العاصفة الجيوسياسية: هل تُعيد رسم الشرق الأوسط عبر «حلف بغداد» جديد؟
بقلم : د. حسام البدري
في خضم العاصفة الجيوسياسية التي تتصاعد على وقع المواجهة الأمريكية–الإيرانية، تكتسب التحركات الميدانية والدبلوماسية أبعادًا تتجاوز ظاهرها المباشر. فزيارة قاآني إلى بغداد يوم أمس واجتماعه بقيادات الإطار التنسيقي، تزامنًا مع حضور توم باراك اليوم إلى العاصمة ذاتها، لا يمكن قراءتهما كوقائع منفصلة، بل كمؤشرات دلالية على اشتباك الإرادات فوق الجغرافيا العراقية. هنا تتولد أسئلة مركزية: هل تحولت بغداد إلى عقدة تفاوض غير معلنة بين المحاور؟ وهل يحمل الحضور الأمريكي رسالة ردع مضادة، أم أنه جزء من إعادة تموضع داخل معادلة أوسع قيد التشكل؟ ثم، هل ما يجري هو إدارة أزمة، أم تمهيد لولادة نظام تحالفات جديد؟
في خضم هذا التصعيد، لم تعد التحالفات تُفهم كاصطفافات جامدة، بل كشبكات متحركة من المصالح والتقاطعات. ومن هنا يعود “حلف بغداد” لا كذكرى تاريخية، بل كنموذج ذهني لإعادة تشكيل المجال الأمني في الشرق الأوسط. فبينما كان حلف 1955 نتاج نظام دولي ثنائي القطبية، فإن الواقع الحالي تحكمه سيولة متعددة الأقطاب، حيث تتداخل القوى الكبرى مع الإقليمية ضمن ما يمكن تسميته بـ“هندسة التوازن المتغير”.
فهل نحن أمام إعادة إنتاج الحلف كفكرة وظيفية، أم أمام ولادة نظام تحالفات يتجاوز أصلاً مفهوم الأحلاف التقليدية؟
في قلب هذا المشهد، يبرز المحور السعودي–الباكستاني كمرشح لنواة صلبة لأي ترتيب أمني جديد. فالعلاقة بين الطرفين تتجاوز السياسة إلى عمق استراتيجي يشمل الأمن والدفاع، مع امتلاك باكستان للقدرة النووية مقابل الثقل المالي والجيوسياسي السعودي. هذا التلاقي قد يؤسس لما يشبه “مظلة ردع غير معلنة”، قادرة على إعادة ضبط موازين القوى في مواجهة التهديدات الإقليمية.
لكن هل يتحول هذا المحور إلى قيادة فعلية لتحالف أوسع، أم يبقى مجرد ركيزة احتياطية ضمن حسابات توازن أكثر تعقيدًا؟
بموازاة ذلك، يتموضع المحور القطري–التركي كقوة مرنة تتقن لعبة النفوذ الشبكي. فهو لا يسعى إلى تحالفات صلبة بقدر ما يعمل على بناء تأثير متعدد المستويات، يجمع بين السياسة والإعلام والقوة العسكرية التركية المتنامية. هذا النمط يجعله عنصر ربط ديناميكي داخل أي منظومة تحالفية ناشئة.
فهل سيكون هذا المحور عامل تماسك داخل أي “حلف جديد”، أم قوة توازن تمنع تحوله إلى كتلة صلبة قد تفقد مرونتها؟
أما الصين، فهي تمثل البعد الأكثر هدوءًا وعمقًا في هذه المعادلة. إذ لا تنخرط في تحالفات عسكرية مباشرة، بل تبني نفوذها عبر الاقتصاد والطاقة ومبادرة “الحزام والطريق”، مع علاقات متوازنة تمتد من إيران إلى الخليج. الصين تتحالف مع الاستقرار لا مع الأطراف، وتسعى إلى ضمان تدفق المصالح لا الانخراط في الصراعات.
فهل يمكن لبكين أن تكون الضامن غير المعلن لأي توازن إقليمي جديد، أم أن حيادها الاستراتيجي سيتحول إلى نفوذ صامت يعيد تشكيل قواعد اللعبة دون إعلان؟
روسيا، في المقابل، تتحرك بمنطق مختلف: قوة عسكرية تسعى لكسر الهيمنة الغربية، لكنها تعتمد على التموضع الذكي أكثر من القيادة المباشرة. علاقتها بإيران وثيقة، لكنها تحتفظ بقنوات مع تركيا والخليج، ما يمنحها دور “اللاعب الموازن” القادر على التأثير دون التورط الكامل.
فهل تختار موسكو دعم أي تحالف إقليمي جديد كوسيلة لتقليص النفوذ الأمريكي، أم تفضّل إبقاء التوازن هشًا لضمان استمرار حاجتها كلاعب ضروري؟
في مواجهة ذلك، يستمر المحور الأمريكي–الإسرائيلي، مدعومًا ببعض القوى الإقليمية، في بناء نظام تحالفات أكثر صلابة يقوم على التفوق العسكري والتكامل الأمني. وهنا يتبلور التنافس بين نموذجين: تحالفات صلبة تقودها واشنطن، مقابل شبكات مرنة متعددة الأقطاب قد تشكل ملامح “حلف بغداد الجديد”.
فهل يتجه الشرق الأوسط نحو استقطاب ثنائي جديد، أم نحو فوضى منظمة من التحالفات المتداخلة التي لا يمكن حسمها؟
غير أن العامل الحاسم اليوم يكمن في تطور أدوات القوة: من الردع النووي إلى الصواريخ فرط الصوتية والحروب السيبرانية. هذه التحولات لم تعد تسمح بقيام أحلاف تقليدية جامدة، بل تفرض أنماطًا سيّالة من التحالفات تتغير بتغير التهديدات.
فهل ستقود ثورة التسليح إلى تثبيت توازنات جديدة، أم إلى تسريع انهيار أي تحالف قبل أن يكتمل؟
الخلاصة
“حلف بغداد الجديد” إن وُجد، فلن يكون تحالفًا معلنًا، بل منظومة علاقات معقدة: نواة صلبة (السعودية–باكستان)، أطراف مرنة (تركيا–قطر)، مظلة اقتصادية (الصين)، وقوة موازنة (روسيا)، في مواجهة محور أمريكي–إسرائيلي تقليدي. نحن لا نشهد عودة التاريخ، بل إعادة صياغته ضمن هندسة قوة ديناميكية.
لكن السؤال الأعمق: هل ما يتشكل هو تحالف جديد فعلًا، أم مرحلة انتقالية ستُنتج نظامًا عالميًا مختلفًا يتجاوز الشرق الأوسط نفسه؟