معايير التمييز بين الطرح الوطني والطرح الطائفي

محمد عبد الجبار الشبوط

في خضمّ الجدل الدائر حول الهويات والانتماءات، يختلط الأمر أحيانًا بين ما هو “وطني” وما هو “طائفي”، ويجري الحكم على الخطابات من خلال مفرداتها الظاهرة لا من خلال بنيتها العميقة ووظيفتها الفعلية. والحقيقة أن التمييز بين الطرحين لا يقوم على الكلمات المستخدمة بقدر ما يقوم على طبيعة الرؤية التي تحكم النص، والغاية التي يسعى إليها، والآثار التي ينتجها في الواقع.

الطرح الوطني يبدأ من الإنسان بوصفه مواطنًا كامل الحقوق، لا بوصفه تابعًا لهوية فرعية، ويجعل من الدولة إطارًا جامعًا يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات، وتكون فيه القيم العليا — كالعدالة والمساواة والحرية — هي المرجعية الحاكمة. في هذا الطرح، لا تُلغى الهويات الفرعية، لكنها تُدار ضمن منظومة أوسع تمنع تحولها إلى أدوات صراع أو تمييز، وتُبقيها في حدودها الثقافية والاجتماعية الطبيعية دون أن تتحول إلى مشاريع سياسية مغلقة.

أما الطرح الطائفي، فإنه — حتى وإن تجنّب اللغة العدائية — ينطلق من هوية فرعية بوصفها مركز البناء والتحليل، ويعمل على تنظيمها وتقويتها ككتلة مستقلة تسعى إلى تثبيت موقعها أو تعظيم حصتها في السلطة والثروة والتمثيل. وفي هذه الحالة، تصبح الهوية معيارًا ضمنيًا للتفكير السياسي والاجتماعي، حتى لو رُفعت شعارات المساواة أو أُعلنت النوايا الحسنة تجاه الآخرين.

ومن هنا، يمكن تحديد مجموعة من المعايير الفارقة بين الطرحين:

أولاً، معيار نقطة الانطلاق: هل يبدأ الخطاب من “المواطن” أم من “الطائفة”؟ فكل خطاب يجعل الطائفة وحدة التحليل الأساسية يقترب من الطائفية، بينما الخطاب الذي يجعل الإنسان/المواطنة أساسًا يقترب من الوطنية.

ثانيًا، معيار الغاية: هل الهدف بناء نظام عام يخدم الجميع، أم تعزيز موقع جماعة بعينها داخل هذا النظام؟ فالطرح الوطني يسعى إلى بناء دولة عادلة، بينما الطرح الطائفي يسعى — صراحة أو ضمنًا — إلى تحسين موقع طائفة محددة.

ثالثًا، معيار اللغة الوظيفية لا الشكلية: ليس المهم أن يقول الخطاب “نحن لا نقصي الآخرين”، بل المهم كيف يوزّع الأدوار والحقوق في بنيته العميقة. فكثير من الخطابات الطائفية تستخدم لغة وطنية، لكنها تبقى طائفية في مضمونها.

رابعًا، معيار العلاقة مع الآخر: هل يُنظر إلى الآخر بوصفه شريكًا كاملًا في الوطن، أم بوصفه طرفًا مقابلًا يجب موازنته أو التحوط منه؟ الطرح الوطني يلغي ثنائية “نحن/هم” سياسيًا، حتى لو بقيت ثقافيًا.

خامسًا، معيار التنظيم: هل يتم تنظيم المجتمع على أساس المواطنة والمؤسسات، أم على أساس الانتماءات الفرعية والتعبئة حولها؟ فكل مشروع يبني قوته على تعبئة طائفة، يضع نفسه تلقائيًا في فضاء الطائفية.

سادسًا، معيار الأثر: ماذا ينتج عن الخطاب في الواقع؟ هل يعزز الاندماج الاجتماعي والثقة العامة، أم يعمّق الانقسام ويعيد إنتاجه؟ فالنتائج هنا تكشف حقيقة الخطاب أكثر من نواياه.

إن الوطنية ليست شعارًا لغويًا يُستبدل بكلمة “شيعي” أو “سني”، بل هي بنية فكرية وأخلاقية تُعيد تعريف الإنسان خارج القيد الطائفي، وتبني الدولة على أساس جامع لا يسمح بتحويل الهويات الفرعية إلى مراكز قوة متقابلة. أما الطائفية، فهي ليست دائمًا صاخبة أو عدائية، بل قد تكون هادئة ومنظمة، لكنها تظل قائمة ما دامت الطائفة هي نقطة البدء ونقطة الوصول.

والفارق الحاسم بينهما ليس في الكلمات، بل في مركز الرؤية: هل هو الإنسان بوصفه مواطنًا، أم الجماعة بوصفها طائفة.

إن إشكالية التوتر بين الوطنية والطائفية لا تُحلّ بمجرد الدعوة الأخلاقية أو تغيير اللغة، بل تحتاج إلى إطار نظري وعملي يعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والدولة والمجتمع، وهو ما تطرحه فكرة الدولة الحضارية الحديثة. فهذه الدولة لا تقوم على إنكار الهويات الفرعية ولا على إطلاقها بلا ضابط، بل على إدماجها ضمن منظومة قيمية عليا تجعل المواطنة هي الإطار الناظم، وتحوّل التنوع من مصدر صراع إلى مصدر غنى. إنها دولة تنطلق من الإنسان بوصفه قيمة مركزية في المركب الحضاري، وتؤسس مؤسساتها على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، بحيث لا تبقى هناك حاجة لتحصين الأفراد داخل طوائفهم طلبًا للأمان أو الحقوق. وفي هذا السياق، تنتقل الهويات الفرعية من كونها أدوات تعبئة سياسية إلى فضاءات ثقافية واجتماعية طبيعية، بينما تتكفّل الدولة، بقوانينها العادلة ومؤسساتها الكفوءة، بضمان الحقوق للجميع دون تمييز. وهكذا، لا تُلغى الطوائف، لكنها تفقد وظيفتها السياسية، ويُعاد بناء المجال العام على أساس القيم المشتركة، لا الانقسامات الموروثة، وهو الشرط الضروري لأي انتقال حقيقي من الطائفية إلى الوطنية.