية أشد. وفي المقابل نجد بان الاستمرار في الولاء المطلق يعني استنزافاً مستمراً للموارد الوطنية على مذبح أجندات إقليمية في سبيل مصلحة دولة اجنبية .هذا الحادث اليوم ليس نهاية، بل بداية مرحلة جديدة من استخدام إيران لورقة هرمز كأداة “انضباط” داخل محور “المقاومة والممانعة” فهل ستدرك القوى السياسية العراقية — ولائية كانت أم وطنية — أن الثمن الذي يدفعه الشعب العراقي بات أكبر من أي “ولاء أخوي”، أم أن بغداد ستبقى تتفرج على ثروتها تُستخدم كورقة مساومة في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل؟الأيام المقبلة، خاصة مع استمرار المفاوضات حول رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، ستكشف ما إذا كان هذا التحذير الإيراني مجرد إشارة عابرة أم بداية لخنق اقتصادي ممنهج.
الحرب الأخيرة لم تكشف فقط حقيقية تعامل إيران مع الدول العظمى ، بل كشفت الحقيقة المُرة التي حاول البعض طمسها عن الرأي العام ورجل الشارع العراقي: الفصائل العابرة للحدود ليست “مقاومة” ولا “حرساً ثورياً عراقياً”، بل جدار واقٍ وحائط صد يستخدمه النظام الإيراني حسب حاجة أمنه القومي فقط. هم مجرد أدوات يُوظَّفون لزعزعة استقرار المنطقة، ثم يُرمَون جانباً عندما تنتهي الحاجة.والدليل الأبلغ والأكثر إيلاماً اليوم عندما منعت إيران تصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، رغم كل الولاء الأعمى والدعم المالي والعسكري والسياسي الذي قدمته هذه الفصائل لطهران. فأين هي “الأخوة” الآن؟ أين هي “الروابط المقدسة” التي يتشدقون بها؟
وأي مبررات منتظرة يتفوه بها قادة هذه الفصائل الولائية أمام الرأي العام والشعب العراقي الذي يدفع الثمن غالياً — خزانات ممتلئة، إيرادات منهارة، كهرباء مقطوعة، وخدمات معدومة — بينما يُستخدم نفط بلادهم كورقة ضغط في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؟ وهذه ليست مجرد “ازدواجية إيرانية”، بل خيانة وطنية مكتملة الأركان. لان الفصائل الولائية التي تباهت بالولاء المطلق للولي الفقيه أصبحت اليوم شاهدة على أن طهران لا تنظر إليها إلا كـ”وقود” لمعاركها، وأن العراق — دولة وشعباً — ليس سوى رهينة في يدها. والان متى سيدرك الرأي العام أن هذه الفصائل العابرة للحدود لم تكن يوماً تحمي العراق، بل كانت تحمي مصالح إيران على حساب دماء العراقيين وثروته؟ وان الشعب العراقي، فيبدو لنا بأنه سيخرج من هذه المعركة الخاسر الأكبر في هذه اللعبة، بغض النظر عن اسم وتبعية رئيس الوزراء القادم.