صباح البغدادي
(*) هناك فرق جوهري بين اكتشاف بنود اتفاق بعد توقيعه، وبين متابعة دقيقة لمساره أثناء مرحلة صياغته، وبما يتيح إمكانية التأثير عليه أو عرقلته بشكل استباقي، سواء عبر أدوات إعلامية أو من خلال ضغوط سياسية مباشرة , وبالتالي سيكون الفارق بين الحالتين كبيراً وواسعاً إلى درجة تجعل السيطرة عليه مع مرور الدقائق لعدم تنفيذه شبه مستحيلة؟
في اليوم الرابع على توقيع مذكرة التفاهم بين كل من طهران وواشنطن، وبعد مرور 114 يوما من اندلاع الحرب , وفي الوقت الذي ينشغل فيه حاليآ الإعلام العربي والعالمي، ومعه عشرات المراسلين من مختلف القنوات الإخبارية، بتغطية مباشرة وتفاصيل المفاوضات الجارية في منتجع “بورغنشتوك” في سويسرا، و المطل على بحيرة “لوسيرن” يبدو أن المشهد الإعلامي قد بلغ ذروة انشغاله بهذا الحدث الذي يوصف بأنه من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة. فالمفاوضون، الذين يجلسون خلف الأبواب المغلقة، لا يعيشون فقط أجواء المكان الطبيعي الخلاب وإطلالاتها الجبلية الساحرة، بل ينخرطون فيما يمكن وصفه بمعركة تفاوضية شديدة التعقيد بل وحامية الوطيس، أشبه بـ“كسر عظم” سياسي ودبلوماسي، حيث يسعى كل طرف إلى تثبيت مواقفه إلى أقصى حد ممكن، بهدف الخروج بصيغة نهائية يمكن تقديمها للراي العام باعتبارها نوعاً من الانتصار السياسي أو “الإعلان الإلهي المؤزر” على الطرف الآخر، سواء بشكل مباشر أو ضمني. ولكن خلف هذا المشهد الهادئ ظاهرياً، الذي تغلفه الطبيعة السويسرية الهادئة والانعزال الجغرافي الذي قد يوفر بدوره بيئة أمنية منعزلة، تدور في العمق طبقات أخرى من المتابعة والتحليل والاستشراف الاستباقيةوفي أروقة الاستخبارات، وخلف الكواليس الإعلامية، وفي هذه الخلفية المعتمة وشديدة السرية، تقف إسرائيل ليست متفرجه وانما تحاول ان تصنع القرار لحماية أمنها القومي ، وقدراتها البشرية والاستخبارية والتقنية المتقدمة، وفي حالة متابعة دقيقة ومستمرة لما يجري، ليس فقط على مستوى العناوين الكبرى، بل على مستوى التفاصيل الدقيقة :” كل كلمة، كل فقرة، كل صياغة، كل بند تفاوضي محتمل، وكل إشارة سياسية قد تحمل دلالات مستقبلية “وفي هذه اللحظة التاريخية والتي ما تزال مشحونة بالتوتر والترقب لإسرائيل حيث تتحول كل كلمة، وكل نسبة تخصيب، وكل مليار دولار من الأصول المجمدة، إلى ساحة معركة استخبارية خفية ؟ بنود تبدو بريئة على الورق ولكن قد تحمل في طيّاتها قنابل موقوتة قادرة على إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، أو إغراقه في حرب جديدة . وهنا، في زوايا الغرف المظلمة للمفاوضات سيكون جاهزة “الموساد” حاضرا بقوة وهو يحاول انتزاع كل حرف من المسودة قبل أن تعلن ؟ صحيح بأن الإيرانيون يزنون كل تنازل بميزان السيادة والكرامة والرئيس “ترامب” ما يزال يلعب على حبل الضغط الأقصى والصفقة التاريخية في آن واحد ؟ أما دول الخليج فا،ها ما تزال تنتظر بأنفاس محبوسة مصير مضيق هرمز وأسعار النفط ؟ وفي هذا المشهد الدرامي، لم تعد التفاصيل مجرد بنود فنية، بل هي أسلحة حرب وعملات سلام في الوقت نفسه. لان من يسيطر على التفاصيل يسيطر على المستقبل , ومن يفشل في قراءتها بين السطور، قد يجد نفسه أمام كارثة لم يكن يحسب حسابها لان هذا ليس مجرد اتفاق نووي مرحلي وينتهي الامر , ببساطة شديدة وقراءة اخرى فان هذا رقص على حبل مشدود فوق هاوية بركانية , وهذه المتابعة هي محاولة قدر الامكان لفهم اكثر في إطار محاولة فهم مبكر لمسار التفاوض، بما يتيح إمكانية بناء مواقف استباقية قبل حتى أن تنتقل نتائج المفاوضات إلى العواصم المعنية عبر القنوات الرسمية. أي أن الهدف ليس فقط قراءة ما يحدث، بل محاولة الاقتراب من فهم ما قد يحدث لاحقاً، والتعامل معه قبل أن يتحول إلى واقع سياسي مكتمل الاركان وواجب التوقيع عليه لجميع الاطراف , وعلى الرغم من عدم وجود إسرائيل رسمياً على طاولة المفاوضات، فإن ذلك لا يعني غيابها عن المشهد ؟ فالتاريخ السياسي للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية يخبرنا بان يظهر أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تنظر إلى الملف النووي الإيراني باعتباره أحد أهم التهديدات الاستراتيجية طويلة المدى لأمنها القومي ومشاريعها التوسعية الاستيطانية , ومن هذا المنطلق، فإن أي تفاهم أمريكي إيراني لا يُقاس في تل أبيب بقدرته على خفض التوتر فقط، بل بمدى تأثيره على توازن القوى الإقليمي خلال السنوات المقبلة. ولذلك يمكن لنا ان نفترض وقد يكون واقع حال الآن وهذا ما يجعلنا نتطرق اليه بصورة قطعية وليس ظنية على افتراض أن المؤسسات الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية تتابع المفاوضات بدرجات عالية من الاهتمام، ليس فقط لمعرفة النتيجة النهائية، بل لمحاولة فهم اتجاهات التفاوض أثناء تشكلها ؟ لان السؤال الأساسي الذي يطرح في “تل ابيب “قد لا يكون بالضرورة : “هل ستنجح المفاوضات؟” بل في الأصل والمغزى الحقيقي : “ما هو الثمن الذي ستدفعه واشنطن مقابل هذا النجاح؟” لان إسرائيل حصلت فقط على الخطوط العريضة من البيت الأبيض، دون التفاصيل الكاملة، مما يعزز من مخاوفها من “صفقة سيئة” تمنح إيران تنفساً اقتصادياً (فتح هرمز + رفع جزئي للعقوبات) دون تفكيك جذري لبرنامجها النووي أو خفض قدراتها الصاروخية والإقليمية. وأهداف الموساد الرئيسية في هذه المرحلة قد تنحصر في نقاط معينة وعلى سبيل المثال وليس الحصر تتمثل : ” كشف التفاصيل الكاملة قبل الإعلان الرسمي أو تعديل الشروط لصالح إسرائيل (تشديد على التخصيب، التفتيش، تسليم اليورانيوم) أو حتى محاولة لافشال الاتفاق إذا رُئي أنه يهدد الأمن الوجودي لأمنها القومي والاهم والمهم والذي ما يزال يدور في مخيلتهم الحفاظ على جاهزية خيار العمل العسكري كبديل متاح لا يصعب التفاوض عليه , لان الوسائل المتوقعة للموساد سيكون له طابع آخر ومن خلال بنية الاساس والاختراق الاستخباراتي داخل إيران , لان الموساد لديه تاريخ طويل في زرع عملاء ومصادر داخل النظام الإيراني (حراس الثورة، البرنامج النووي، الدبلوماسيين) لذا من المتوقع تكثيف الجهود للحصول على نسخة من مسودة الاتفاق أو محاضر المفاوضات عبر جواسيس أو تقنيات إلكترونية والهدف الرئيسي سيكون لكشف التنازلات السرية (مثل نسب التخصيب المسموحة أو جدول رفع العقوبات) وتسريبها للإعلام أو للضغط على الرئيس “ترامب” ومن خلال النفوذ داخل الإدارة الأمريكيةوعبر لوبي قوي وعلاقات وثيقة مع بعض المسؤولين والمستشارين المؤيدين لإسرائيل في “البيت الأبيض” ووزارة الخارجية. وقد يتم نقل معلومات استخباراتية “مقلقة” عن إيران (مثل استمرار التخصيب السري أو دعم الميليشيات) لإقناع “ترامب” بأن الاتفاق “غير كافٍ” أو “خطر” وكذلك قد تكون من خلال العمليات الميدانية والتخريب وعمليات سرية لتعطيل مواقع نووية أو نقل اليورانيوم المخصب (كما حدث في الماضي) او حتى من خلال شن هجمات إلكترونية (ستوكسنت-like) أو اغتيالات محدودة لعلماء أو قادة لإثارة رد فعل إيراني يفشل الاتفاق او من خلال تصعيد في الجبهات الفرعية (لبنان، سوريا، اليمن) عبر حلفاء إسرائيل لخلق أزمة أمنية تحول دون التوقيع على الاتفاق , وكذلك من خلال شن الحملة الإعلامية والسياسية وتسريب معلومات انتقائية إلى الإعلام الأمريكي والإسرائيلي تُظهر الاتفاق كـ”استسلام” أو “تكرار اتفاق أوباما السيئ” وهنا يأتي دور الضغط على أعضاء الكونغرس الجمهوريين والديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل للتصريح علناً بأنهم ضد “التنازلات” ولذا فإننا نعتبر ضمن هذا التحليل والسياق فإذا نجح “الموساد” في كشف تنازلات إيرانية كبيرة، قد يجبر الرئيس “ترامب” على تشديد الشروط أو التراجع ودوره ليس مجرد مراقبة، بل تدخل نشط لضمان أن أي اتفاق لا يعرض إسرائيل للخطر والسباق المحموم الآن بين الدبلوماسية السريعة (ترامب-إيران-باكستان ـ قطر ) والعمليات الاستخباراتية الإسرائيلية لانه قد يمثل هذا الاتفاق بداية عهد جديد من الاستقرار في الشرق الأوسط، بعد فترة من التوتر الشديد أدت إلى خسائر بشرية واقتصادية كبيرة ولذا ما الذي يمكن أن تفعله إسرائيل إذا شعرت بأن المفاوضات تسير ضد مصالحها؟ ففي حال تشكيل انطباع داخل دوائر صنع القرار بأن المفاوضات تتجه نحو نتائج غير مرغوبة، فمن المرجح أن يكون التحرك الأول سياسياً وليس عسكرياً وقد يشمل ذلك وعلى نحو غير مسبوق ومن خلال : ” تكثيف الاتصالات مع الإدارة الأمريكية والتواصل مع أعضاء نافذين في الكونغرس وتقديم تقديرات استخبارية مضادة وتحريك أدوات الضغط الدبلوماسي والإعلامي ومحاولة التأثير على الرأي العام الأمريكي وصناع القرار :” فالخبرة التاريخية تشير إلى أن معارك التأثير السياسي في واشنطن غالباً ما تبدأ قبل الإعلان عن أي اتفاقات كبرى ؟ فما نشاهده اليوم من على شاشات التلفزة باننا أمام صراع تفاوضي موازٍ تقوده اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية حتى ولو لم يتم الإعلان عنها لغاية الآن ولكن في قادم الأيام سوف تظهر وتطفو على السطح ما نحاول إن نستعرض حاليآ بشيء من التفصيل ؟ لان من زاوية أخرى، يمكن النظر إلى ما يحدث على أنه ليس مفاوضات واحدة، بل مفاوضات متعددة ومتزامنة. وفي الخلفية ما تزال توجد عملية تأثير موازية تقوم بها أطراف إقليمية ودولية تسعى إلى توجيه مسار النتائج النهائية بما يخدم مصالحها ولذا وبهذا المعنى، فإن ما يجري في القاعات المغلقة في سويسرا قد يكون مجرد الجزء الظاهر من مشهد أوسع وأعقد بكثير مما يروجه حاليا الإعلام العربي والعالمي ومحلليهم السياسيين ؟ لان الفرضية الأكثر واقعية ليست أن إسرائيل تريد ان تسابق الزمن لغرض ان تعرف كل ما يجري داخل غرف التفاوض المغلقة، ولا أنها عاجزة تماماً عن التأثير بل لان الاحتمال الأقرب هو أنها تسعى، مثل أي دولة ترى مصالحها الحيوية على المحك، إلى تقليص مساحة المفاجأة إلى الحد الأدنى، وزيادة قدرتها على التأثير في مسار الأحداث قبل الوصول إلى لحظة اتخاذ القرار والتوقيع عليه ؟ وعليه، فإن المعركة الحقيقية قد لا تكون حول ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أو تفشل، بل حول من سيتمكن من تشكيل شروط النجاح، ومن سيملك القدرة على التأثير في مضمون الاتفاق قبل أن يتحول إلى واقع سياسي جديد في الشرق الأوسط. وبهذا المعنى، لا تبدو المفاوضات مجرد لقاء دبلوماسي مغلق، بل جزءاً من مشهد أوسع تتداخل فيه السياسة مع الاستخبارات، والدبلوماسية مع حسابات الأمن القومي، في بيئة دولية شديدة التعقيد والتشابك، حيث لا تنتهي المعركة عند حدود الطاولة، بل تمتد إلى ما بعدها بكثير ؟
قد لا تكشف الساعات أو الأيام القليلة المقبلة عن جميع ما جرى خلف الأبواب المغلقة في منتجع “بورغنشتوك” ولكن من المؤكد لنا بأن نتائج هذه المفاوضات لن تُقاس فقط بما سيُعلن في البيانات الرسمية أو المؤتمرات الصحفية، بل بما سيبقى غير معلن بين سطور مخفية ومن خلال التفاهمات والالتزامات السرية المتبادلة. ففي عالم السياسة الدولية، والدبلوماسية الخفية , كثيراً ما يكون الجزء الخفي من الاتفاقات أكثر تأثيراً من الجزء المعلن منها. ولذلك فإن الأنظار لن تبقى مركزة على ما إذا كانت المفاوضات انتهت بنجاح أو فشل، بل على طبيعة التوازنات الجديدة التي قد تنتج عنها، وعلى الأطراف التي ستعتبر نفسها رابحة أو خاسرة بعد انقشاع الضباب.
أما إسرائيل، وبصرف النظر عن حجم المعلومات السرية التي تمكنت أو حتى لم تتمكن من الحصول عليها، فستجد نفسها أمام مرحلة جديدة عنوانها الأساسي قراءة النتائج الفعلية على الأرض، لا الاكتفاء بمتابعة ما جرى داخل قاعات التفاوض. فالتحدي الحقيقي يبدأ عادة بعد انتهاء الاجتماعات، عندما تتحول الكلمات إلى سياسات فعلية، والتفاهمات إلى وقائع، والوعود إلى التزامات. ولهذا، فإن السؤال الأهم قد لا يكون:” ماذا حدث داخل المنتجع السويسري؟ بل ماذا سيبدأ بالحدوث في المنطقة بعد مغادرة الوفود لطاولات التفاوض وعودة كل طرف إلى عاصمته حاملاً ما يعتبره إنجازاً سياسياً أو استراتيجياً ” عندها فقط سيتضح ما إذا كانت هذه المفاوضات قد نجحت في إنتاج استقرار جديد، أم أنها كانت مجرد محطة أخرى في صراع طويل يعيد تشكيل نفسه وبأدوات مبتكرة وأساليب مختلفة.