ظلالُ الصوتِ الحر

رياض سعد

في مساءٍ ثقيلٍ كأنّه يحملُ على كتفيه همومَ مدينةٍ كاملة، جلسَ أبو فرات قبالةَ صديقه حميد في غرفةٍ تتكدّسُ فيها الكتبُ كما تتكدّسُ الأسئلةُ في رأسيهما… ؛ كان الضوءُ خافتًا، والسكوتُ بينهما أكثرَ بلاغةً من الكلام .
قال حميد، وهو يُقلّبُ أوراقَ مخطوطه بعصبيةٍ خفيفة :
أوشكتُ أن أنهي هذا العمل… ؛ لن أساوم هذه المرّة… , سأكتبُ عن كلّ ما يُخفيه الناس، عن تلك الأسوار التي بنوها حول عقولهم وسمّوها تقاليد …
رفع أبو فرات نظره ببطء، كمن يعرفُ نهايةَ الطريق قبل أن يُسلك :
وهل تظنّ أنّ الحقيقة وحدها تكفي؟
ابتسم حميد ابتسامةً متعبة
ليست الحقيقةُ ما يكفي… ؛ بل الشجاعة .
سكت أبو فرات قليلًا، ثم قال بنبرةٍ هادئةٍ لكنها حاسمة :
أحيانًا، الشجاعةُ لا تُنقذ صاحبها…؛ بل تتركه وحيدًا في ساحةٍ مليئةٍ بالحجارة.
توقّف حميد عن الحركة… ؛ شعر بشيءٍ قديمٍ يستيقظ في داخله، ذكرى لم يكن يريد أن يستدعيها… ؛ تنفّس بعمق وقال :
أتذكر المرحوم الشيخ حسين البغدادي؟
انخفضت عينا أبي فرات، كأنّ الاسم يحملُ ثقلًا خاصًا … ؛ ثم قال :
كيف أنساه… كان أكثرنا صدقًا .
اقترب حميد من النافذة، وأكمل بصوتٍ أخفت :
ذات يوم، قلتُ له : لماذا لا تكتب عمّا تعرف؟ عن تلك الأسرار التي يتهامس بها الجميع ولا يجرؤ أحد على إعلانها؟
وماذا قال؟ سأل أبو فرات، رغم أنه يعرف الإجابة.
أغمض حميد عينيه لحظةً، ثم قال :
قال لي: أخاف.
ابتسم أبو فرات ابتسامةً حزينة :
حتى حسين خاف… !
!لم يكن خوفًا عاديًا، تابع حميد؛ قلتُ له: لقد بلغتَ من العمر عتيًّا، فممَّ تخاف؟
فقال : أخاف منهم حتى وأنا ميت… ؛ لأنهم سيشوّهون سمعتي .
ساد الصمتُ مرةً أخرى، لكنّه هذه المرة كان أثقل… ؛ كأنّ روح حسين جلست بينهما، تُصغي، وتبتسم بسخريةٍ مريرة …
قال أبو فرات :
هل فهمت الآن؟ ليست القضيةُ ما تكتب…؛ بل ما سيبقى منك بعد أن ترحل.
التفت حميد إليه، وفي عينيه صراعٌ لا يُحسم :
“لكن، ماذا يبقى إن صمتنا؟!
ماذا يبقى إن عشنا حياتنا نُراوغ الحقيقة؟!
ألسنا بذلك نُشارك في الكذبة الكبرى؟
اقترب أبو فرات منه، ووضع يده على كتفه، ثم قال بصوتٍ أكثر عمقًا، كأنّه يُخرج الكلمات من طبقاتٍ بعيدة من التجربة :
رسالتك، فيها من الحكمة ما يفوق ضجيج الشجاعة الفارغة… ؛ أحيانًا يكون التراجع خطوةً إلى الخلف، لكنه في الحقيقة صيانةٌ للاسم من أفواهٍ تعيش على الوحل .. . .
ما قلتُه لك لم يكن دعوةً إلى الصمت، بل دعوةً إلى اختيار المعركة التي تستحق… ؛ فليس كل بابٍ يُطرق، ولا كل جدارٍ يُهدم بالكتابة… ؛ هناك حقائق تُقال في زمنها، وأخرى إذا قيلت في غير أوانها أكلتها الغربان …
أما خوف الشيخ حسين حتى بعد الموت، فليس خوفًا من الناس، بل من ذاكرة الناس حين تقع في يد الجهلة …
اكتب ما تشاء، لكن انشر حين يكون للكلمة جناحان، لا حين تُرمى بها وحدها في ساحة الذئاب …
وأطمئنك، الكاتب الواعي لا يقل شجاعةً عن المتهوّر… لكنه أقل ضجيجًا .
جلس حميد ببطء، كأنّ الكلمات لم تُقنعه تمامًا، لكنها أصابته في مكانٍ لا يُرى… ؛ نظر إلى مخطوطه طويلًا، ثم قال :
أتعلم؟ كنتُ أظنّ أنّ الكتابةَ تحرير…؛ لكنّي بدأتُ أشعر أنّها محاكمة.
هي الاثنان معًا، أجاب أبو فرات.
رفع حميد رأسه، وعيناه تلمعان بشيءٍ يشبه الانكسار :
إذن، ماذا أفعل؟
ابتسم أبو فرات ابتسامةً باهتة :
اختر… ؛ بين أن تكون صوتًا عاليًا يحترق، أو صدىً خافتًا يعيش طويلًا.
نظر حميد إلى أوراقه، ثم طواها ببطء… ؛ لم يمزّقها، ولم يُكملها… ؛ فقط وضعها جانبًا، كأنّه يؤجّل حكمًا لا يستطيع إصداره …
في تلك اللحظة، شعر بأنّ الخوف ليس عدوًا بسيطًا، بل هو شكلٌ آخر من أشكال الانتماء… ؛ وأنّ الإنسان، مهما ادّعى الحرية، يبقى معلّقًا بين ما يؤمن به، وما يخشى أن يُقال عنه .
خارج الغرفة، كانت المدينة تمضي كعادتها، تُكافئ الصامتين…؛ وتُعاقب من يرفع صوته أعلى من اللازم …!!