الوطنية المشروطة والطائفية المتبادلة: إشكالية الوعي في مجتمعات الانقسام

محمد عبد الجبار الشبوط

يبدو للوهلة الأولى أن الدعوة إلى “توازن طائفي في الوعي” هي دعوة واقعية، تنطلق من إدراك اختلالات التاريخ وسلوك الجماعات، لكنها في حقيقتها تعيد إنتاج المشكلة بدل حلّها، لأنها تؤسس لما يمكن تسميته بـ“الوطنية المشروطة”، أي الوطنية التي لا تُمارَس إلا إذا مارسها الآخر أولًا.

هذا المنطق — رغم وجاهته النفسية — يقود إلى نتيجة خطيرة: تثبيت الطائفية كقاعدة دائمة، لا كحالة استثنائية ينبغي تجاوزها. فحين يُقال إن كل جماعة ينبغي أن تحافظ على تماسكها وتعبئتها لأن الأخرى تفعل ذلك، فإننا نكون أمام معادلة مغلقة تُنتج سباقًا دائمًا نحو التمترس، لا نحو الاندماج.

المشكلة هنا ليست في توصيف الواقع، فواقع الانقسام حقيقي، بل في تحويل هذا الواقع إلى مرجعية معيارية، أي إلى أساس يُبنى عليه التفكير السياسي. وهنا يحدث الانزلاق: من فهم الطائفية إلى تبريرها.

إن القول بأن “الشيعة يتنازلون باسم الوطنية بينما الآخر لا يفعل” هو حكم عام يصعب ضبطه علميًا، لأنه يُحمّل جماعة كاملة سلوكًا واحدًا، ويحوّل “الآخر” إلى كتلة صلبة متجانسة، وهو ما يعيد إنتاج الثنائية الطائفية ذاتها التي يُراد معالجتها.

الأخطر من ذلك أن هذا المنطق يقترح حلًا يقوم على تقسيم العمل الطائفي في إنتاج الوعي: هذا يخاطب الشيعة، وذاك يخاطب السنة. وهنا نكون قد انتقلنا من نقد الطائفية إلى مأسستها فكريًا، لأن الخطاب نفسه أصبح موزعًا على أساس طائفي.

الوطنية، في معناها العميق، لا يمكن أن تكون مشروعًا انتقائيًا أو مرحليًا أو مشروطًا بسلوك الآخرين، لأنها عندئذ تفقد جوهرها وتتحول إلى تكتيك سياسي. الوطنية الحقيقية هي التي تُنتج معيارًا أعلى يُحاكم الجميع، لا أن تنخرط في منطق “رد الفعل” على سلوك هذا الطرف أو ذاك.

وهنا تبرز أهمية فكرة الدولة الحضارية الحديثة بوصفها مخرجًا من هذا المأزق، لأنها لا تطلب من جماعة أن “تتسامى أخلاقيًا” بينما الأخرى لا تفعل، بل تبني نظامًا مؤسسيًا يفرض قواعد عادلة على الجميع، ويمنع تحويل الطوائف إلى أدوات صراع على السلطة والموارد. في هذا الإطار، لا يكون المطلوب أن يكون “الشيعي طيبًا” أو “السني متنازلًا”، بل أن تكون الدولة عادلة بما يكفي لكي لا يحتاج أي منهما إلى الاحتماء بطائفته.

إن أخطر ما في الخطاب الطائفي المعاصر أنه لم يعد دائمًا خطاب كراهية صريح، بل أصبح خطاب “حذر واقعي”، يبرر التمترس بحجة الخوف من الآخر. وهذا الخطاب — رغم هدوئه — أكثر قدرة على ترسيخ الانقسام، لأنه يبدو عقلانيًا ومقبولًا.

الخروج من هذا المأزق لا يكون بتبادل الأدوار في الخطاب الطائفي، بل بكسر قاعدته من الأساس: أي إعادة بناء الوعي على أن الإنسان هو الأصل، والمواطنة هي الإطار، والقيم هي الحاكمة، وأن أي مشروع يبدأ من الطائفة — مهما حسنت نواياه — سيبقى يدور في حلقة الطائفية.