د. فاضل حسن شريف
وعن آية كمال الدين في سورة المائدة وما رافقها من جمل قرآنية يقول السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره في تفسيره: قوله تعالى: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِالْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أمر الآية في حلولها محلها ثم في دلالتها عجيب، فإنك إذا تأملت صدر الآية أعني قوله تعالى: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ” (المائدة 3) إلى قوله “ذلِكُمْ فِسْقٌ” (المائدة 3) وأضفت إليه ذيلها أعني قوله: “فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” وجدته كلاما تاما غير متوقف في تمام معناه وإفادة المراد منه إلى شيء من قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ” (المائدة 3) (إلخ) أصلا، وألفيته آية كاملة مماثلة لما تقدم عليها في النزول من الآيات الواقعة في سورة الأنعام والنحل والبقرة المبينة لمحرمات الطعام، ففي سورة البقرة: “إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (البقرة 173) ويماثله ما في سورتي الأنعام والنحل. وينتج ذلك أن قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا” (المائدة 3) (إلخ) كلام معترض موضوع في وسط هذه الآية غير متوقف عليه لفظ الآية في دلالتها وبيانها، سواء قلنا: إن الآية نازلة في وسط الآية فتخللت بينها من أول ما نزلت، أو قلنا إن النبي صلى الله عليه وآله هو الذي أمر كتاب الوحي بوضع الآية في هذا الموضع مع انفصال الآيتين واختلافهما نزولا. أو قلنا: إنها موضوعة في موضعها الذي هي فيه عند التأليف من غير أن تصاحبها نزولا، فإن شيئا من هذه الاحتمالات لا يؤثر أثرا فيما ذكرناه من كون هذا الكلام المتخلل معترضا إذا قيس إلى صدر الآية وذيلها. ويؤيد ذلك أن جل الروايات الواردة في سبب النزول لو لم يكن كلها، وهي أخبار جمة يخص قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا” (المائدة 3) (إلخ) بالذكر من غير أن يتعرض لأصل الآية أعني قوله: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ” (المائدة 3)، أصلا، وهذا يؤيد أيضا نزول قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ” (المائدة 3) (إلخ) نزولا مستقلا منفصلا عن الصدر والذيل، وإن وقوع الآية في وسط الآية مستند إلى تأليف النبي صلى الله عليه وآله أو إلى تأليف المؤلفين بعده. ويؤيده ما رواه في الدر المنثور، عن عبد بن حميد عن الشعبي قال: نزل على النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية وهو بعرفة: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) وكان إذا أعجبته آيات جعلهن صدر السورة، قال: وكان جبرئيل يعلمه كيف ينسك. ثم إن هاتين الجملتين أعني قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ” (المائدة 3) وقوله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3) متقاربتان مضمونا، مرتبطتان مفهوما بلا ريب، لظهور ما بين يأس الكفار من دين المسلمين وبين إكمال دين المسلمين من الارتباط القريب، وقبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركبا مضمونا واحدا مرتبط الأجزاء، متصل الأطراف بعضها ببعض، مضافا إلى ما بين الجملتين من الاتحاد في السياق. ويؤيد ذلك ما نرى أن السلف والخلف من مفسري الصحابة والتابعين والمتأخرين إلى يومنا هذا أخذوا الجملتين متصلتين يتم بعضهما، بعضا وليس ذلك إلا لأنهم فهموا من هاتين الجملتين ذلك، وبنوا على نزولهما معا، واجتماعهما من حيث الدلالة على مدلول واحد. وينتج ذلك أن هذه الآية المعترضة أعني قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ” (المائدة 3) إلى قوله “وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً” (المائدة 3) كلام واحد متصل بعض أجزائه ببعض مسوق لغرض واحد قائم بمجموع الجملتين من غير تشتت سواء قلنا بارتباطه بالآية المحيطة بها أو لم نقل، فإن ذلك لا يؤثر البتة في كون هذا المجموع كلاما واحدا معترضا لا كلامين ذوي غرضين، وإن اليوم المتكرر في قوله: “الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا” (المائدة 3)، وفي قوله: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ” (المائدة 3)، أريد به يوم واحد يئس فيه الكفار وأكمل فيه الدين.
قال الله عز من قائل”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” (المائدة 3) جاء في كتاب في رحاب العقيدة للمؤلف السيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: مناشدة أمير المؤمنين علي عليه السلام بحديث الغدير: فقد روى أحمد بن حنبل، عن حسين بن محمد وأبي نعيم المعنى، قالا: حدثنا فطر، عن أبي الطفيل، قال: (جمع عليّ رضي الله عنه الناس في الرحبة، ثم قال لهم: أنشد الله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام. فقام ثلاثون من الناس، وقال أبو نعيم: فقام ناس كثير، فشهدوا حين أخذه بيده، فقال للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: من كنت مولاه فهذا مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. فخرجت وكأن في نفسي شيئ، فلقيت زيد بن أرقم، فقلت له: إني سمعت علياً رضي الله تعالى عنه يقول كذا وكذ. قال: فما تنكر؟ قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك له”. قال الهيثمي بعد أن ذكره (رجاله رجال الصحيح، غير فطر بن خليفة، وهو ثقة). وقد اشتهرت هذه المناشدة، وتعددت طرقه، وإن اختلفت في خصوصياته، كما هو المتوقع في كل قضية ذات تفاصيل. روى أحمد بسنده عن رياح بن الحارث قال: (جاء رهط إلى علي بالرحبة. فقالوا: السلام عليك يا مولانا. قال: كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فإن هذا مولاه. أخرج أحمد بن حنبل عن أحمد بن عمر الوكيعي: (ثنا زيد بن الحباب. ثنا الوليد بن عقبة بن نزار العبسي. حدثنا سماك بن عبيد بن الوليد العبسي. قال: دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى، فحدثني أنه شهد علياً رضي الله عنه في الرحبة، قال: أنشد الله رجلاً سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهده يوم غدير خم إلا قام، ولا يقوم إلا من قد رآه. فقام اثنى عشر رجلاً فقالوا: قد رأيناه وسمعناه، حيث أخذ بيده يقول: اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله، فقام إلا ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم، فأصابتهم دعوته). والظاهر أن لهذه المناشدة وما تبعها خصوصاً استجابة الدعوة أثراً بالغاً في ظهور واقعة الغدير، وإحيائه، وبروز أهميته، بعد أن جهلها عامة المسلمين، كما جهلوا كثيراً من فضائل أمير المؤمنين وأهل البيت صلوات الله عليهم. بل كثيراً من أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مختلف المجالات، نتيجة التحجير على السنة النبوية بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في محاولة لقصر الحديث بها على ما يلائم وضع السلطة الحاكمة، ويسير في فلكه.
جاء في كتاب مصباح المنهاج للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: في ولاية الحاكم: أن الولاية تارة: تكون بمعنى الأولوية المطلقة الثابتة للنبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام التي هي بمعنى ولايتهم على جميع التصرفات حتى ما يتعلق بما له ولي، وهي المستفادة من مثل قوله تعالى: “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ” (الاحزاب 6)، وقوله صلى الله عليه وآله في حديث الغدير: (إن الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم فمن كنت مولاه فعلي مولاه) وأخرى: تكون بمعنى السلطنة على تولي ما لا ولي له من الأمور العامة التي يحتاج فيها إلى ولي، فيتوقف القيام بها على الرجوع له، ولعله المراد بما في المرسل: (السلطان ولي من لا ولي له). أما المعنى الأول فقد يستدل على ثبوته للفقيه بما ورد في شأن العلماء، مثل ما رواه الصدوق في كتاب ثواب الأعمال بسنده الصحيح عن الصادق عليه السلام عن آبائه: عن النبي صلى الله عليه وآله في حديثه في فضل طلب العلم قال: (وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منهم أخذ بحظ وافر). وحكي روايته عن الأمالي، وبصائر الدرجات، والاختصاص بطرق مختلفة مع تفاوت في المتن يسير. والمرسل: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وقريب منه غيره. قال الله جل جلاله”يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” (المائدة 67) جاء في كتاب رحاب العقيدة للسيد محمد سعيد الحكيم قدس سره: البيعة بمعنى الإقرار بالولاية والاستجابة لها حاصلة. نعم لا يبعد أن يراد بالبيعة إعلان الاستجابة والإذعان، من قبل من شهد الخطبة، بما تضمنته من فرض ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، كما يشير إليه الحديث السابق. إذ كثيراً ما يراد بالبيعة ذلك. لما هو المعلوم من سيرة المسلمين في جميع العصور من أن بيعة عموم الناس للخليفة الجديد إنما تكون بتسليمهم بخلافته، وانقيادهم له. ولا يمسح على يده إلا القليل من ذوي المكانة، لإعلان إقرارهم. ومن الظاهر حصول هذا الأمر في واقعة الغدير. لأنه الأمر الطبيعي ممن حضر من المسلمين خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعلانه ولاية أمير المؤمنين عليه السلام. ولو ظهر منهم الردّ له والاعتراض عليه لظهر وبان، ونقل تاريخي، كما نقل اعتراض الحارث بن النعمان الفهري الذي ذكرناه في سلسلة أحداث واقعة الغدير وما يتعلق به، في جواب السؤال السابع من الأسئلة السابقة. كما أنه المناسب لما تقدم في سلسلة الأحداث من تهنئة الحضور لأمير المؤمنين عليه السلام بالولاية. وقد تقدم أن الشيخ الأميني قدس سره أنهى مصادر ذلك من طريق الجمهور إلى ستين. ولا سيما مع ما تضمنته بعض طرقها من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجلس أمير المؤمنين عليه السلام في خيمة، وأمر المسلمين بالدخول عليه وتهنئته. إذ من المعلوم رجوع التهنئة بالوجه المذكور للإقرار والتسليم، اللذين تؤديهما البيعة. والحاصل: أن البيعة بمعنى إعلان الاستجابة والإذعان بولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ملازمة عادة لخطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغدير، وتواتر الخطبة يقضي بتواتر البيعة بالمعنى المذكور.
عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: محاورات و شبهات: ليس ثمّة شك في أنّ هذه الآية “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي” (المائدة 3)، لو لم تكن قد نزلت في خلافة علي عليه السّلام، لأكتفي فيها- كما قلنا- بأقل ممّا ورد فيها من روايات و من قرائن موجودة في الآية نفسها، فكثير من كبار المفسّرين المسلمين يكتفون في تفسير سائر الآيات القرآنية حتى بعشر الرّوايات الموجودة بشأن هذه الآية، أو أقل من ذلك. و لكن ممّا يؤسف له أنّ حجاب التعصب قد حال دون قبول كثير من الحقائق. إنّ الذين يحملون لواء المخالفة تجاه تفسير هذه الآية و الرّوايات الكثيرة الواردة بشأن نزولها، و الرّوايات المتواترة بخصوص أصل حادثة الغدير، ينقسمون إلى قسمين: قسم حمل منذ البداية روح العناد و التعنت، و حمل بشدّة على الشيعة بالإهانة و السب و الشتم. و آخرون حافظوا إلى حد ما على الروح العلمية في البحث و التحقيق، و تابعوا القضية عن طريق الاستدلال، و لذلك فهم يعترفون بجانب من الحقائق، و لكنّهم بعد إيرادهم بعض الإشكالات- التي ربّما كانت نتيجة لظروفهم الفكرية الخاصّة يتركون الوقوف عند الآية و الرّوايات المرتبطة بها. و النموذج البارز الذي يمثل القسم الأوّل هو ابن تيمية في كتابه منهاج السنة حيث يبدو فيه كمن يغمض عينيه في رابعة النهار و يضع أصابعه في أذنيه بشدّة، ثمّ ينادي: أين الشمس؟ فلا هو مستعد أن يفتح طرفا من عينه ليرى بعض الحقائق، و لا هو يرضى برفع أصابعه عن أذنيه كي يستمع الى ضجيج المحدثين و المفسّرين المسلمين، بل يستمر في سبه و شتمه و إهاناته. إنّ دافع هؤلاء هو الجهل و عدم الاطلاع و التعصب المقرون بالعناد، ممّا دفع بهم إلى إنكار البديهيات و الواضحات التي لا تخفى على أحد. لذلك فنحن لا نجشم أنفسنا عناء نقل أقوالهم، و لا نحمل القراء عناء سماع إجاباتهم، فما ذا يمكن أن يقال لمن ينبري بكل وقاحة لتجاهل هذا الحشد الكبير من كبار علماء الإسلام و المفسّرين و معظمهم من أهل السنة من الذين أعلنوا أن تلك الآية قد نزلت بشأن علي عليه السّلام فيدعي متعاميا عن الحقّ أن أحدا من العلماء لم يقل شيئا كهذا في كتابه و ما قيمة قوله هذا ليستحق البحث فيه؟ من الجدير بالذكر أنّ ابن تيمية، في محاولته تبرئة نفسه قبال كل هذه الكتب المعتبرة التي تقول بنزول هذه الآية بحق علي عليه السّلام، يلجأ إلى تعبير مضحك، و يكتفي بقوله: (إن العلماء الذين يعرفون ما يقولون لا يرون أن هذه الآية قد نزلت في علي) فالظاهر (أنّ العلماء الذين يعرفون ما يقولون) هم أولئك الذين يضمون أصواتهم إلى أصوات ابن تيمية و عناده المفرط. أمّا من لا يضمّ صوته إليه فإنّه عالم لا يدرك ما يقول. و هذا منطق من ألقى العناد و حبّ الذات على عقله ظلالا مشؤومة، فلندع هؤلاء.
ويستمر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي متحدثا عن محاورات و شبهات في واقعة غدير خم: 2- ترابط الآيات: قد يقال أحيانا إنّ الآيات السابقة و اللاحقة على هذه الآية تخص أهل الكتاب و مخالفاتهم. و هذا ما يقول به صاحب تفسير المنار في المجلد 6 صفحة 466 و يصر على ذلك. و لكن لا ضير في ذلك كما قلنا في تفسير الآية نفسها لأنّ اختلاف لحن الآية يختلف عن مواضيع الآيات التي قبلها و بعدها. و ثانيا سبق أن قلنا مرارا أن القرآن ليس كتابا أكاديميا يلتزم في مواضيعه أسلوب التبويب و التقسيم إلى فصول و فقرات معينة، بل إنّ آياته نزلت بحسب الحاجات و الحوادث و الوقائع المختلفة الطارئة. لذلك نلاحظ أنّ القرآن في الوقت الذي يتكلم عن إحدى الغزوات، ينتقل إلى ذكر حكم من الأحكام الفرعية مثلا و في الوقت الذي يتحدث عن اليهود و النصارى، يخاطب المسلمين و يذكرهم بأحد القوانين الإسلامية السابقة. (راجع بحثنا في بداية تفسير هذه الآية لزيادة التوضيح). من العجيب أنّ بعض المتعصبين يصرّون على القول بأنّ هذه الآية قد نزلت في أوائل البعثة، مع أن سورة المائدة نزلت في أواخر عمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. فإذا قالوا: إن هذه الآية وحدها نزلت في مكّة في أوائل البعثة، ثمّ أدخلت في هذه الآية للتناسب نقول: إن هذا على عكس ما تبحثون عنه تماما، لأننا نعرف أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أوائل البعثة لم يصطدم باليهود و لا بالنصارى. و عليه فإن ارتباط هذه الآية ينقطع بما قبلها و ما بعدها من آيات (تأمل بدقّة). هذه كلها أدلة على أن هذه الآية قد تعرضت إلى هبوب عواصف التعصب، فأحاطت بها بعض علامات الاستفهام ممّا لا يعتور آيات مشابهة أخرى أبدا. أمّا هذه الآية فكل يحاول من جهة أن يتشبث بما حرفها عن مسيرها. 3- أتذكر الصّحاح كلّها هذا الحديث؟ يقول بعضهم: كيف يمكن قبول هذا الحديث مع أنّه لم يرد في صحيحي مسلم و البخاري؟ و هذا من عجائب القول أيضا: فهناك: أوّلا: كثير من الأحاديث المعتبرة التي قبل بها أهل السنّة مع أنّها ليست في صحيحي مسلم و البخاري، فهذا الحديث ليس الأوّل من نوعه في هذه الحالة. ثانيا: هل أنّ هذين الصحيحين هما الكتابان الوحيدان الموثقان عندهم، مع أنّ هذا الحديث قد ورد في سائر الكتب الأخرى المعتبرة عندهم، و حتى في بعض الصحاح الستة (وهي التي يعتمدها أهل السنة)، مثل سنن ابن ماجة و مسند أحمد. و هناك علماء مثل الحاكم النيسابوري و الذهبي» و ابن حجر اعترفوا بصحة الكثير من طرق هذا الحديث، على الرغم ممّا عرف عنهم من التعصب. لذلك فلا يستبعد أن يقع البخاري و مسلم تحت ضغط السياسة الذي ساد زمانهما، فلم يستطيعا، أو لم يشاءا أن يقولا ما لا يتلاءم و رغبة سلطات زمانهما في كتابيهما.