ثلاثة يتسابقون لمنصب “غوبلز العصر”
حين تتحول الأكاذيب إلى أداة حكم وحرب
عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين
لم يعد التضليل الإعلامي مجرد سلوك عابر في السياسة الدولية، بل أصبح، في حالات معينة، استراتيجية متكاملة لإدارة الحروب وصناعة الواقع.
وعند النظر إلى نماذج مثل ترامب، نتنياهو وأدرعي، نجد أنفسنا أمام ثلاث مدارس متقاطعة في توظيف “الكذب المنهجي” كأداة تأثير، ليس فقط على الخصوم، بل على الرأي العام الداخلي والدولي.
ففي الحالة الأمريكية، تكشف الأرقام التي وثقتها صحيفة واشنطن بوست عن ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ الرئاسة الأمريكية. أكثر من 30 ألف ادعاء مضلل خلال سنة واحدة من ولاية ترامب، لا يمكن تفسيره كأخطاء عفوية أو زلات لسان، بل يعكس نمطًا متعمدًا، يقوم على إغراق الفضاء العام بسيل من المعلومات المشوشة؛ وهذا الأسلوب، المعروف في أدبيات الاتصال بـ”إستراتيجية الإرهاق المعلوماتي” ، يهدف إلى جعل التمييز بين الحقيقة والكذب، مهمة شبه مستحيلة، ما يؤدي إلى تآكل الثقة بالمصادر كافة، وليس فقط بالشخص نفسه.
وهنا تكمن الخطورة؛ فحين يفقد الجمهور بوصلته، يصبح أكثر قابلية لتصديق أي رواية تخدم القوة المسيطرة.
وأما نتنياهو، فيمثل نموذج “الكذب الوظيفي” المرتبط مباشرة بإدارة الحرب.
فالتقارير التي تتهمه بترويج مزاعم حول “تنفيذ إسرائيل الكبرى”، تحت ستار “الشرق الأوسط الجديد” ، “عدم وجود مجاعة” أو ” تحقيق انتصارات حاسمة” رغم الوقائع الميدانية التي تنفي ذلك؛ تكشف عن فجوة صارخة بين الخطاب والواقع.
هذا النوع من الخطاب لا يستهدف فقط تبرير العمليات العسكرية، بل يهدف إلى شراء الوقت سياسيًا، وتفادي الضغوط الدولية، وإبقاء الجبهة الداخلية في حالة تعبئة دائمة.
والأخطر من ذلك هو أن بعض هذه المزاعم يتم دحضها من داخل المؤسسة الإسرائيلية نفسها؛ الأمر الذي يعزز فرضية أن التضليل هنا ليس موجّهًا للخصم فقط، بل أيضًا للجمهور الإسرائيلي.
وفي المستوى الثالث، يأتي أدرعي كأداة تنفيذية في “حرب الرواية”؛ ودوره لا يقتصر على نقل موقف عسكري، بل يتعداه إلى إدارة خطاب نفسي موجه باللغة العربية، يعتمد على التناقض بين الرسائل “التحذيرية” والواقع الدموي على الأرض كونها كمائن للغدر والقتل . فادعاءات “المناطق الآمنة” و عدم وجود فارق زمني بين “التحذير” لتنفيذ عدوان ما وتنفيذه. أو نفي الأزمات الإنسانية، والتي يتم تفنيدها لاحقًا من قبل منظمات دولية ومنصات تحقق، تشير إلى نمط متكرر من إعادة صياغة الوقائع بما يخدم السردية العسكرية.
فهذه ليست مجرد دعاية تقليدية، بل محاولة لإعادة تشكيل إدراك الجمهور العربي نفسه لما يجري.
والقاسم المشترك بين هؤلاء الثلاثة ليس فقط كثافة الادعاءات المضللة، بل المنهجية.
فنحن أمام ثلاث دوائر متكاملة:
1- ترامب: يطبع الكذب سياسيًا ويجعله مقبولًا داخل النظام الديمقراطي.
2- نتنياهو: يوظف الكذب لتبرير الحروب وإطالة أمدها.
3- أدرعي: يترجم الكذب إلى خطاب يومي موجه لإدارة وعي الخصم.
فهذا التكامل يكشف أن المسألة لم تعد تتعلق بأشخاص، بل بنموذج حكم قائم على “إدارة الإدراك” بدل إدارة الحقيقة.
وعندما تصبح الأكاذيب سياسة رسمية، فإن أخطر ما يُصاب ليس فقط الواقع، بل مفهوم الحقيقة نفسه.
فالمشكلة ليست في عدد الأكاذيب، بل في تحولها إلى أداة ممنهجة تُستخدم بثقة وبدون كلفة سياسية حقيقية.
وهذا ما يفرض على المتلقي، سواء كان مواطنًا أو إعلاميًا، الانتقال من موقع الاستهلاك إلى موقع التدقيق والمساءلة. لأن أخطر ما في الكذبة السياسية ليس مضمونها، بل قدرتها على أن تُصدّق.
والخلاصة أن ثلاثة يتقنون فن الكذب كأداة حكم وحرب وفي سباق محموم لترأُس موقع “غوبلز العصر” :
1- ترامب يُغرق الحقيقة بآلاف الادعاءات.
2- نتنياهو يزوّر الواقع لتبرير الإبادة.
3- أدرعي يدير حربًا نفسية بلغة عربية مضلِّلة.
فالمشكلة لم تعد في الكذبة، وهي جوهر نظرية غوبلز … بل في تحويلها إلى سياسة رسمية بلا ثمن.
وحين تسقط الحقيقة، يصبح كل شيء مباحًا.
وبناءً عليه ؛ فكل الحذر من وعود ترامب ونتنياهو.
وإنَّ غدًا لناظره قريب
30 نيسان/ أبريل 2026