فلسفة نيتشه من الفهم الفيلولوجي إلى الحفر الجينولوجي.

الجزء الأول.

سليم جواد الفهد

في عام 1986 قرأت “هكذا تكلم زرادشت: كتاب للكل وليس لأحد” لفريدريك نيتشه ترجمة فليكس فارس.

وما هي إلا دقائق حتى رميت الكتاب وأنا ألعن نيتشه “فيلسوف النازية” هكذا كنت أسميه! ثم طويت كشحا عنه حتى أعادني إليه أستاذي الفاضل فؤاد زكريا (طاب ثراه) عندما قرأت كتابه “نيتشه”.

ثم توالت القراءات “أصل الاخلاق وفصلها” بترجمة المترجم الفذ حسن قبيسي. ثم “ما وراء الخير والشر” فلسفة للمستقبل. ثم السفر الرائع “نيتشه وإرادة القوة” لبيير مونتيبيلو بترجمة الدكتور جمال مفرج. و وقع بيدي الكتاب الرائع “نيتشه ومهمة الفلسفة” قلب تراتب القيم والتأويل الجمالي للحياة لعبد الرزاق بلعقروز وتوالت القراءات متأنية تقترب من الموضوعية والفهم الدقيق بدون سوابق إيديولوجية تعمي البصيرة عندها أدركت إن ترك الفهم الموضوعي في أي نقد مراهقة صبيانية.

اليوم ندرس نيتشه بعقل قد تخلص من العمى الإيديولوجي والسوابق الذهنية المعيقة للفهم والتفهم.

تمهيد:

يُعد الانتقال من الفيلولوجيا (فقه اللغة) إلى الجينولوجيا (علم الأنساب) في فكر فريدريك نيتشه تحولا جذريا لا يمثل مجرد تغيير في الموضوعات البحثية بل يمثل إعادة صياغة كاملة لأدوات “التفكير” و”الحقيقة”.

لإدراك هذا الانتقال يجب أن نفهم أن نيتشه لم يتخل عن الفيلولوجيا بل طورها من أداة لفهم النصوص القديمة إلى أداة لفهم “جسد” الثقافة والحضارة.

أولاً: مرحلة الفيلولوجيا (نقد النص ومصدره):

بدأ نيتشه حياته الأكاديمية كعالم “فيلولوجيا” كلاسيكي بارع حيث أنكب على دراسة النصوص الإغريقية القديمة معتمدا على منهج التحليل التاريخي اللغوي الصارم للنصوص. كان ينظر إلى النص – سواء كان كتاباً أو أسطورة – كبنية لغوية لها “أصل” يجب الكشف عنه.

وأدرك نيتشه مبكراً أن الفيلولوجيا التقليدية عاجزة عن فهم “الحياة” الكامنة وراء النص. معتبرا أن النصوص -خاصة اليونانية- ليست مجرد كلمات بل هي تعبير عن صراع قوى (أبولوني) مقابل (ديونيسي). و بدلا من الأكتفاء بتصحيح الكلمات بدأ نيتشه يتساءل: ما هو نمط الحياة الذي أنتج هذه اللغة وهذا النص؟

ثانيا: مرحلة الجينولوجيا -نقد القيم وتفكيك الأصل-.

مع نضوج فكره تحولت الفيلولوجيا إلى جينولوجيا فإذا كانت الفيلولوجيا تبحث في أصل “الكلمات” فإن الجينولوجيا تبحث في أصل “القيم” (الأخلاق، الدين، الحقائق العلمية).

تجدر الإشارة إلى أن الجينولوجيا ليست تأريخا خطيا للأفكار بل هي منهج “حفر أركيولوجي” في أعماق النفس البشرية للكشف عن الدوافع الخفية التي أنتجت هذه القيم.

لم ينظر نيتشه إلى “الخير” و”الشر” كحقائق مطلقة مقدسة بل نظر إليهما كأعراض لنمط حياة معين -إما ضعف أو قوة-.

وتسائل: ما هو الثمن الذي دفعناه لنعتقد إن هذا المفهوم “حقيقي” أو “خير”؟

وآلية إنتقال نيتشه من النص إلى الحياة.

يمكن تلخيصها في ثلاثة تحولات مفصلية:

أولا: من الفيلولوجيا- البداية- إلى الجينولوجيا-النضج-.

في الفيلولوجيا كان الموضوع المبحوث هو النص المكتوب (القيم والمفاهيم والأخلاق)

وكان الهدف من البحث هو استعادة المعنى الأصلي أي كشف “إرادة القوة” وراء المعنى وكانت أداة البحث هي النقد اللغوي والتاريخي وبعبارة أكثر دقة النقد التفكيكي والتحليل النفسي.

ثانيا: من المعنى إلى “إرادة القوة”: في الفيلولوجيا كان نيتشه يبحث عن “ماذا يقصد المؤلف؟” في الجينولوجيا يبحث عن “ما هي الإرادة التي تفرض هذه القيمة؟” أدرك نيتشه بثاقب بصره إن القيم ليست ثابتة بل هي نتاج صراعات وأدوار تاريخية. فبدلا من البحث التقليدي الفلسفي عن “جوهر” الأخلاق بحث في “تاريخها”. أي كيف تشكلت وما هي القوى التي شكلتها.

ثالثا: التفلسف بالمطرقة:

بهذا الفهم الجديد والدقيق تحول نيتشه من قارئ ومفسر للنصوص إلى “طبيب للحضارة” يستخدم المشرط الجينولوجي ليشرح “أوهام” الأخلاق التقليدية التي تعيق الحياة.

يُعد هذا الانتقال هو الأهم في تاريخ الفلسفة لأنه

حرر الفلسفة من سلطة “الميتافيزيقا”. فالجينولوجيا النيتشوية كشفت لنا أن “الحقيقة هي خطأ مفيد للبقاء”. نعم نحن لا نكتشف القيم نحن نخترعها بناءً على حاجتنا للقوة أو حاجتنا للراحة (العدمية).

بإيجاز: الفيلولوجيا علمت نيتشه كيف يقرأ ما بين السطور والجينولوجيا علمته كيف يقرأ ما بين “القيم” ليثبت أن كل ما نعتبره “حقيقة أبدية” ليس إلا “نصاً” تم تزويره بفعل صراعات القوى وأهل النفوذ والمال عبر التاريخ.

مراحل تطور فلسفته:

أولا: المرحلة الفيلولوجية (1869-1879).

……………….

بدأ نيتشه حياته العلمية كأستاذ فيلولوجيا في جامعة بازل عام 1869 مستخدما المنهج الفيلولوجي “فقه اللغة” لتحليل الثقافة اليونانية كما في كتابه “ميلاد التراجيديا” (1872) حيث ربط بين التوازن الأبولوني (النظام) والديونيسي (الغريزة) عبر قراءة نصوص هوميروس وسوفوكليس. كان الفهم الفيلولوجي أداة لاستعادة “الصحة” الحضارية من جذورها التاريخية لكنه سرعان ما تجاوزه لنقد الحاضر.

نقطة التحول (1879-1886).

……………….

مع ترك التدريس بسبب المرض عام 1879 تخلى نيتشه عن الفيلولوجيا الأكاديمية لصالح فلسفة “المطرقة” كما يسميها في أعمال مثل “العلم المرح” (1882) و”هكذا تكلم زرادشت” (1883-1885) حيث انتقل من تفسير النصوص إلى نقد القيم عبر “إرادة القوة” وإعلان “موت الإله”. هنا بدأ “الحفر” الجينيالوجي كامتداد للفهم الفيلولوجي لكنه أعمق.

الجينالوجيا الناضجة (1886-1888).

……………..

بلغت الجينولوجيا ذروتها في كتابه “ما وراء الخير والشر” (1886) و كتابه “جينيالوجيا الأخلاق” (1887) حيث طبق المنهج الجينالوجي كتتبع تاريخي لنشأة الأخلاق من قيم “السادة” (القوة والنبل) إلى قيم “العبيد” (الرحمة والضعف) كاشفا النوازع النفسية الخفية بدلا من التحليل السطحي.

هنا بلغت الجينالوجيا عند نيتشه منعطفها الخطير حيث قلبت منهج الفلسفة من البحث عن “الحقيقة” إلى تقويمها عبر تشريح “القيم” لتأكيد جينالوجيا الحقيقة كمنهج وتسائل:

كيف أصبحت “الحقيقة” قيمة عظمى وكيف تم تشكيلها عبر التاريخ؟

للحديث بقية.

لا يتوفر وصف للصورة.