د. فاضل حسن شريف
قال الإمام موسى بن جعفر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أوقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في يوم الغدير موقفه المشهور المعروف ثم قال: يا عباد الله انسبوني؟ فقالوا: أنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ثم قال: يا أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال صلى الله عليه وآله وسلم: مولاكم أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلی یا رسول الله فنظر رسول الله صلى الله عليه (واله) وسلم إلى السماء فقال: اللهم (إني) أشهدك يقول هو ذلك صلى الله عليه (واله) وسلم وهم يقولون ذلك ثلاثا. ثم قال: ألا من كنت مولاه وأولى به فهذا علي مولاه وأولى به” ثم قال “اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله”. ثم قال: قم يا أبا بكر فبايع له بإمرة المؤمنين فقام فبايع له بإمرة المؤمنين ثم قال: قم يا عمر فبايع له بإمرة المؤمنين فقام فبايع ثم قال بعد ذلك لتمام التسعة ثم لرؤساء المهاجرين والأنصار فبايعوا كلهم فقام مـن بين جماعتهم عمر بن الخطاب فقال: بخ بخ لك يأبن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة ثم تفرقوا عن ذلك وقد وكدت عليهم العهود والمواثيق. ثم إن قوما من متمرديهم جبابرتهم تواطؤوا بينهم (إن كانت) لمحمد كائنة لندفعن هذا الأمر عن علي ولا يتركونه له فعرف الله من ذلك من قبلهم وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون (له): لقد أقمت (عليا) أحب خلق الله إلى الله وإليك وإلينا كفيتنا به مؤنة الظلمة لنـا والجائرين في سياستنا وعلم الله تعالى (في) قلوبهم ذلك ومن مواطاة بعضهم لبعض أنهم على العداوة مقيمون ولدفع الأمر عن مستحقه مؤثرون. فأخبر الله عز وجل محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم فقال: يا محمد “وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ” (البقرة 8) الذي أمرك بنصب علي إماما وسائسا لأمتك ومدبرا “وَمَا هُم بِمُؤمِنِينَ” (البقرة 8) بذلك ولكنهم يتواطؤون على هلاكك وإهلاكه أنفسهم على التمرد على على إن كانت به كائنة.
عن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز وجل قال في ليلة المعراج: يا أحمد هل تدري أي عيش اهنى وأي حياة أبقى؟ قال: اللهم لا. قال: أما العيش الهنئ هو الذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي عني ولا يجهل حقي يطلب رضاي ليله ونهاره. واما الحياة الباقية فهي التي يعمل صاحبها لنفسه حتى تهون عليه وتصغر في عينيه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه، ويبتغي مرضاتي، ويعظم حق عظمتي، ويذكر علمي به، ويراقبني بالليل والنهار عند كل معصية، وينقي قلبه عن كل ما أكره، ويبغض الشيطان ووسواسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطانا وسبيلا، فإذا فعل ذلك اسكنت فيه حبا حتى اجعل قلبه لي وفراغه واشتغاله وهمه وحديثه من النعمة التي انعمت بها على أهل محبتي من خلقي، وأفتح عين قلبه وسمعه حتى يسمع بقلبه وينظر بقلبه بجلالي وعظمتي، فأضيق عليه الدنيا وأبغض إليه ما فيها من اللذات، فاحذره من الدنيا وما فيها كما يحذر الراعي غنمه من مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفر من الناس فرارا وينقل من دار الفناء الى دار البقاء ومن دار الشيطان الى دار الرحمن. يا أحمد ولا زيننه بالهيبة والعظمة، فهذا هو العيش الهنئ والحياة الباقية. والاحتجاج به على إمامة عليٍّ عليه السَّلام يتحقق ببيان الأُمور التالية: الأمر الأول: البلاغ الرسمي للولاية: إنّ النبي الأكرم أشاد بولاية علي ووصايته، في حديث يوم الدار، في مجتمع محدود، لا يربو عددهم الأربعين. كما أشاد بخلافته عند توجّهه إلى تبوك أمام جماعة من الصحابة والمهاجرين، وكان هذا وذاك، وغيرهما ممّا صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم، في ظروف مختلفة، حول ولاية الإمام، تهيئة للأذهان، للإعلان الرسمي لهذه الولاية أمام الجموع الهائلة، ليقف عليها القريب والبعيد، والحاضر والبادي، فقام بإبلاغ ذلك في ذلك المحتشد العظيم، وأخذ منهم الإقرار والإعتراف، وهنّأ الصحابة عليّاً عليه السَّلام، بهذه المكرمة الإلهية، فكان هذا إعلاناً رسمياً، للأمّة جمعاء، لا يصحّ لأحد إنكاره، والتغاضي عنه. وسيوافيك دلالة الحديث بوجه واضح لا يدع لقائل كلمة، ولا لمجادل شبهة. الأمر الثاني: سند الحديث وتواتره: إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة من عصر الرسول الأكرم إلى يومنا هذا، يقف عليه من سبر كتب الحديث والتاريخ والسّير والكلام والتفسير وغيرها. وما ربما يصدر من كلمات حول الحديث من أنّه من أحاديث الآحاد، فهو كلام صدر من المغرضين ورماة القول على عواهنه، من غير تدبّر وتثبت.
جاء في کتاب حديث الغدير للسيد علي الحسيني الميلاني: لابدّ من بيان وجه الاستدلال بحديث الغدير المتواتر قطعاً على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام. وجه الاستدلال بهذا الحديث يتلخّص في أنّه صلى الله عليه وآله وسلم بعد أنْ أخذ منهم الإقرار وأشهدهم على أنّه أولى بهم من أنفسهم، مشيراً إلى قوله تعالى: ( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ” (الأحزاب 6))، مقتضى هذه الآية المباركة كون النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم في كلّ مالهم الولاية عليه، فأخذ منهم الإقرار على هذا المعنى، ثمّ فرّع على ذلك بقوله: (فمن كنت وليّه) ويوجد في بعض الألفاظ (فمن كنت أميره) (فعليّ مولاه) (فعليّ وليّه) (فعليّ أميره) إلى آخره، فأثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي ما ثبت له من الأولويّة بالناس من الناس، أي من أنفسهم، ثمّ إنّهم جميعاً بايعوه على هذا وسلّموا عليه بإمرة المؤمنين، وهنّأوه، ونظمت فيه الأشعار. ومحور الاستدلال بحديث الغدير كلمة (مولى)، ومجيء هذه الكلمة بمعنى (الأولى)، وذلك موجود في القرآن الكريم في سورة الحديد، موجود في الأحاديث النبوية المعتبرة حتّى في الصحيحين، موجود في الأشعار العربية والاستعمالات الفصيحة. وحينئذ، يتمّ الاستدلال على ضوء الكتاب والسنّة والاستعمالات العربية الصحيحة الفصيحة. وإذا كان أمير المؤمنين بمقتضى هذا الحديث أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فكلّ من عدا رسول الله، كلّ من كان مؤمناً عدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان مؤمناً حقيقة أو ادّعي له الإيمان، فعليّ أولى به من نفسه، بما فيهم كبار الصحابة ومشايخ القوم و إلى آخره.
جاء في کتاب الغدير و المعارضون للسيد جعفر مرتضى العاملي: إن كلمة (حديث الغدير) تتضمن إشارة إلى حادثة تاريخية وقعت في السنة الأخيرة من حياة الرسول الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. و بالذات في الأشهر الأخيرة منها. حيث إنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد حجّ حجته المعروفة ب (حجة الوداع) فلما قضى مناسكه، انصرف راجعا إلى المدينة، و معه جموع غفيرة تعدّ بعشرات الألوف من المسلمين، فلما بلغ موضعا يقال له: (غدير خم). في منطقة الجحفة، التي هي بمثابة مفترق طرق، تتشعب منها طرق المصريين و المدنيين و العراقيين. نزل جبرئيل عليه في ذلك الموضع، في يوم الخميس في الثامن عشر من ذي الحجة بقوله تعالى: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ” (المائدة 67). حيث أمره اللّه سبحانه أن يقيم عليا إماما للأمة، و يبلغهم أمر اللّه سبحانه فيه. فما كان من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلا أن أمر بردّ من تقدم من الناس، و حبس من تأخر منهم. ثم صلى بهم الظهر، و بعدها قام بهم خطيبا على أقتاب الإبل و ذلك في حر الهاجرة. و أعلن، و هو آخذ بضبع علي عليه السّلام: أن عليا أمير المؤمنين، و وليهم، كولاية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لهم. حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه (قالها ثلاث أو أربع مرات) اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، و اخذل من خذله. فنزلت الآية الكريمة: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً” (المائدة 3). ثم طفق القوم من الصحابة يهنئون أمير المؤمنين عليه السّلام، و في مقدمتهم الشيخان: أبو بكر و عمر و غيرهما من المعروفين من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. هذه صورة موجزة عن هذه القضية ذكرناها توطئة، و تمهيدا للبحث الذي هو محط نظرنا، فإلى ما يلي من مطالب و صفحات.
ويستطرد السيد العاملي عن حديث الغدير قائلا: قال اللّه سبحانه و تعالى في كتابه الكريم: “يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ، فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ، وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ” (المائدة 67). نزلت هذه الآية الشريفة في حجة الوداع، لتؤكد على لزوم تبليغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما أمر به من أمر الإمامة. و ولاية علي عليه الصلاة و السّلام على الناس. كما ذكرته المصادر. الكثيرة. و الروايات الموثوقة و لسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك. و قد يرى البعض: أن هذه الآية قد تضمنت تهديدا للرسول نفسه، بالعذاب و العقاب إن لم يبلّغ ما أنزل إليه من ربه، و في بعض الروايات: أنه صلّى اللّه عليه و آله قد ذكر ذلك في خطبته للناس يوم الغدير، و ستأتي بعض تلك الروايات إن شاء اللّه تعالى. و لكننا نقول: إن التهديد الحقيقي موجّه لفئات من الناس كان يخشاها الرسول، كما صرح هو نفسه صلّى اللّه عليه و آله بذلك و لم يكن النبي صلّى اللّه عليه و آله ممتنعا عن الإبلاغ، و لكنه كان ممنوعا منه، فالتهديد له- إن كان- فإنما هو من باب: (إياك أعني، و اسمعي يا جارة).
يقول الشيخ عبد الحافظ البغدادي في موقع براثا: قـال ابـن عـباس: جل ما تعلمت من التفسير، من على بن ابي طالب عليه السلام وعلمه من علم رسول اللّه، ورسـول اللّه عـلـمه اللّه، فعلم النبي من علم اللّه، وعلم علي من علم النبي، وعلمي من علم علي عليه السلام وما علمي وعلم اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في علم علي الا كقطرة في سبعة أبحر وفي حديث آخـر: فإن علمي بالقرآن في علم علي عليه السلام كالغدير في البحر. لو لم يعين الرّسول صلى الله عليه وآله وسلم خليفة لـما كان قد بلغ رسالته وهذا واضح يوم الغدير “اليوم أكملت لكم دينكم” (المائدة 3) وكان ىذلك برفع يد الامام وقوله من كنت مولاه فهذا علي مولاه.
جاء في موقع منتدى الكفيل عن السنّة النبوية وتنصيب علي للإمامة: إنّ كتب الإمامية في الحديث وغيره، مفعمة بإثبات قصة الغدير والإحتجاج بمؤداها. فمن مسانيد معنعنة إلى مُنْبَثَقِ أنوار النبوة، إلى مراسيل أرسلها المؤلفون إرسال المسلَّم، وحذفوا أسانيدها لتسالم الفريقين. وأمّا المحدثون وغيرهم من أهل السنّة فلا يتأخرون عن الإمامية في نقل الحديث والبخوع لصحته، والركون إليه، والتصحيح له، والإذعان بتواتره إلا شُذّاذ تنكبوا عن الطريقة، وقد ألّف غيرواحد من علماء الإسلام كتباً مستقلة، فلم يقنعهم إخراجه بأسانيد مبثوثة في الكتب، فدوّنوا ما انتهى إليهم من أسانيده، وضبطوا ما صحّ لديهم من طرقه، كل ذلك حرصاً على متنه من الدثور، وعن تطرق يد التحريف إليه، منهم أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ والتفسير المعروفين (ت 224 – م 310 هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني المعروف بابن عقدة (م 333 هـ)،أبو بكر محمد بن عمر محمد بن سالم التميمي البغدادي (م 355 هـ) وغيرهم. ولأجل إيقاف القارئ على اهتمام الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، والعلماء، والأدباء، والفقهاء، بنقل الحديث وضبط أسانيده، نذكر عدد رواته في كل قرن على وجه الإجمال ونحيل التفصيل إلى الكتب المعدّة لذلك. 1- روى الحديث من الصحابة 110 صحابياً، وطَبْع الحال يستدعي أن يكون رواته أضعاف المذكورين، لأنّ السامعين الوعاة له كانوا مائة ألف، أو يزيدون. 2 – رواه من التابعين 84 تابعياً. وأما عدّة الرواة من العلماء والمحدثين فنذكرها على ترتيب القرون. 3- عدد من رواه في القرن الثاني: 56 عالماً ومحدّثاً. 4- عدد من رواه في القرن الثالث: 92 عالماً ومحدّثاً. 5- عدد من رواه في القرن الرابع: 43 عالماً ومحدّثاً. 6- عدد من رواه في القرن الخامس: 24 عالماً ومحدّثا. 7- عدد من رواه في القرن السادس: 20 عالماً ومحدّثاً. 8- عدد من رواه في القرن السابع: 20 عالماً ومحدّثاً. 9- عدد من رواه في القرن الثامن: 19 عالماً ومحدّثاً. 10- عدد من رواه في القرن التاسع: 16 عالماً ومحدّثاً. 11- عدد من رواه في القرن العاشر: 14 عالماً ومحدّثاً. 12- عدد من رواه في القرن الحادي عشر: 12 عالماً ومحدّثاً. 13- عدد من رواه في القرن الثاني عشر: 13 عالماً ومحدثاً. 14- عدد من رواه في القرن الثالث عشر: 12 عالماً ومحدّثاً. 15- عدد من رواه في القرن الرابع عشر: 19 عالماً ومحدّثاً. وقد أغنانا المؤلفون في الغدير عن إراءة مصادره ومراجعه، وكفاك في ذلك كتب لمّة كبيرة من أعلام الطائفة: منهم العلاّمة السيد هاشم البحراني (م 1107) مؤلف غاية المرام. ومنهم السيد مير حامد حسين الهندي اللكهنوئي (م 1306)، ذكر حديث الغدير، وطرقه، وتواتره، ومفاده في مجلدين ضخمين في ألف وثمان مائة صحيفة وهما من مجلدات كتابه الكبير “العبقات”، فقد أتمّ الله به الحجة، وأوضح المحجة، وكتابه العبقات كتاب جليل، فاح أريجه في العالم، وطبق حديثه المشرق والمغرب. ومنهم العلامة المتتبع المحقق الفذّ الشيخ عبد الحسين النجفي (ت 1320 – م 1390) في كتابه الفريد “الغدير”، وبعين الله، إنّ كتابه هذا هو المعجز المبين، ومن حسنات الدهر الخالدة، جزاه الله خير الجزاء.