جديد

بمناسبة ذكرى عاشوراء: بنو أمية أعداء النبي وآله (ح 11)

د. فاضل حسن شريف

الامام الحسن المجتبى عليه السلام صار مضرب الأمثال في الجود والكرم والحلم، وكان مأوى الفقراء والمستضعفين والمحرومين. عرف بالصدق ورحابة الصدر والفصاحة وحسن المنطق وسرعة البديهة. عاش مع جدّه النبي صلّى اللّه عليه وآله صلى الله عليه وآله وسلم سنين، ومع أبيه المرتضى عليه السّلام 30 سنة، ولم يزل مع أخيه الإمام الحسين عليه السّلام حتى استشهد مسموما. بويع للخلافة والإمامة بعد استشهاد أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام في شهر رمضان سنة 41 هـ وذلك بنص من أبيه. عاش بعد أبيه مظلوما مضطهدا، حيث ابتلي – كأبيه – بعصابات شريرة ومن أتعس خلق اللّه سيرة وخلقا، فكانوا يضمرون له – كما كانوا لأبيه – العداوة والبغضاء، فواجهوه بالإهانة والسب له ولأبيه، فكان يقابلهم بصبره وحلمه الواسع. كان على رأس أعدائه ومناوئيه بنو أمية بزعامة معاوية بن أبي سفيان وأشياعه، وأم المؤمنين – عائشة بنت أبي بكر – وأتباعها، فلاقى منهم صنوف التحدّيات والعذاب، حتى انتهى بهم الأمر بأن أعلنوا عليه الحرب، ولكنّه – لبعد نظره وإمعانه في مصالح الإسلام والمسلمين وحلمه وصبره وتجلّده – فضّل الهدنة والمصالحة مع زعيم العصابة معاوية، وذلك حرصا منه على دماء ومصالح المسلمين، فوقّع على وثيقة صلح بينه وبين معاوية في شهر ربيع الأول سنة 41 ه، وذلك بعد تسلّمه منصب الخلافة والإمامة بستة أشهر وثلاثة أيام. ولم يزل يسكن المدينة المنوّرة تحت ظروف قاسية وأجواء رهيبة حتى دس إليه معاوية السم عن طريق زوجته جعدة بنت الأشعث بعد أن أغراها بالأموال وبعض المغريات الأخرى، فمرض على أثر ذلك السم، فلزم فراشه أربعين يوما، ثم التحق بالرفيق الأعلى، وذلك لليلتين بقيتا من صفر سنة 50 ه، وقيل: سنة 49 ه، وقيل: سنة 51 هـ وله من العمر 47 سنة، وقيل: 48 سنة، ودفنه أخوه الإمام الحسين عليه السّلام في البقيع عند جدّته فاطمة بنت أسد. كان من المقرر أن يدفن عند جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ولكن أعداءه وأعداء أبيه أمثال عائشة ومروان بن الحكم ومن على شاكلتهم عارضوا دفنه عند جدّه. قال عبد اللّه بن العباس: أقبلت عائشة في أربعين راكبا على بغل مرحل، وهي تقول: ما لي ولكم، تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب. فقال لها ابن عباس بعد كلام: جمّلت وبغّلت ولو عشت لفيّلت. وقال في ذلك الصقر البصري الشاعر، مخاطبا عائشة: ويوم الحسن الهادي * على بغلك أسرعت ومايست ومانعت * وخاصمت وقاتلت وفي بيت رسول اللّه * بالظلم تحكّمت هل الزوجة أولى با * لمواريث من البنت لك التسع من الثمن * فبالكل تحكمت تجمّلت تبغّلت * ولو عشت تفيّلت. ولما وصل خبر استشهاده إلى معاوية في الشام أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه.

جاء في تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: عن كلمة نعمت: قوله جل جلاله “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ” ﴿ابراهيم 28﴾ خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم فقال:” أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا ” يحتمل أن يكون المراد أ لم تر إلى هؤلاء الكفار عرفوا نعمة الله بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم أي: عرفوا محمدا ثم كفروا به فبدلوا مكان الشكر كفرا. وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال (نحن والله نعمة الله التي أنعمها أنعم بها على عباده وبنا يفوز من فاز). ذكره علي بن إبراهيم في تفسيره ويحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله على العموم بدلوها أقبح التبديل إذا جعلوا مكان شكرها الكفر بها واختلف في المعنى بالآية فروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام وابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد أنهم كفار قريش كذبوا نبيهم ونصبوا له الحرب والعداوة وسأل رجل أمير المؤمنين عليا عليه السلام عن هذه الآية فقال هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة فأما بنوأمية فمتعوهم إلى حين وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر وقيل إنهم جبلة بن الأيهم ومن اتبعوه من العرب تنصروا ولحقوا بالروم. قوله سبحانه “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ” ﴿المائدة 11﴾ يكون تخليص النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما هموا به، نعمة على المؤمنين من حيث إن مقامه بينهم نعمة عليهم، فلذلك اعتد به عليهم.

طبيعة المجتمع في زمن السجاد عليه السلام تطلب تعليمهم الدعاء وهذا الذي حصل في الصحيفة السجادية وذلك بتطبيق تعاليم الصحيفة أولا على النفس (أيها الناس أعطينا ستا وفضلنا بسبع أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين) فالنفس تطلب المسامحة. وورد ان الامام السجاد عليه السلام كان مسامحا حتى مع ألد أعدائه بنو أمية وكان أمينا عليهم “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا” (النساء 58).

عن تحريف بنو أمية للدين يقول السيد سامي البدري حفظه الله: كيف حرّف بنو اُميّة دين الله وسنّة نبيّه، وكيف نهض الحسين عليه‌ السلام بوجههم، وكيف وفّق لتكون حركته وشهادتُه عليه‌ السلام سبباًَ لهداية الناس إليه، وسنّة النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وآله الصحيحة، ولولا ذلك لكانت الأمّة إلى اليوم تعيش ضلالة بني اُميّة. وفي ضوء هذا التفسير تأتي ضرورة مواصلة إحياء ذكرى هذه الشهادة، لأنّها مَعْلَمٌ ورايةٌ تنبِّه الغافلين من المسلمين والباحثين عن الحقيقة في تاريخ الإسلام: “لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ” (الأنفال 42).