شذرات عن الامام الجواد عليه السلام بمناسبة شهادته (ح 2)

د. فاضل حسن شريف

لا غرابة ان يختار الله انبياء واولياء يتكلمون وهم اطفال وصبيان”إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا” (المائدة 110)، وهكذا تكلم الامام الجواد عليه السلام وعمره ثلاثة ايام، وكذلك يعلمون الناس وهم اطفال وصبيان فقد اوتي يحيى عليه السلام الحكم صبيا”يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا” (مريم 12) وكما حصل للامام الحجة عجل الله فرجه عندما تولى الامامة وهو في صبا

وقد احتج نفر من صغر الامام الجواد عليه السلامعندما أشار أباه الرضا عليه السلام الى ولده الصبي بالامامة. ورُوي أنّ الإمامالرضا عليه السّلام قال لعليّ بن أسباط: يا عليّ، إنّ الله احتجّ في الإمامة بمثلما احتجّ في النبوّة، فقال”وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيّاً” (مريم 12)،وقال”ولمّا بَلَغَ أشُدَّه” (يوسف 22)،”وبَلَغَ أربعينَ سَنة” (الاحقاف 15)، فقد يجوز أن يُؤتى الحُكم صبيّاً، ويجوز أن يُعطاها وهو ابنأربعين سنة. أي أنّ الاصطفاء الإلهيّ اصطفاءٌ طليق لا يخضع لاعتبارات السنّوالعمر، بل يرتبط بالمضمون الإلهيّ في داخل من يصطفيه الله تعالى ويختاره. استدعى المأمون الإمام الجواد عليه السلام بعداستشهاد ابيه الامام الرضا عليه السلام الى بغداد وزوجه ابنته أم الفضل. وفضلالامام الرجوع الى المدينة المنورة لافعال المأمون وحاشيته الفاحشة. وبعد وفاةالمأمون أصبح أخوه المعتصم فاستدعى الإمام الجواد عليه السلام الى بغداد وقتله بعداشهر قليلة وذلك بطلب من زوجته أم الفضل أن تسمه. وتذكر الروايات انها ماتت معذبةبعد أن اصابها مرض لفترة طويلة عقابا لما اقترفت يداها من قتل زوجها. قال الله سبحانه وتعالى “وَلْتَكُنْمِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِوَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (آل عمران107) عن صفات المؤمنين في امة الخير والمعروف قال الامام الرضا عليه السلام (العلمخليل المؤمن والحلم وزيره، والعقل أميرجنوده، والرفق أخوه، والبر والده). قال الله جل جلاله “وَمَامُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَأَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىعَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُالشَّاكِرِينَ” روى الشيخُ الصدوق رحمه الله، بسندٍ صحيح، عن أبي الصلتالهروي، قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: (واللهِ ما مِنَّا إلا مقتولٌ شهيدٌ)(آل عمران 144). قال الإمام الرضا عليه السلاملأصحابه: (قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار، وشبيه عيسى بن مريم). وردسؤال عن ما هو وجه الشبه بين الإمام الجواد عليه السلام وبين هذين النبيّين صلىالله عليه وآله؟ بينت الروايات: الظاهر أنّ الإمام الرضا عليه السلام يقصد بكلامههذا على فرض صحّة الرواية سنداً بأنّ ولده الإمام الجواد عليه السلام قد شاءتالمصلحة الإلهية أن لا يولد في أيّام شباب الوالد عليه السلام، بل ولد يوم كان عمرالإمام الرضا عليه السلام خمسة وأربعين سنة تقريباً، وهذا التأخير كان تمحيصاًشديداً وابتلاءً عظيماً للمؤمنين”حَتَّىَ يَمِيزَ الْخبِيثَ مِنَالطَّيِّبِ” (ال عمران 179)، بحيث إنّ البعض قد بدأ يُشكّك في مصداقية إمامةالإمام الرضا عليه السلام لعدم وجود عقب له، فمن هذه الجهة تشابهت قصّة ولادتهعليه السلام بموسى عليه السلام، حيث إنّ بني إسرائيل يئسوا من ظهور المنقذ لهم منظلم فرعون بسبب تأخيره، حتّى أتاهم بعد فترة من الامتحان والاختبار. وأمّا وجهالشبه بينه وبين عيسى صلى الله عليه وآله فهو أنّ عيسى عليه السلام آتاه اللهتعالى الكتاب والنبوّة وهو طفل رضيع، وتكلّم في المهد وهو صبيّ، كذلك الإمامالجواد عليه السلام آتاه الله الإمامة وهو طفل، وكان يكلّم الناس بكلام الحكماءوالعرفاء، وهو في مرحلة الطفولة.

لم يتجاوز عمر الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام ثمان سنوات عندما تولى الامامة عام 203 هجرية واستشهد وهو في عمر 25 سنة. وعاصر الإمام الجواد عليه السلام خليفتين من بني العباس المأمون 15 سنة والمعتصم سنتين. رزق الامام الرضا عليه السلام بابن في السنوات الاخيرة من عمره الشريف. وقد عاش في فترة الدولة العباسية حيث كان المأمون والمعتصم أقل قساوة واجرام من المنصور وهارون. فقد سمح للامام الجواد عليه السلام بالمناظرات مع علماء السلطة لعله يكسب ود الخليفة الفاسق ولكنه لم يفلح بذلك. ومن الذين ناظرهم وهو صغير العمر قاضي قضاة الدولة العباسية يحيى بن أكثم فلم يستطع مجاراته لغزارة علمه عليه السلام. وقد أغرى المأمون الامام المعصوم من ملذات الدنيا الفانية حتى يدعي أن ائمة اهل البيت غير معصومين من الاثم فلم يفلح. قال الله تبارك وتعالى “يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ” (التوبة 32).

جاء في كتاب حياة امام محمد الجواد عليه السلام للشيخ باقر شريف القرشي: : روى عبد العظيم الحسني قال: قلت لمحمد بن علي: إنّي لأرجو أن يكون القائم من أهل بيت محمد صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً؟ فأجابه الإمام الجواد: (يا أبا القاسم ما منّا إلاّ وهو قائم بأمر الله عزوجل، وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهّر الله عزوجل به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلاً وقسطاً هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، هو سميّ رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم وكنيّه، وهو تطوى له الأرض، ويذلّ له كل صعب ويجتمع إليه أصحابه عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً من أقاصي الأرض وذلك قول الله عزوجل: “أينَ ما تكُونُوا يأتِ بكمُ اللهُ جميعاً إنّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ” (البقرة 148). فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره). لقد أخبر الإمام الجواد عن بعض خصائص الإمام المنتظر من غياب شخصه وحجبه عن الأنظار، كما أخبر عن عدد أصحابه بعد ظهوره وأنّهم كعدد أصحاب رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم يوم بدر فقد استطاع بتلك القلّة المتسلّحة بالإيمان والوعي أن يقضي على معالم الجاهلية، ويدمّر القوى الباغية، ويرفع كلمة الله عالية في الأرض، كذلك وصيّه الأعظم الإمام المنتظر عليه‌ السلام فإنّه بأصحابه القلّة المؤمنة سوف يغيّر مجرى الحياة فيبسط العدل السياسي والعدل الاجتماعي في ربوع الأرض ويحقّق للإنسانية أعظم الانتصارات، ويقضي على معالم الجاهلية التي طغت في هذه العصور التي خضع الناس فيها للمادة، ولم يعد للقيم الروحية والمثل الكريمة أي ظلّ في النفوس، أرانا الله الأيام المشرقة من أيام حكمه.

وعن أصحاب الأمام الجواد عليه السلام يقول الشيخ باقر شريف القرشي: أحمد بن حمّاد: المروزي، ذكره الشيخ من أصحاب الإمام الجواد عليه‌ السلام، كتب إليه الإمام الجواد عليه‌ السلام رسالة جاء فيها: (أمّا الدنيا فنحن فيها متفرّجون في البلاد، ولكن من هوى صاحبه فإن يدينه فهو معه وإن كان نائياً عنه، وأمّا الآخرة فهي دار القرار). جرت بينه وبين أبي الهذيل العلاّف مناظرة، وقد أثبت أحمد فيها ضرورة الإمامة، وفيما يلي نصّها: ـ أحمد: إني أتيتك سائلاً؟ ـ أبو الهذيل: سل وأسأل الله العصمة. ـ أحمد: أليس من دينك أنّ العصمة والتوفيق لا يكونان إلاّ من الله لا بعمل تستحقّه به. ـ أبو الهذيل: نعم. ـ أحمد: فما معنى دعائك؟ اعمل وخذ. ـ أبو الهذيل: هات مسألتك. ـ أحمد: شيخي اخبرني عن قول الله عزوجل: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديِنَكُمْ” (المائدة 3). ـ أبو الهذيل: قد أكمل لنا الدين. ـ أحمد: شيخي، اخبرنا إن سألتك عن مسألة لا تجدها في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم ولا في قول أصحابه، ولا في حيلة فقهائهم ما أنت صانع؟ ـ أبو الهذيل: هات. ـ أحمد: شيخي، خبرني عن عشرة كلّهم عنين وقعوا في طهر واحد بامرأة، وهم مختلفو الأمر، فمنهم من وصل إلى بعض حاجته، ومنهم من قارب حسب الإمكان منه، هل في خلق الله اليوم من يعرف حدّ الله في كلّ رجل منهم مقدار ما ارتكب من الخطيئة فيقيم عليه الحدّ في الدنيا ويطهر منه في الآخرة؟ وليعلم ما يقول: في أنّ الدين قد كمل. ـ أبو الهذيل: هيهات. لقد كان أحمد بن حماد بن أعلام الشيعة وثقاتهم وقد وردت بعض الأخبار تقدح فيه إلاّ أنّ الأستاذ الخوئي ناقشها، وأثبت عدم صحّتها.

وعن الوشاية بالأمام الجواد عليه السلام يقول الشيخ القرشي قدس سره: ومن المؤسف حقّاً أن تصدر الوشاية بالإمام الجواد عليه‌ السلام من أبي داود السجستاني الذي كان من أعلام ذلك العصر، أمّا السبب في ذلك فيعود إلى حسده للإمام عليه‌ السلام. والحسد داء خبيث ألقى الناس في شرّ عظيم، لقد حقد أبو داود على الإمام كأشدّ ما يكون الحقد وذلك حينما أخذ المعتصم برأيه في مسألة فقهية وترك بقية آراء الفقهاء، فتميّز أبو داود غيظاً وغضباً على الإمام عليه‌ السلام، وسعى إلى الوشاية به، وتدبير الحيلة في قتله، وبيان ذلك ما رواه زرقان الصديق الحميم لأبي داود قال: إنّه رجع من عند المعتصم وهو مغتمّ، فقلت له: في ذلك .. قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن عليّ عليه‌ السلام فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟ فقلت: من الكرسوع لقول الله في التيمّم: “فامسحوا بوجوهكم وأيديكم” (المائدة 6) واتّفق معي على ذلك قوم، وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: وما الدليل على ذلك؟ قالوا: لأنّ الله قال: “وأيديكم إلى المرافق” (المائدة 6) قال: فالتفت إلى محمد بن علي عليه‌ السلام فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ قال: قد تكلّم القوم فيه يا أمير المؤمنين قال: دعني ممّا تكلّموا به، أي شيء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك بالله لما أخبرتني بما عندك فيه، فقال: إذا أقسمت عليّ بالله إنّي أقول: إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكفّ، قال: لِمَ؟ قال: لقول رسول الله صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله‌ وسلم: السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى: “وإنّ المساجد لله” (الجن 18) يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها “فلا تدعوا مع الله أحداً” (الجن 18) وما كان لله لم يقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ. قال زرقان: إنّ أبا داود قال: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة فقلت: إنّ نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة، وأنا أكلّمه بما أعلم إنّي أدخل به النار قال: ما هو؟ قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيّته وعلمائهم لأمر واقع من أمور الدين فسألهم عن الحكم فيه، فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك. وقد حضر المجلس أهل بيته وقوّاده ووزرائه، وكتّابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه، ثمّ يترك أقاويلهم كلّهم، لقول رجل: يقول شطر هذه الأمّة بإمامته، ويدّعون أنّه أولى منه بمقامه، ثمّ يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء. قال: فتغيّر لونه، وانتبه لما نبّهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً). لقد اقترف أبو داود أخطر جريمة في الإسلام، فقد دفع المعتصم إلى اغتيال إمام من أئّمة أهل البيت عليهم‌السلام الذين فرض الله مودّتهم على هذه الأمة، والويل لكلّ من شَرِك في دمائهم.