عدنان عبدالله الجنيد
في عالمٍ تُدار فيه الهيمنة بالصمت، وتُسوَّق فيه الخضوعات بوصفها «واقعية»، جاءت الصرخة لا كضجيجٍ عابر، بل كموقفٍ قرآنيٍّ واعٍ، أعلن ـ منذ 17 يناير 2002م ـ نهاية زمن اللاموقف، وبداية اشتباكٍ مفتوح مع منظومة الاستكبار، لا على مستوى السلاح فقط، بل في عمق الوعي، والأخلاق، والشرعية.
لقد أثبتت الصرخة، في واحدةٍ من أعظم مفارقات الصراع المعاصر، أن الصوت حين يمتزج بالوعي والإيمان، يهزم الترسانة حين تفتقر إلى الشرعية الأخلاقية.
فما لم تستطع حاملات الطائرات فرضه، فرضه شعارٌ خرج من القرآن؛ لأن القوة بلا حقٍّ ووعيٍ تصبح عبئًا، لا رصيدًا.
الصرخة: هندسةُ الانكسار النفسيّ للاستكبار
لم تكن الصرخة ردَّ فعلٍ انفعاليًا على أحداث سبتمبر، بل قراءةً استباقيةً لمستقبل الصراع، أدركت باكرًا أن المعركة القادمة ليست فقط على الأرض، بل على الوعي، والموقف، وتعريف العدو.
في لحظةٍ أراد فيها الغرب تحويل الصمت إلى فضيلة، والخوف إلى حكمة، جاء كسر الصمت بوصفه شرفًا ومسؤولية.
يقول الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي (رضوان الله عليه):
«أليس هؤلاء يرهبوننا؟ أليسوا يهددوننا؟ نحن يجب أن يكون لنا موقف، والصرخة هي موقف… نحن نريد أن نكسر هذا الصمت الذي يريد الأمريكيون أن يفرضوه على أمتنا».
هنا تحديدًا، بدأت هندسة الانكسار النفسي للاستكبار؛ إذ سقطت أسطورة «القوة التي لا تُواجَه»، وتحوّل الخوف من قدرٍ مفروض إلى وهمٍ قابلٍ للكسر.
تحطيمُ المصطلحات: حين سقطت المنظومةُ الأخلاقيةُ الغربية
لم تكن الصرخة موجّهةً ضد أشخاص، بل ضد منظومةٍ قِيَميةٍ متهالكة ادّعت حماية الإنسان، بينما شرّعت قتل الطفولة في غزة، وغطّت الجرائم باسم «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان».
لقد حطّمت الصرخة أخطر أسلحة الغرب: سلاح المصطلح.
فمصطلح «الإرهاب» لم يعد قادرًا على شيطنة المقاومة، بعد أن سقطت الأقنعة الغربية، من ازدواجية المعايير في غزة، إلى فضائح الأخلاق السياسية التي كشفت زيف الادعاء الحضاري.
هنا، تحوّلت الصرخة إلى فلترٍ ثقافي، يعيد تعريف المفاهيم، ويفضح الزيف، ويُسقط الشرعية الأخلاقية عن منظومةٍ تقتل وتبكي، وتُجرم الضحية وتبرّئ الجلاد.
السخطُ الاستراتيجيّ: من الغضب إلى القرار
ما تخشاه قوى الاستكبار أكثر من السلاح، هو السخط الواعي.
وقد أدرك الشهيد القائد هذه الحقيقة مبكرًا حين قال:
«إنهم يعرفون كم سيكون هذا السخط مخيفًا لهم، وكم سيكون عاملًا مهمًا في جمع كلمة المسلمين ضدهم».
لم تُنتج الصرخة غضبًا عشوائيًا، بل سخطًا استراتيجيًا، حوّل الانفعال إلى موقف، والموقف إلى قرار، والقرار إلى فعل.
وهذا السخط ذاته هو الذي حرّك البحر، وجعل منع السفن المرتبطة بالعدو قرارًا سياديًا، لا مجرّد رسالة احتجاج.
وحدةُ الساحات: الجغرافيا الإيمانية في مواجهة الجغرافيا الاستعمارية
لم تكن وحدة الساحات تنسيقًا عسكريًا فحسب، بل وحدةً وجدانيةً أعادت تعريف الانتماء، وجعلت اليمني يشعر بوجع الفلسطيني كأنه وجعه الشخصي.
هنا وُلد مفهوم «الجغرافيا الإيمانية»، في مواجهة جغرافيا سايكس–بيكو السياسية.
ولم تعد الحدود المصطنعة قادرةً على عزل الدم عن الدم، ولا القضية عن القضية، بل تجسّد معنى:
{كأنهم بنيانٌ مرصوص}
واقعًا حيًا، تتلاحم فيه الساحات كما تتلاحم القلوب.
وقد صدق الشهيد القائد حين قال:
«اصرخوا، وسوف تجدون من يصرخ معكم في مناطق أخرى».
فمن صنعاء إلى غزة، ومن بيروت إلى بغداد، تهاوت سياسة الاستفراد، وسقط وهم «الساحات المنفصلة».
معادلةُ البحار: حين يكتب الشعارُ سيادةَ الدم:
بلغت الصرخة ذروة تجلّيها حين خرجت من البر إلى البحر.
فهناك، في البحر الأحمر وبحر العرب، تحوّل الشعار إلى عقيدةٍ سيادية، وربط باب المندب بمضيق هرمز في كماشة مضائق واحدة، جعلت أمن التجارة مشروطًا بوقف العدوان على المستضعفين.
وهنا، لم تعد الصرخة موقفًا أخلاقيًا فقط، بل قانون ردعٍ جديد، أسقط وهم السيطرة البحرية، وكشف عجز البوارج عن حماية المشروع الصهيوني.
المرجفون والمنافقون: المرآةُ الصادقةُ لفاعلية الصرخة
كل مشروعٍ تحرريٍّ عظيم، لا بد أن يفضح خصومه في الداخل قبل الخارج.
وقد كشفت الصرخة المرجفين والمنافقين الذين انزعجوا منها، لا لأنهم يخافون الحرب، بل لأنهم يخشون وضوح الموقف.
لم يكن انزعاجهم ضعفًا في الصرخة، بل دليل فاعليتها، ووسيلةً لفرز الصفوف، كما أكّد الشهيد القائد بأنهم «المرآة التي تعكس لك فاعلية عملك».
كسرُ الهيبة: حين انهارت القوةُ النفسيةُ للاستكبار
أخطر ما أصاب منظومة الهيمنة لم يكن الخسائر الميدانية، بل الانهيار النفسي.
فحين يعترف رئيسٌ أمريكيٌّ بانزعاجه من سماع شعار «الموت لأمريكا»، فذلك إقرارٌ صريح بسقوط الهيبة المعنوية.
ولم يقتصر الأمر على التصريحات، بل بلغ ذروة رمزيته حين رفع مندوب الكيان الصهيوني شعار الصرخة بيده داخل مجلس الأمن الدولي في يناير 2026، في مشهدٍ غير مسبوق مثّل اعترافًا قسريًا بأن الشعار الذي أرادوا إسكاتَه بات حاضرًا في قلب مؤسساتهم.
لقد تحوّلت الصرخة إلى فيتو شعبي، نقض الفيتو السياسي، وأثبت أن الهيمنة تبدأ بالسقوط حين تفقد قدرتها على إسكات الأصوات.
الخاتمة: الصرخة… إرهاصاتُ الفجرِ الجديد:
اليوم، لم تعد الصرخة حدثًا في الذاكرة، بل مرجعيةً للمستقبل.
وما نراه في البحار، وفي وحدة الساحات، وفي كسر الهيبة، ليس الذروة، بل البداية.
إنها إرهاصات فجرٍ جديد، تُعلن نهاية زمن القطبية الواحدة، وبداية انهيار منظومةٍ قامت على الظلم، وتغذّت على الصمت.
لقد أثبتت الصرخة أن أضعف الإيمان حين يمتزج بالوعي، يصبح أقوى من أعتى ترسانات الاستكبار حين تفتقر إلى الحق.
وأن الأمة، حين تمتلك موقفها، لا تحتاج إلى إذنٍ لتنتصر.
الله أكبر
الموت لأمريكا
الموت لإسرائيل
اللعنة على اليهود
النصر للإسلام