عْاشُورْاءُ / السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة / (٦)   [سِرُّ التَّسمِيةِ المشينةِ!]

نزار حيدر

ما الذي سبقَ عاشوراء ليصفَ الحُسين السِّبط (ع) بعضَ [شيعتهِ] الذينَ حضرُوا كربلاء بـ [شيعةِ آل أَبي سُفيان]؟! وما الذي ميَّزهُم عن [شيعةِ آل أَبي طالبٍ]؟! ولِماذا؟! وكيفَ؟!.

   في البدءِ يلزم أَن نستحضرَ حقيقةً في غايةِ الأَهميَّةِ أَلا وهيَ أَنَّ كُلَّ الذينَ حضرُوا في كربلاء في يومِ عاشوراء هُم من [أَهلِ الكُوفةِ] سواءً الذي قاتلُوا معَ الحُسين السِّبط (ع) أَو الذينَ قاتلُوا في صفوفِ جيشِ الأَمويِّينَ بقيادةِ عُمر بن سعدٍ بن أَبي وقَّاص [والذي كانَ رسُولُ الله (ص) قد وصفهُ مرَّةً بحضُورِ أَبيهِ [الصَّحابي] بالسَّخلِ الذي يقتلُ ولدهُ الحُسينِ السِّبطِ (ع)] وقليلٌ جدّاً منهُم إِلتحقُوا بأَحدِ الفَريقَينِ من المدينةِ المُنوَّرةِ [كما هوَ الحالُ مع أَهلِ بيتِ الإِمامِ (ع)] وكذلكَ من البصرةِ ورُبَّما من أَمصارٍ أُخرى.

   هذا يعني أَنَّهم ممَّن كتبُوا للحُسين السِّبط (ع) [أَن اقدِم فقد أَينعَت الثِّمار واخضرَّ الجنابُ وإِنَّما تقدِمُ على جُندٍ لكَ مُجنَّدةٍ] [تذكُرُ كُتُب التَّاريخ أَنَّ عددهُم تجاوزَ الـ (١٢٠) أَلفاً] بغضِّ النَّظرِ عن الدَّوافعِ والأَسبابِ والمُبرِّراتِ والنَّوايا، إِذ نعرفُ أَنَّهم إِنقسمُوا إِلى [٣] أَقسامٍ؛

   *قسمٌ كتبَ للإِمامِ (ع) عن إِيمانٍ ويقينٍ وقناعةٍ وثِقةٍ.

   *قسمٌ كتبَ لهُ من بابِ [حشرٌ معَ النَّاسِ عيدٌ] متأَثِّرٌ ومسحُورٌ بأَجواءِ الصِّراعِ السِّياسي الذي كانَ يحكمُ الكُوفةَ آنئِذٍ بعدَ هلاكِ مُعاوِيةَ واعتلاءِ إِبنهِ يَزيد سِدَّة الخِلافةَ بالتَّوريثِ.

   *قسمٌ كتبَ لهُ رغبةً أَو رهبةً، رغبةٌ بالسَّلطةِ الجديدةِ وامتيازاتِها ونفوذِها على اعتبارِ أَنَّ الحُسين السِّبط (ع) قادِمٌ إِلى الكوفةِ لإِزاحةِ سُلطةِ الأَمويِّينَ الظَّالمةِ وإِسقاطها عن سِدَّةِ الخِلافةِ وإِقامةِ سُلطةِ الحقِّ سُلطةِ العدلِ الإِلهي، أَو رهبةً من الحُكمِ الجديدِ إِذا لم يُعلِنُوا من الآن تأييدهِم والولاءِ لهُ فيلتحقُوا بهِ نظريّاً على الأَقلِّ بالتَّوقيعِ على رسائلِ الدَّعوةِ المُوجَّهِ للإِمامِ (ع)! قبلَ أَن يُعدَّهُم من مُخلَّفاتِ العهدِ البائدِ!.

والدَّليلُ على أَنَّهم كُلُّهم تقريباً ممَّن كتبَ للإِمامِ هوَ مُحاججتهِ لهُم (ع) وعَرضهِ كُتُبهَم أَمامَ أَعيُنهِم والتي ملأَت ظهورَ جِمالٍ وذلكَ في ظهيرةِ عاشُوراء قبلَ أَن يقعَ السَّيفُ بينَ الفريقَينِ عندما ظلَّ (ع) ووُجهاء وزُعماء جبهَة الحقِّ يحاورُونهُم ويُجادلُونهُم لإِلقاءِ الحجَّةِ عليهِم، فلقَد خطبَ (ع) قائِلاً بعدَ أَن نادى عليهِم بأَسماءِ قادةِ الجَيشِ الأَموي {أَلم تكتبُوا إِليَّ أَن أَقدِم قد أَينعتِ الثِّمار واخضرَّ الجَناب وإِنَّما تقدِمُ على جُندٍ لكَ مُجنَّدةٍ!}.

   ومِن هُنا تبدأ قصَّة نعْت الإِمام (ع) لهُم بـ [شيعةِ آل أَبي سُفيان]؛

   أ/ إِنَّهم ظنُّوا أَنًّ كُلَّ مَن يوقِّع على هذهِ الكُتبِ فسيُعتبرُ [شيعيّاً قُحّاً] لا يرقى لهويَّتهِ وانتمائهِ أَيُّ شكٍّ!.

   ب/ وظنُّوا أَنَّ التَّوقيعَ يكفي لإِعلانِ البَيعةِ للإِمامِ حتَّى إِذا انقلبُوا فيما بعدُ وغيَّرُوا وبدَّلُوا.

   إِنَّهُم فهِمُوا أَنَّ البدايةَ إِنتماءٌ أَمَّا الإِستقامةُ على الطَّريقةِ فشيءٌ ثانويٌّ!.

   ج/ وظنُّوا أَنَّ التشيُّعَ للحُسينِ السِّبطِ (ع) يعني أَن يلهجُوا باسمهِ فقط وليسَ المُهمُّ الإِلتزام في السُّلوك والمَنهج والمُنطلقات والأَهداف وإِذا حكمَت الظُّروف فالتَّضحيةُ من أَجلِ كُلِّ ذلكَ.

   د/ وعندما وصفهُم (ع) بـ [شيعةِ آل أَبي سُفيان] فإِنَّما أَرادَهُم أَن يستفيقُوا من وهمهِم وأَن يُنبِّههُم إِلى حقيقةِ انتقالهِم من مُعسكرٍ لآخرَ ومِن جهةٍ لأُخرى، والإِنتقالُ هذا لا علاقةَ لهُ بالنَّوايا وبما يدَّعيهِ المرءُ وما يقُولهُ وإِنَّما بالسُّلوك والمُمارسة والمَوقف! فأَنت [شيعةٌ للحُسينِ] إِذا أَظهرتَ ثباتاً على المنهجِ في كُلِّ الظُّروفِ، وأَنتَ [شيعةٌ ليزيدٍ] إِذا نكصتَ على عقِبَيكَ! فهويَّتكَ وميولكَ يحدِّدها المَوقف لا ما تقولهُ!.

   تاسيساً على ذلكَ نفهمُ أَنَّ وصفَهُ (ع) لهُم لم تكُن حالتهُم منذُ البدايةِ أَبداً وإِنَّما كانُوا [شيعةَ الحُسين] في بدايةِ أَمرهِم ثمَّ انقلبُوا ليكونُوا [شيعةَ آل أَبي سُفيان] بناءً على موقفهِم من عاشُوراء.

   ولذلكَ يجبُ أَن لا نستغربَ أَبداً إِذا بدأَ أَحدهُم مسيرتهُ [شيعةً لعليٍّ والحُسينِ] أَيَّامَ كانَ خارجِ السُّلطةِ مثلاً أَو أَيَّامَ فَقرهِ ومظلوميَّتهِ ثمَّ انقلبَ لسببٍ ما كالسُّلطةِ، ليتحوَّلَ إِلى [شيعةِ آل أَبي سُفيان] أفالمعيارُ هوَ المَوقف وليسَ الكلامُ والخِطابُ والشِّعارُ!.

   على العكسِ من هذهِ الصُّورةِ هُنالكَ صورةٌ أُخرى تُناقضُها تماماً كانت غيَّرت وجهَ التَّاريخ فلَقد حضرَ عددٌ من [شيعةِ آل أَبي سُفيان] إِلى كربلاء إِلَّا أَنَّهم اختارُوا أَن ينتبِهُوا لأَنفسهِم وينقلبُوا على ماضيهِم الأَسود ليكونُوا من [شيعةِ آل أَبي طالبٍ] وذلكَ في لحظةٍ تاريخيَّةٍ قلَّ نظيرُها.

   ويقفُ على رأسِ هؤُلاء الشَّهيد الحُرُّ بن يَزيد الرِّياحي الذي خلَّدتهُ لحظةً واحدةً فقط هي لحظةُ الإِختيارِ الصَّحيحِ.

   ولذلكَ فإِنَّ الذي يقضي كُلَّ عمرهِ [شيعةً لعليٍّ] لا ينبغي لهُ أَن يفرحَ فقد يتحوَّل في لحظةٍ إِلى [شيعةِ آل أَبي سُفيان].

   كما أَنَّ الذي يقضي كُلَّ حياتهِ [شيعةً لآلِ أَبي سُفيان] لا ينبغي عليهِ أَن ييأَسَ أَو يزعلَ فقَد يتحوَّل في لحظةِ وعيٍ إِلى [شيعةِ آل أَبي طالبٍ].

   والمقصودُ بالإِنقلابِ ليسَ بالهويَّةِ وإِنَّما بالسُّلوكِ والمَوقفِ والجبهةِ التي يقِفُ فيها ومعَها!.

   وهكذا هي الفرصةُ سانِحةٌ إِلى آخرِ لحظةٍ من حياةِ الإِنسانِ، سلباً كانت أَو إِيجاباً، لا فَرق، وهنيئاً لمَن يغتنِمَ فُرصَ الخيرِ قبلَ فواتِ الأَوانِ وقبلَ المَوتِ!.

  ٢٠٢٦/٦/٢٠