غدير خُم.. ميثاق حماية الرسالة

اسعد عبدالله عبدعلي

 لم يكن الثامن عشر من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة مجرد يومٍ انقضى في تقويم الصحراء، أو محطة عابرة يستريح فيها المسافرون وهم يطوون طريق العودة من حجة الوداع؛ بل كان في جوهره فصلاً ختامياً مهيباً لرسالةٍ كبرى أعادت صياغة الوجود وغيّرت وجه التاريخ إلى الأبد.

ففي ذلك الموضع القاحل الذي لَفَحَته شمس الهجير الحارقة، وحيث تلتقي المسارات وتفترق، في مكانٍ يُدعى “غدير خم”، وقف النبي الاعظم (ص) كطودٍ راسخ وسط عشرات آلاف القلوب الشاخصة، ليخطب في الحشود خطبة الوداع والأمانة. لم يكن هذا المشهد الاستثنائي وليد الصدفة أو حدثاً عفوياً فرضته جغرافيا المكان، بل كان تدبيراً سماوياً وموقفاً مفصلياً جاء مدفوعاً بأسباب وجودية عميقة، ورؤية نبوية استشرافية تجاوزت الحاضر لترسم ملامح الغد؛ رؤية غايتها الأولى والأخيرة إقامة سياجٍ منيع يحمي مستقبل الأمة الإسلامية، ويحفظ روح العقيدة من عاديات الزمن وهزات الارتداد.

نحاول في هذه السطور بيان دوافع يوم الغدير والاعلان عن الامامة امام جمع كبير من المسلمين وصل الى مائة الف مسلم.

·     اولا: الامتثال للأمر الإلهي الحاسم

 في طليعة تلك الدوافع الشاخصة، برز دافعٌ غيبيّ جليل فاق كل الحسابات البشرية؛ إذ لم يكن الأمر سوى امتثالٍ مطلق لتنفيذ مشيئة سماوية حاسمة، وأمرٍ إلهي عظيم لم يكن يحتمل إرجاءً أو تأجيلاً لشدة خطورته وعلوّ شأنه.

فالنبي (ص) الذي أفنى ثلاثة وعشرين عاماً من عمره الشريف يطحن الأيام في تبيان الهدى وتحمل مشاق التبليغ، وقف في ذلك الموضع القاحل ليتلقى وحياً يزلزل الوجدان وآيةً قاطعة رسمت الحد الفاصل بين التمام والنقصان: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ».

هنا تجسد الدافع في أسمى صور الأمانة المطلقة التي حملها الصادق الأمين؛ إذ خالجه شعورٌ يقيني عميق بأن بنيان الرسالة الشاهق، الذي شُيّد بالدموع والتضحيات، سيبقى ناقصاً مهدداً بالتهاوي ما لم يُحكم إغلاق حلقته الأخيرة بتحديد خط الخلافة والولاية من بعده. هذا الثقل الإلهي هو الذي دفعه لأن يحبس الأنفاس ويجمع الشتات في رمضاء ذلك الهجير الحارق، ليعلن للجموع القاصية والدانية أن علياً ليس مجرد رفيق طريق، بل هو الامتداد الطبيعي، الشرعي، والمعرفي الذي سيقود دفة هذه المسيرة ويحمي جوهرها من بعده.

·     ثانيا: الخوف على الأمة من التشتت والارتداد

 كان النبي الخاتم (ص) يعيش أيامه الأخيرة في هذه الدنيا وهو يحمل في صدره ثقلاً لا تنوء به الرواسي، فبجانب شعوره النبوي الصادق بدنو أجله وقرب رحيله إلى الرفيق الأعلى، كان يقلب طرفه في مجتمع إسلامي ما زال غضاً وطري العود، مجتمع لم تمضِ على مغادرته وثنيات الجاهلية وظلماتها إلا سنوات قليلة, لم تكن كافية لقلع جذور العصبية القبلية المتجذرة في النفوس منذ قرون.

لقد كان يرى ببصيرته النافذة النيران الكامنة تحت الرماد، ويعلم أن رياح الغياب كفيلة بأن تطير بهذا الرماد لتشعل مجدداً حروب الأوس والخزرج، وتنافس المهاجرين والأنصار، ونزعات التفاخر بالآباء والأنساب التي أخمدها القرآن بآياته الطاهرة. ومن هذا المنطلق الفكري والروحي، لم يكن دافع النبي (ص) في تلك اللحظات التاريخية الحرجة مجرد تدبير سياسي عابر أو تنظيم إداري لدولة ناشئة، بل كان دافعه الأكبر والوحيد هو الخوف الشديد، الممزوج بالشفقة الأبوية، على مصير هذه الأمة الفتية التي سكب في سبيل بنائها دمه وعرقه ودموع أصحابه، خشية أن تنزلق بعد غيابه إلى أتون التمزق والضياع، وتتشتت في تيه الصراعات على النفوذ والسلطة.

لذلك، ومن أجل قطع الطريق على أهواء النفوس ونزعات الشياطين، وجد النبي (ص) أنه لا بد من ترك “مرجعية” عليا واضحة المعالم، مرجعية لا تقبل اللبس ولا تحتمل التأويل، لتكون بمثابة القطار الذي يحفظ مسيرة الأمة على السكة الصحيحة، وصمام الأمان الذي يلتف حوله المسلمون كلما عصفت بهم رياح الفتن وتلاطمت في مجتمعهم أمواج الاختلاف. لقد أراد بتلك الخطوة أن يؤسس محوراً إلهياً صلباً للوحدة الإسلامية، قطباً مركزياً تتجه إليه الأنظار وتخضع له القلوب، فيعصمهم من التفرق، ويحميهم من التشرذم، ويمنعهم بقوة حركته وعلمه من الارتداد العكسي والعودة التلقائية إلى مناخات الجاهلية الأولى, التي كادت أن تبيدهم قبل بزوغ فجر الرسالة الخاتمة.

·     ثالثا: حفظ النص القرآني والشريعة من التحريف

 لقد استقر القرآن الكريم في السطور مكتوباً، وحُفظ في الصدور غضاً طرياً كما نزل، غير أن المعجزة الإلهية الخالدة بآياتها المحكمات والمتشابهات كانت تمثل دستوراً شاسعاً يحتاج ترجمته إلى واقع عملي، وفهم أعماقه الغائرة إلى معلّم استثنائي يمتد في نقائه الروحي وصفائه النفسي من ذات النبع الذي استقى منه النبي الخاتم (ص).

ومن هنا، لم يكن هاجس الرسول الخاتم مجرد توريث نص مكتوب تتقاذفه الأهواء، بل كان دافعه الأعمق هو إيجاد “القرآن الناطق”؛ ذلك النموذج البشري الحي الذي يجسد قيم الوحي بصلابة، ويقف سداً منيعاً يحمي الشريعة الغراء من مقصلة التأويلات السياسية والمصالح الشخصية والقبلية التي كان يعلم بقرب هبوب عواصفها في مستقبل الأمة.

وفي رحلة البحث عن هذا الامتداد الرسالي، لم يجد النبي في الدائرة المحيطة به من أصحابه قاطبة من هو أعلم بأسرار التنزيل وبقائق التأويل، ولا من امتلك البصيرة بـ”أين نزلت الآية وفيمن نزلت” مثل علي بن أبي طالب (ع)؛ ذلك الفتى الذي لم تدنسه الجاهلية بعبادة وثن، ولم تتلوث سريرته بنزعة قبلية، بل تربى في حِجر الرسالة منذ طفولته الأولى، فغدا صنيعة اليد النبوية، والوعاء الطاهر الذي أودع فيه النبي علوم النبوة وأسرارها ليكون ترجماناً للوحي وقائداً للأمة نحو بر الأمان.

·     رابعا: المؤهلات الاستثنائية لشخصية الإمام علي

حينما نقرأ في تفاصيل التاريخ الإسلامي واللحظات المفصلية التي تلت غياب الرسول الأكرم (ص)، ندرك جلياً أن اختيار الإمام علي (ع) لم يكن وليد عاطفة قرابة عابرة، أو نابعاً من حب شخصي ومجرد يميل به النبي إلى ابن عمه وصهره. إن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير؛ فقد كان خياراً استراتيجياً ربانياً مدفوعاً بنظرة نبوية ثاقبة، تقرأ المستقبل وتزن الرجال بميزان المؤهلات الفذة والخصائص الاستثنائية التي انطوت عليها شخصية علي دون غيره.

لقد كانت الأمة الإسلامية في مرحلة ما بعد النبوة تقف على أعتاب تحولات كبرى وتحديات جسيمة، وكان استمرار الرسالة واستقرار الكيان الوليد يتطلبان قيادة بمواصفات خاصة، قائد يملك من المقومات ما يجعله حصناً للأمة وامتداداً حقيقياً للمنهج النبوي. ومن هنا، تجسدت في علي تلك الصفات التي جعلته رجل المرحلة بلا منازع؛ إذ جمع في شخصيته بين الشجاعة والعدالة المطلقة التي لم تأخذه في الحق لومة لائم، وتجلت في كل مواقفه حرصاً على إرساء ميزان القسط بين الناس دون تمييز أو محاباة.

ولكي تكتمل أركان هذه القيادة الرشيدة وتأمن الأمة على مقدراتها، كان لا بد من سياج أخلاقي يحمي السلطة من الانحراف، وهو ما تمثل في زهد الإمام المترفع عن حطام الدنيا وزخرفها؛ فكان ينظر إلى الخلافة والحكم كوسيلة لإقامة الحق ودفع الباطل, لا كأداة للمكاسب الشخصية، مما ضمن صيانة بيت مال المسلمين وعدم استغلال النفوذ. وتوّجت هذه المنظومة القيادية بالعلم المحيط والوعي العميق بآيات الله وأحكام دينه، وهو العلم الراسخ الذي جعل النبي يصفه بالبوابة الوحيدة لمدينته المعرفية حين قال: “أنا مدينة العلم وعلي بابها”، ليؤكد للأمة أن من أراد الحكمة والهداية المعرفية والسياسية بعده، فعليه أن يأتيها من ذلك الباب الذي صاغته التربية النبوية وصقلته التجربة الرسالية.

·     ختاما:

وهكذا، حين انفضّ ذلك الجمع المهيب وانطلق كلٌّ إلى مقصده، لم يكن “غدير خم” مجرد بقعة جغرافية تركها المسافرون خلف ظهورهم، بل تحول إلى ميثاقٍ أبدي صيغت بحروفه الضامنة خارطة طريق الأمة وصمام أمان رسالتها.

لقد كانت تلك الرمضاء الحارقة شاهداً على لحظةٍ تجلّت فيها أسمى معاني الشفقة النبوية والحرص الإلهي؛ فبين الأمر الرباني الحاسم، والخوف المشفق من ارتداد الأمة إلى مناخات الجاهلية، مروراً بضرورة حفظ القرآن الناطق في شخصيةٍ علمية فذة، صبّت الأقدار قيادة المسيرة في وعائها الشرعي والتاريخي الأنسب.

لقد غادر النبي الاعظم (ص) دنيانا بعد أن أقام الحجة، وأودع الأمانة في يدِ مَن صاغته التربية النبوية ليكون باباً لمدينة العلم، وحصناً للعدالة، وزاهداً في الحطام. ومنذ ذلك اليوم المشهود، بقي الغدير حياً في وجدان الزمن؛ ليس كذكرى تاريخية عابرة، بل كمنارةٍ شاخصة تذكر الأجيال المتعاقبة بأن حماية الرسالة واستقامة مسيرتها رهينتان بالتمسك بالامتداد الصادق والنبع الطاهر, الذي اختاره الله ورسوله ليقود الأمة نحو بر الأمان.