سجاد تقي كاظم
بسم الله الرحمن الرحيم
بين القيادة والتبعية: هل (الامام الحسين)..قائد قاد المسيرة أم مُقاد استجاب للرسائل؟..(مأزق الفكر الشيعي في قراءة كربلاء!).. (اتهام الجماهير “بالغدر” ..هروب لكل قيادة ..لم.. تحسن التخطيط)
التاريخ السياسي لا يعترف بالعواطف.. بل بموازين القوى والتخطيط المسبق.. وحين يتم تقييم أي حركة سياسية أو ثورة مسلحة.. فإن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق القيادة.. فهي التي تملك خيار الإعلان عن المعركة.. تحديد توقيتها.. وتوفير غطاء حمايتها.. أما الشعوب.. فهي في نهاية المطاف أدوات تنفيذية تتأثر بالظروف المحيطة.
ومن هنا.. وأمام سردية اللوم الأبدية..
نضع السؤال الحقيقي على طاولة البحث لـنعرف: من غدر بمن؟
19 سنة من الغياب.. وسؤال (شبيك لبيك الامة بين يديك)!
· الواقع التاريخي يضعنا أمام علامات استفهام كبرى حول البناء التنظيمي للحركة:
1. عزلة سياسية ممتدة:
– منذ صلح الإمام الحسن مع معاوية بن أبي سفيان.. قضى الإمام الحسين (19 عاماً كاملة ) في الحجاز..
– طوال هذه السنين الطويلة.. ترك الحسين العراق.. ولم يتصل بشيعة أبيه اتصالاً تنظيمياً عسكرياً..
– ولم ينقل إقامته إلى الكوفة ليقود القواعد الشعبية من قُرب ويشرف على ولائها.
2. (وهم التغيير السحري):
– بعد 19 سنة من الانقطاع التام عن جغرافيا الأحداث.. كيف يمكن لـقائد سياسي أن يتوقع أن تسير الأمور بمنطق (كُن فيكون)؟
– هل بمجرد أنه حفيد النبي .. ستخضع له الأمصار والرقاب دون تمهيد.. وكأن لسان حاله يقول: (شبيك لبيك الأمصار بين يديك)؟
3. مأزم الفكر الشيعي في قراءة كربلاء:
– بوقت لم تعرف الامة (ما هو مشروع الامام الحسين..بنقاط واضحة) ولا (تعرف ما النظام البديل للحكم عن بني امية)؟ (وهل هو ضد الشورى ام مع الشورى)؟ ام (مع الولاية له ولال بيته)؟
– والشورى بين من ومن؟ وهل ستشمل الولايات كالعراق وشمال افريقيا وغيرها ام فقط (بحفنة من الصحابة مختزلين باهل المدينة) فاين العدالة؟
– الحسين لم يطرح في خطاباته العامة لـ (عامة الأمة)..نظرية الولاية التكوينية أو الحق الإلهي الضيق (لانها مصطلحات جاءت بعد عقود من مقتل الامام الحسين).. بل كان مشروعه المباشر والواضح نقض (الاستخلاف والتوريث القسري ليزيد)..والعودة إلى بند صلح الحسن (أن يكون الأمر شورى بين المسلمين)… هنا الطامة الكبرى؟
– فهل نحن الشيعة مثلا قبلنا بنتائج الشورى لابو بكر وعمر وعثمان؟ وهل معاوية مقبولا لانه جاء بعد تنازل الامام الحسن؟ وهل أصلا بعد موت معاوية (اجتمعت الامة على الامام الحسين) الجواب كلا.. فنجها اجتمعت على (عبد الله بن الزبير) التي خضعت معظم و لايات المسلمين له..
– الفراغ المفاهيمي والسياسي :
ولم يقل لنا (للإصلاح بامة جده).. لم يقل لنا ما هو الذي تغيير ليصلحه الامام الحسين؟ هل الشورى التي يرفضها الشيعة؟ والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. فكيف سيامر بها وهو عجز عنها بالمدينة (وطن) فكيف يريد تطبيقها خارجها؟ ثم كل هذه المصطلحات عائمة .. تجعل الشعب بموقف حائر..
– المأزق الديمقراطي للشورى:
لو جرت شورى حقيقية بمفهومها المعاصر أو التاريخي في عام 61 هـ.. لم تكن النتيجة لتضمن صعود الحسين.. لأن موازين القوى السياسية والقبلية في الأمصار (خصوصاً الشام ومصر ومكة) لم تكن تجمع عليه، بل كانت الخارطة مشتتة.
4. (درس التاريخ القريب):
التاريخ يقول إن هذه الأمصار لم تخضع بالكامل وبسلاسة لأبيه الإمام علي بن أبي طالب بكل هيبته وعلمه وقربه من رسول الله.. فكيف يُتوقع أن تخضع للحسين بمجرد وصول رسائل عاطفية من مجتمع مقموع؟
5. مفارقة الشهرين:
غياب عقلية (رجل الدولة) مقابل الحرب الخاطفة..
إن تفكيك الحراك العسكري داخل الكوفة يكشف فجوة قيادية هائلة بين مبعوث الحسين وبين السلطة الأموية:
ü (أين كان مسلم بن عقيل عندما وصل الكوفة ولديه 30 ألف مسلح بايعوا الإمام؟)..
ü لماذا لم يقم بتنظيمهم ونشرهم حول المدينة كقوة فرض واقع.. وتأمين حدود الكوفة.. وقطع الطريق على أي والٍ أموي قادم؟
ü (كيف قضى مسلم بن عقيل شهرين كاملين في الكوفة دون تأسيس خطة دفاعية أو هجومية؟).. بل اكتفى بانتظار الإمام الحسين.. وترك الكوفة (مستباحة عسكرياً) لأي حركة مضادة.
· في المقابل.. دخل عبيد الله بن زياد (والي البصرة) الكوفة ومعه 500 مقاتل فقط.. لكنه دخل (بعقلية رجل الدولة الحازم والمباغت).. وفي غضون أيام قليلة:
ü وضع إدارة دولة صارمة للكوفة..
ü فرض التجنيد الإلزامي على أبناء العشائر لاستيعاب القوة البشرية لصالح السلطة..
ü استخدم الاستخبارات والعيون.. واعتقل زعامات المعارضة (مثل هانئ بن عروة ومسلم بن عقيل)..
ü أرسل قوات فورية لإغلاق المنافذ ومنع دخول الإمام الحسين ومحاصرته.
6. (النتيجة الحتمية):
ü إن تحميل أهل العراق وحدهم مسؤولية الفشل ونعتهم بـ (الغدر) هو تبرير قاصر وغير منصف سياسياً..
ü لأن الجماهير بطبيعتها تبحث عن الأمان والاستقرار عندما تجد جبهتها القيادية بلا مشروع أمني يحميها..
ü والقيادة هي من تتحمل مسؤولية تقييم الواقع العسكري وليس العاطفة.
7. المقارنات التاريخية:
بناء الحواضن والقدرة على الصمود..
· (التجربة النبوية):
ü بالمقارنة مع النبي محمد .. نجد أنه عاش في بيئته وبين أبناء وطنه طوال 23 عاماً.. بنى خلالها مجتمعه ودولته تدريجياً وبوعي وتنظيم عاليين (بدءاً من بيعة العقبة الأولى والثانية التي كانت تنظيماً سياسياً وعسكرياً دقيقاً)..
ü بينما كان الإمام الحسين غريباً عن أهل الكوفة عسكرياً.. ولم يعش بينهم طوال عقدين لتمهيد الأرضية الاستخباراتية واللوجستية.
· نماذج القيادة الحديثة (ماو تسي تونغ):
القيادة الناجحة تتطلب نفساً طويلاً وقدرة على التراجع التكتيكي واحتواء الخسائر..
8. استطاع (ماو تسي تونغ) في الصين الصمود بعد خسارته 80 ألف مقاتل في (المسيرة الطويلة) القاسية..
9. وانسحب إلى الجبال لإعادة ترتيب صفوفه خطوة بخطوة وفق استراتيجية (رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة)..
10. ليحقق أهدافه في النهاية ويصل لبكين.. في حالة الكوفة.. غاب هذا التكتيك العسكري وحلّت مكانه المواجهة المباشرة غير المتكافئة.
11. (خلاصة المفارقة في الطاعة):
لماذا أطاعت الأمصار عبيد الله بن زياد رغم قمعه ووحشيته.. بينما تخلّت الجماهير عن عهودها لمسلم بن عقيل؟
الجواب/
ü يكمن في أن (ابن زياد كان يمثل (الدولة).. المدعومة بجيش نظامي.. وأجهزة استخبارات.. وأدوات ترهيب وترغيب (قطع الأرزاق أو منح الأموال).. مما جعل الجميع يخشاه ويطيعه..
ü بينما كان (مسلم بن عقيل يمثل (ثورة عاطفية))..
ü تفتقر إلى التنظيم العسكري.. والعدة.. والقدرة على حماية الأتباع وتأمين حياتهم.
ü حين تترك القيادة جماهيرها بلا تنظيم.. ولا حماية.. وبانقطاع طال 19 عاماً عن الواقع الأرضي في وجه آلة قمعية غاشمة.. فإن انسحاب الجماهير هو سلوك بشري غريزي تفرضه غريزة البقاء..
ü فالسؤال الحقيقي ليس (شلون غدروا؟).. بل (شلون نطلب من شعب أعزل أن يحمي ثورة غاب عنها التخطيط؟).
وهنا ندخل بمحور مهم:
1. عائمة مصطلح (الإصلاح): ما الذي تغير لكي يُصلحه؟
من وجهة نظر التاريخ السياسي البرغماني.. الدولة الأموية في عهد معاوية كانت دولة مستقرة، قوية، توسع الحدود، وتدير الاقتصاد بكفاءة. عندما يقول الحسين (خرجت لطلب الإصلاح).. يثور السؤال تلقائياً: إصلاح ماذا بالتحديد؟
· إذا كان المقصود إصلاح نظام الحكم والعودة للشورى: فهذا يعني العودة لنظام الخلفاء الراشدين الأوائل (أبو بكر، عمر، عثمان)، وهو نظام يرفضه الفكر الشيعي عقائدياً ويرى أنه سلب الحق الشرعي لآل البيت.
· إذا كان المقصود إصلاح الانحراف الديني ليزيد: فإن الأمة لم تكن ترى في سلوك يزيد الشخصي مبرراً كافياً لإشعال حرب أهلية وتمزيق وحدة المسلمين، خاصة أن جهازه الإداري والمالي كان يسير وفق الأنظمة المعتادة.
2. “الأمر بالمعروف”: العجز في الوطن والطموح في الخارج
كيف يعجز القائد عن تطبيق مشروعه في معقله ووطنه (المدينة المنورة)، ثم يتوقع النجاح فيه خارجها (في الكوفة)؟
· موازين القوى في المدينة: المدينة المنورة كانت تضم بقايا الصحابة، والأنصار، وأبناء المهاجرين. وهي البيئة الأكثر عاطفة وقرباً لآل البيت. ومع ذلك، عندما رفض الحسين بيعة يزيد، لم يستطع حشد أهل المدينة خلفه لإنشاء حراك معارض، بل نصحه كبار الصحابة (كابن عمر وابن عباس) بالبقاء وعدم الخروج.
· الهروب إلى جغرافيا مجهولة: خروج الحسين من المدينة إلى مكة ثم إلى الكوفة يعكس عجزاً عن التغيير من “الداخل الآمن”، والاتكال على “وعود افتراضية” من جغرافيا متقلبة الولاء كالعراق، وهي مقامرة غير محسوبة تظهر ضعف الاستراتيجية السياسية.
· الهروب من (الفشل التخطيطي) إلى (الانتصار الأخلاقي).. هو اعتراف ضمني بالهزيمة السياسية.
لنفكك معا.. (سردية الهروب إلى الأخلاق)..
إن محاولة تحويل حركة التاريخ السياسية إلى مجرد (ملحمة أخلاقية).. أو (صرخة ضمير).. هو تبرير كلاسيكي يُستخدم دائماً لتغطية الإخفاقات الاستراتيجية للقيادات. عندما يفشل المشروع العسكري.. يُقال (لقد انتصرنا معنوياً).. لكن التاريخ الواقعي لا يُكتب بالنوايا، بل بالنتائج. وإليك دحض حججك بالتفصيل:
1. دحض فرية (لم يخرج لتأسيس دولة)..
يقولون إن ثورة الحسين لم تكن مشروعاً لتأسيس دولة عسكرية كعبد الرحمن الداخل، بل نهضة أخلاقية.
ü هذا الطرح يصطدم بالواقع التاريخي الجلي…لماذا أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليأخذ (البيعة السياسية) من أهل الكوفة؟
ü البيعة في العرف الإسلامي والسياسي آنذاك هي (عقد حكم وسلطة) وليست محض ..(عاطفة دينية)..
ü لو كانت النهضة أخلاقية توعوية فقط.. لكانت خطب الإمام في مكة والمدينة كافية.. ولما كانت هناك حاجة لتسيير العوائل والنساء والأطفال نحو مركز ثقل سياسي وعسكري عاصف كالكوفة.
ü التحرك نحو الكوفة كان ..(محاولة لاستلام السلطة وانتزاع الخلافة).. وفشل الآلية التنفيذية لا يبرر تحوير الهدف التاريخي للحركة بعد قرون لتبدو وكأنها (استشهاد طوعي خطط له مسبقاً).
2. دحض تبرير فشل (مسلم بن عقيل).. (معادلة القوة)..
يتحججون بأن فشل الكوفة يعود لآلة القمع الأموية الشرسة.
ردنا/
وهنا تحديداً تقع (المسؤولية القيادية):
ü القيادة الذكية هي التي تقرأ وزن الخصم وقدرته على البطش قبل أن تورط قواعدها الشعبية.
ü كيف لـ (قائد عسكري) (مسلم بن عقيل) يمتلك -بحسب الروايات- أكثر من 30 ألف مبايع مسلح داخل المدينة.. أن يسمح لوالٍ جديد (ابن زياد) يدخل بـ 500 فارس فقط.. بأن يقلب الطاولة.. ويخترق الجبهة الاستخباراتية..ويعتقل رؤوس الحركة في أيام؟
ü هذا لا يعكس قوة ابن زياد بقدر ما يعكس (هشاشة البناء التنظيمي والبدائية الأمنية) لدى جبهة الثورة التي تركت عاصمتها مستباحة دون تحصين أو خطة طوارئ.
3. متناقضة (الإصلاح) وغياب الأدوات..
يستشهدون بمقولة (إنما خرجت لطلب الإصلاح)..
ردنا على ذلك/
ü الإصلاح في مجتمع محكوم بالحديد والنار لا يتم بالتمنّي.. بل بـ (أدوات القوة)…
ü إن الخروج للإصلاح دون امتلاك جهاز استخباراتي.. أو جيش نظامي..، أو حليف إقليمي موثوق..أو حتى بيئة جغرافية حاضنة (كالجبال أو الحصون)…ليس إصلاحاً بل هو (انتحار سياسي وعسكري).. تسبب في تصفية النخبة من آل بيت النبي.
ü التاريخ لا يرحم من يواجه الجيوش المنظمة بـ (الرسائل العاطفية).. والوعود المتقلبة لعشائر أثبتت طوال عقدين (منذ زمن الإمام علي) أنها متقلبة الولاء ومحكومة بغريزة البقاء والخوف من جيش الشام.
4. خديعة الانتصار بعد 1300 عام..
يقولون إن الحسين انتصر لأن ذكره باقٍ بينما اندثر الملوك والجبابرة.
ردنا على ذلك/
ü هذا (خلط للمفاهيم)..بقاء الذكر في الوجدان الشعبي والعاطفي هو (خلود رمزي) وليس انتصاراً سياسياً.
ü على أرض الواقع السيادي: من الذي حكم الأمة لقرون؟ من الذي صاغ جغرافيتها وسياساتها وثرواتها؟
ü إنه النظام الأموي ثم العباسي.. أما البقاء الرمزي للحسين في الضمير فلم يغير من موازين القوى السياسية شيئاً.. بل تحول بمرور الوقت -للأسف- إلى (أداة للتخدير العاطفي).. وسردية للطم والبكاء.. بدلاً من أن يكون أداة للتغيير الفعلي.
من ما سبق:
1. إن اتهام الجماهير بـ ( الغدر).هو الهروب الأسهل لكل قيادة لم تحسن التخطيط.
2. الجماهير صامتة وأعزل.. والقيادة هي من يتحمل ذنب تسيير المسيرة نحو حتفها المحتوم بناءً على تقييم عاطفي لرسائل أهل الكوفة.. والضرب بعرض الحائط لنصائح دهاة السياسة والصحابة (كابن عباس وابن عمر) الذين حذروا الحسين من الخروج.
· الحقيقة التي يهرب منها خطابكم هو:
حركة الحسين أثبتت أن الأخلاق والمبدأ وحدهما.. دون عقلية (رجل الدولة) البراغماتية.. ودون آلة عسكرية صارمة.. لا يصنعان نصراً.. بل يصنعان مأساة تاريخية مستمرة.
……………………
واخير يتأكد للعراقيين بمختلف شرائحهم.. ضرورة تبني (قضية هلاك الفاسدين .. بـ 40 نقطة).. …. كمقياس ومنهاج يقاس عليه كل من يريد تمثيلهم ويطرح نفسه لقياداتهم .. علما ان هذا ينطلق من واقعية وبرغماتية بعيدا عن الشعارات والشموليات والعاطفيات، ويتعامل بعقلانية مع الواقع العراقي، ويجعل العراقيين يتوحدون ككتلة جغرافية وسياسية واقتصادية وادارية.. بهدف واحد.. ينشغلون بأنفسهم مما يمكنهم من معالجة قضاياهم بعيدا عن طائفية وارهاب الجماعات المسلحة.. وعدائية واطماع المحيط الاقليمي والجوار، وبعيدا عن الهيمنة الايرانية وذيولها الاجرامية بارض الرافدين.. وبعيدا عن استغلال قوى دولية للتنوع المذهبي والطائفي والاثني بالعراق،.. ويضمن بنفس الوقت عدم عودة العراق لما قبل 2003 وماسيه..|. والموضوع بعنوان (مشروع هلاك الفاسدين..لانقاذ العراق).. بـ (40 نقطة)..يجب ان (تحفظ من قبل كل عراقي عن ظهر قلب).. كمطالب (حياة او موت)..(كرامة او ذلة..) وعلى الرابط التالي:
سجاد تقي كاظم