مكسيم العراقي
بحث في:
– باثولوجيا التدمير الممنهج وتشريح الانتخاب العكسي وصناعة الفوضى من قاع البؤس في الفكر الرهبري والإخواني.
– وفي جدلية الانتخاب الطبيعي والانتخاب القسري الرهبري في هندسة الخراب وصناعة الرعاع, من نواميس الطبيعة إلى مسوخ الأيديولوجيا
-موسوعة الفساد البنيوي والهندسة البيولوجية والسياسية لصناعة الفوضى وتولية الرعاع في المنظومتين الرهبرية والإخوانية
يتضمن:
1. ديناميكية التطور من الشفرة البيولوجية إلى الأنساق الاجتماعية
2. هندسة النشوء العفوي وكيف صُنعت ماكينة الحياة وشروط التطور الأولى على الأرض؟
3. ارتقاء العقل البشري ولغز الذكاء وتنافس المنظومات العقدية
4. جمود الشفرة السلفية ومرونة الخداع الأيديولوجي وتشريح الانتخاب العكسي بين الرهبرية والإخوانية
5. جينات التدمير ومسخ الاستخلاف وبيولوجيا الخداع وثبات الشفرة الأيديولوجية في المنظومة الرهبرية والإخوانية
(1)
ديناميكية التطور من الشفرة البيولوجية إلى الأنساق الاجتماعية
في علوم الطبيعة، تُمثل دراسة التطور الفهم الأعمق لكيفية نشوء الحياة وتنوعها واستمرارها. إن المحركات التي تحكم الخلايا والكائنات الحية تشكل حزمة من القوانين الصارمة التي تضمن بقاء الأنواع أو فنائها بناءً على قدرتها على مجاراة المتغيرات البيئية المتغيرة. وحين ينظر إلى هذه القوانين علماء الطبيعة، يمكنهم تفكيكها إلى ثلاثة كوامن بنيوية:
1. الثالوث البيولوجي (الانتخاب، الاستنساخ، والطفرة)
• الانتخاب الطبيعي
هو الآلية المركزية التي تدير بها البيئة عملية غربلة الكائنات الحية. لا يعترف الانتخاب الطبيعي بالقوة المجردة، بل بالكفاءة التكيفية. تنتج الكائنات الحية ذرية تفوق دائمًا القدرة الاستيعابية للموارد المتاحة من طعام وماء ومساحة، مما يخلق صراعًا غريزيًا للبقاء. في هذا الصدد، تصبح البيئة بمثابة الفلتر الذي يسمح فقط للأفراد المحملين بصفات تتوافق مع التحديات كالمناخ الشديد، أو المجموعات المفترسة بالعيش والتكاثر، في حين تندثر الأنماط العاجزة عن التكيف.
• الاستنساخ والتمرير الجيني
لكي يكتب لأي صفة تكيفية الاستمرار، لا بد من نقلها عبر الأجيال. الاستنساخ الحيوي عبر انقسام الخلايا ومضاعفة الحامض النووي هو الماكينة التي تضمن الحفاظ على الأنساق الحيوية وتمرير الكتالوك الجيني للنوع. غير أن الاستنساخ في الطبيعة ليس عملية آلية مصمتة؛ بل هو تكرار دقيق يتيح هامشاً من التباين الفردي الطفيف بين الآباء والأبناء، وهو التباين الذي يمنح الانتخاب الطبيعي مادته الخام للفرز والمفاضلة مه وجود بعض الاخطاء الطفيفة جدا في ماكنة الاستنساخ تلك!
• الطفرات الوراثية
الطفرة هي الخلل الفجائي غير المتوقع في تسلسل القواعد النيتروجينية للشفرة الجينية أثناء عملية الاستنساخ. تحدث الطفرات نتيجة عوامل بيئية كالإشعاعات، أو أخطاء كيميائية حيوية. وفي حين أن معظم الطفرات تكون محايدة أو ضارة تؤدي إلى تشوهات وهلاك الكائن، إلا أن نسبة ضئيلة منها تأتي كطفرات مفيدة تنتج صفة جديدة كلياً مثل تلون جديد يساعد على التمويه، أو إنزيم يهضم طعاماً معقداً. هذه الطفرات المفيدة هي محرك الإبداع الحيوي؛ إذ تمنح الكائن ميزة تنافسية خارقة تجعله الأصلح في نظر الطبيعة، فيتكاثر ويمرر هذه الطفرة لتصبح صفة رئيسية للنوع بمرور الأجيال.
2. التناظر والارتباط مع التطور الاجتماعي
السؤال حول ما إذا كانت هناك علاقات بين التطور البيولوجي والتطور الاجتماعي, هو أحد أكثر النقاط إثارة في الفكر العلمي المعاصر. الإجابة هي نعم؛ هناك توازي بنيوي حقيقي يعرف في علم الاجتماع التطوري ونظرية المحاكاة الثقافية بالتطور الثقافي الافتراضي.
إن الأفكار، والسلوكيات، والمؤسسات الاجتماعية، والأنظمة السياسية تتحرك في بيئاتها التاريخية تماماً كما تتحرك الكائنات الحية في الطبيعة، وتخضع لنفس القوانين لكن بأدوات مختلفة. ويمكننا فهم هذا التناظر من خلال الربط المباشر بين المفاهيم البيولوجية وما يقابلها في البيئة الاجتماعية:
حيث تقابل الشفرة البيولوجية أو الحامض النووي في الطبيعة، الثقافة والأفكار أو ما يُعرف بالمِمات في المجتمع. ويقابل عملية الاستنساخ الخلوي البيولوجية، عمليات التعليم والنقل الثقافي والتقليد بين البشر. وتتحول الطفرة الجينية في العلم الطبيعي إلى ابتكارات وثورات فكرية وانحرافات سلوكية على الصعيد الاجتماعي. وأخيراً، يتجسد الانتخاب الطبيعي للبيئة في صورة انتخاب اجتماعي تحكمه شروط البيئة السياسية والاقتصادية السائدة.
• المِمات كبديل للجينات
في التطور الاجتماعي، تُستبدل الجينات بما يسمى المِمات، وهي الوحدات الأساسية للثقافة من فكرة، أو معتقد، أو تقنية، أو لغة. هذه الأفكار تتوالد وتنتقل من عقل إلى آخر عبر محاكاة الاستنساخ من خلال التعليم، والإعلام، والتلقين الديني والاجتماعي.
• الطفرات الثقافية والاجتماعية
الابتكارات العلمية، الثورات الفكرية، وحتى الانحرافات العقائدية والسلوكية الفجائية داخل المجتمع هي بمثابة طفرات ثقافية. عندما تظهر فكرة جديدة أو نمط حكم معين، فإنه يحدث خللاً في النسق الاجتماعي القائم.
• الانتخاب الاجتماعي (البيئة تحدد الأصلح)
هنا تتدخل الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة لتلعب دور الانتخاب الطبيعي:
في البيئات الصحية والديمقراطية، تنتخب الظروف الاجتماعية الطفرات الإيجابية مثل العلم، والقانون، والنزاهة، والكفاءة لأنها الأفضل لتلاءم المجتمع واستقراره ورفاهه، في حين تندثر الأفكار الفاسدة لعدم وجود بيئة حاضنة.
أما في بيئات الاستبداد والثيوقراطية والفكر الديني المؤدلج، فتنكسر شروط الفرز تماماً؛ وتصبح البيئة محملة بإشعاعات التجهيل والتعبئة الطائفية والعوز. هذه الظروف القاسية لا تسمح بنمو الأفكار التنويرية أو الشخصيات النزيهة بل تعتبرها طفرات ضارة تجب تصفيتها، وتتجه بدلاً من ذلك إلى القيام بانتخاب طبيعي عكسي يصطفي الطفرات السلوكية الفاسدة كالانتهازية، والنفاق، والرعاع، والعمائم الوظيفية. هؤلاء يصبحون الأصلح للبقاء والتكاثر في هرم السلطة لأن صفاتهم الرديئة تتناغم تماماً مع شروط مستنقع الخراب المستدام.
إن القوانين الطبيعية تؤكد أن آليات الارتقاء والتدهور واحدة؛ فالبيئة النظيفة تنتج كائنات راقية ومتكيفة مع الحياة، والبيئة الآسنة لا تنتج إلا طفرات ومسوخاً تتغذى على الفضلات. ولذلك، فإن إصلاح التطور الاجتماعي لا يتم بمطاردة المسوخ الفردية، بل بتغيير شروط البيئة الثقافية والسياسية بالكامل، عبر تجفيف منابع الجهل والمال الفاسد، لتصبح الرذيلة والتبعية صفات قاتلة جينياً وسياسياً، وتعود الصدارة لقيم العلم والمواطنة والسيادة.
(2)
هندسة النشوء العفوي وكيف صُنعت ماكينة الحياة وشروط التطور الأولى على الأرض؟
عندما يقف علماء الطبيعي أمام الثالوث البيولوجي (الاستنساخ، الطفرة، والانتخاب)، فإننا لا ننظر إلى نظام جرى تصميمه بوعي مسبق أو غاية غائية، بل ننظر إلى النتيجة الحتمية لتفاعل كيميائي وفيزيائي معقد استغرق ملايين السنين. إن هذا النظام الذي يبدو في غاية الخطورة والدقة هو نتاج الضرورة العشوائية؛ حيث فرضت شروط الأرض الميتة ولادة المادة الحية دون تخطيط مسبق.
1. شروط التطور على الأرض وكيف بدأت المادة الحية؟
لم تكن الأرض قبل نحو 4 مليارات سنة بيئة صالحة للحياة بمفهومنا الحالي، بل كانت مختبراً جيولوجياً ثائراً. لفهم كيف صُنعت الخلية الأولى، يجب مراجعة ثلاثة شروط كونية وفرت الحاضنة الأساسية:
• الشوربة العضوية الأولى (حساء أوبارين): كان الغلاف الجوي للأرض غنياً بغازات الميثان، والأمونيا، وبخار الماء، والهيدروجين، مع غياب كامل للأكسجين الحُر. وفرت الصواعق البركانية والأشعة فوق البنفسجية طاقة هائلة كسرت هذه الجزيئات البسيطة وأعادت دمجها لإنتاج الأحماض الأمينية والنووية (اللبنات الأساسية للحياة)، وهو ما أثبتته مختبرياً تجربة ميلر-أوري الشهيرة.
• عالم الـ RNA (فرضية التكاثر الذاتي): قبل ظهور الـ DNA والبروتينات، كان هناك جزيء وسيط ساحر هو الـ RNA. هذا الجزيء يمتلك قدرة ثنائية مذهلة؛ فهو قادر على تخزين المعلومات الوراثية (مثل الـ DNA)، وقادر في الوقت نفسه على العمل كإنزيم ومحفز للتفاعلات الكيميائية (مثل البروتين). هنا بدأت أول عملية استنساخ ذاتي في التاريخ؛ جزيئات كيميائية تنسخ نفسها مستفيدة من المواد المحيطة بها.
• الفقاعة الدهنية (نشوء الغشاء الخلوي): الأحماض الدهنية المتواجدة في المحيطات القديمة تمتلك خاصية فيزيائية طبيعية: طرف ينجذب للمسامات المائية وطرف ينفر منها. بفعل حركة الأمواج والحرارة، تجمعت هذه الدهون تلقائياً على شكل فقاعات دائرية (مذيلات). عندما حجزت إحدى هذه الفقاعات جزيء RNA بداخلها، وُلدت أول خلية بدائية (Protocell). أصبح هناك داخل معزول عن الخارج، وهي اللحظة التي بدأت فيها تمايز المادة الحية عن الميتة.
2. تفكيك الثالوث البيولوجي.. كيف صُنع ومن أين جاءت آلياته؟
هذا النظام الذي يدير الكائنات الحية لم يُصنع بغاية (Teleology)، فالطبيعة عمياء لا تخطط للمستقبل، بل صُنع عبر آليات ميكانيكية بحتة:
• آلية الاستنساخ (الحاجة إلى التكرار)
بدأ الاستنساخ كخاصية كيميائية بحتة لانجذاب القواعد النيتروجينية المتكاملة (مثل انجذاب المغناطيس). الجزيء الأسرع والأكثر استقراراً في استنساخ نفسه هو من استهلك المواد الخام في الحساء البدائي. الاستنساخ الاجتماعي والثقافي لاحقاً (التعليم والتقليد) جاء كامتداد لهذه الغريزة الحيوية لتمرير المعرفة وحفظ نوع المجتمعات من الفناء.
• آلية الطفرة (الخطأ الحتمي والابتكار)
أثناء قيام الـ RNA أو الـ DNA بنسخ المليارات من شفراته الكيميائية، تحدث أخطاء إملائية حتمية بفعل الحرارة أو الإشعاع (قاعدة كيميائية تُستبدل بأخرى). البيولوجيا لا تتعمد الخطأ، لكن عدم كمال الآلية الكيميائية للنسخ هو الذي أفرز الطفرات.
-الطفرات الضارة: تموت الخلية فوراً وتندثر.
-الطفرات المفيدة: تمنح الخلية غشاءً أقوى أو قدرة على امتصاص الطاقة بشكل أفضل، وهي الطفرة التي تفتح الباب للارتقاء والتمايز.
3. آلية الانتخاب الطبيعي (الفلتر الصارم)
بمجرد أن أصبحت الخلايا البدائية تتكاثر وتنتج أعداداً تفوق سعة الطاقة المتاحة في محيطها، ظهر التنافس الغريزي على الغذاء. هنا لم يعد البقاء عشوائياً؛ فالخلايا التي حملت طفرات تمنحها كفاءة أعلى استمرت وتكاثرت، بينما تلاشت الخلايا الضعيفة. هذا الفرز البيئي الصارم هو ما نطلق عليه الانتخاب الطبيعي.
3. هل كانت هناك غاية؟ ومن الخلية الأولى إلى الأنساق الاجتماعية
من منظور العلم الطبيعي، الإجابة القاطعة هي: لا توجد غاية مسبقة في التطور البيولوجي. التطور مدفوع من الخلف (بفعل الضغط البيئي الحاضر) وليس مسحوباً من الأمام (بفعل هدف مستقبلي). العين البشرية لم تُصنع بغاية الرؤية، بل إن الخلايا الحساسة للضوء طرأت عليها ملايين الطفرات التدريجية عبر العصور، ولأن الرؤية منحت الكائن ميزة الهرب من المفترسات، انتخبته الطبيعة وأبقته حياً.
وحين نربط ذلك بـ الأنساق الاجتماعية، نجد أن التطور الثقافي البشري يسير على ذات السكك البيولوجية:
إن الأفكار، والمنظومات السياسية، والعقائد الدينية تتوالد داخل المجتمعات الحية وتتغير بفعل الطفرات الفكرية والابتكارات. والبيئة السياسية والاقتصادية هي من يمارس دور الانتخاب الاجتماعي؛ فالأفكار والمنظومات التي تلبي شروط البقاء والرفاه للمجتمع تسود وتستنسخ عبر الأجيال، بينما تسقط المنظومات العاجزة وتندثر في مزبلة التاريخ، مؤكدة أن ناموس الاصطفاء للأصلح والتكيف مع الواقع هو الحاكم المطلق من الخلية الأولى وحتى أعقد الإمبراطوريات البشرية.
(3)
ارتقاء العقل البشري ولغز الذكاء وتنافس المنظومات العقدية
يُمثل العقل البشري ذروة النتاج التطوري؛ فالأنسجة العصبية المعقدة والقدرات الإدراكية لم تظهر فجأة، بل شُحذت عبر ملايين السنين من الضغوط البيئية الصارمة، مما جعل الذكاء الأداة التكيفية الأقوى في تاريخ كوكب الأرض.
1. الذكاء كأداة للانتخاب الطبيعي
نشأ الذكاء البشري كاستجابة مباشرة لتحديات البقاء؛ فحين واجه أسلافنا الأوائل شح الموارد وتقلبات المناخ الصادمة في إفريقيا، لم تكن أجسادهم تمتلك مخالب حادة أو سرعة فائقة كباقي المفترسات. هنا، شكّل العقل الطفرة التكيفية البديلة.
لقد انتخب التاريخ الطبيعي الأفراد القادرين على التخطيط للمستقبل، وصناعة الأدوات، وقراءة سلوك الحيوانات، والأهم من ذلك: الذكاء الاجتماعي اللازم للعيش في مجموعات متعاونة وللتواصل اللغوي المعقد. فالذكاء ليس ترفاً بيولوجياً، بل هو استراتيجية بقاء كلّفت الإنسان استهلاك نحو 20% من طاقة جسده لتغذية دماغ لا يتعدى وزنه 2% من كتلة الجسم الكلية.
2. هل هناك شعوب أذكى من شعوب؟
حين تُخضع الصفات العقلية والنفسية للمنظور البيولوجي، تبرز حقيقة علمية استقر عليها علم الوراثة الحديث وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا): لا يوجد فوارق جينية أصيلة في الذكاء الخام بين الشعوب أو الأعراق ككتل مغلقة.
إن التباينات التي تظهر أحياناً في اختبارات الذكاء العالمية (IQ) لا تعود لجينات متفوقة، بل تُعزى بالكامل إلى شروط البيئة الاجتماعية والاقتصادية، ويمكن تفكيكها إلى ثلاثة عوامل:
• الظروف البيئية والصحية: الدماغ البشري يحتاج في فترات تكوينه الأولى إلى تغذية بروتينية معقدة ورعاية صحية تحميه من الأمراض الطفيلية والمعادن الثقيلة (كالرصاص في المياه الملوثة). البيئات التي تعاني العوز تظلم القدرات العقلية لأطفالها بنيوياً.
• المحفزات المعرفية والتعليم: الذكاء مثل العضلة، يحتاج إلى بيئة تعليمية تحفز التفكير النقدي والحلول المنطقية منذ الصغر، وهو ما يفتقر إليه الأطفال في الدول النامية مقارنة بالدول المتقدمة.
• تأثير فلين (Flynn Effect): يثبت هذا القانون العلمي أن معدلات ذكاء الشعوب ترتفع بشكل ملحوظ جماعياً بمجرد تحسن مستويات المعيشة والتعليم والصحة، مما يؤكد أن الذكاء البشري مرن وتحدده البيئة المجتمعية وليس عرقاً جينياً ثابتاً.
3. صعود عقلية الصحراء وأديانها وتراجع الحضارات التاريخية
إن التساؤل عن سبب هيمنة الأديان الإبراهيمية (التي نشأت في بيئات صحراوية أو شبه صحراوية) وتغلبها على أديان الحضارات التاريخية الكبرى (كمصر القديمة، بلاد الرافدين، الهند، أو اليونان) يجد إجابته في آليات الانتخاب الاجتماعي والثقافي؛ فالأفكار لا تنتصر لأنها الأجمل، بل لأنها تمتلك آليات تمرير واستنساخ أكثر كفاءة وشراسة.
• آلية التوحيد والتبسيط المعرفي
أديان الحضارات الكبرى (مثل مصر واليونان) كانت أدياناً محليّة، مرتبطة بجغرافية معينة (كنهر النيل) أو بنظام سياسي طبقي معقد وتعددية للآلهة تجعلها صعبة الاستنساخ والنقل العابر للقارات. بالمقابل، قدمت عقلية الصحراء منظومة توحيدية شديدة التبسيط والتجريد: إله واحد، كتاب واحد، وشريعة واضحة لا ترتبط بنهر أو جبل معين، مما جعلها فكرة خفيفة الوزن، سهلة الانتقال، وقابلة للتطبيق في أي بقعة على الأرض.
• الكفاءة التكيفية لعقلية الصحراء
الصحراء بيئة قاسية وشحيحة الموارد، والقبيلة فيها لا تعيش إلا عبر التضامن المطلق والتماسك الداخلي الصارم لمواجهة الفناء. عندما تلبست هذه العقلية برداء ديني، أنتجت منظومة ذات كفاءة تكيفية اجتماعية خارقة؛ فهي تلغي الفوارق الطبقية والعرقية القديمة لتصهر الجميع في أمة واحدة تتحرك ككتلة واحدة صلبة، مما منحها تفوقاً عسكرياً وتنظيمياً هائلاً أمام الإمبراطوريات الشائخة (كالرومان والفرس) التي كانت ممزقة داخلياً بالطبقية والصراعات التعددية.
• طفرة التبشير والجهاد (آلية الاستنساخ الذاتي)
امتلكت أديان الصحراء ميزة تطورية ثقافية حاسمة لم تكن لدى الأديان القديمة، وهي أمرية التوسع والانتشار الجبري أو التبشيري؛ فالدين هنا يحتوي في شفرته التأسيسية على إلزامية نقل الفكرة إلى الآخرين (الاستنساخ المستمر)، واعتبر التضحية في سبيل نشر الفكرة مع النهب والاستعباد والاغتصاب ذروة السنام الأخلاقي. هذا الدافع التوسعي حوّل الفكرة إلى قوة غازية عابرة للحدود، في حين كانت أديان الهند أو مصر تكتفي بحدودها الجغرافية.
• لماذا لم تنشأ أديان عالمية في البلاد المتفوقة؟
الحضارات المتفوقة تاريخياً (كاليونان والصين) اتجهت طاقاتها الذهنية نحو الفلسفة، والقانون، والمؤسسات المدنية المدونة (مثل كونفوشيوس في الصين، أو سقراط وأرسطو في اليونان)، بدلاً من الوحي الغيبي. هذه المنظومات الفلسفية والمدنية تخاطب النخب الفكرية وتحتاج إلى استقرار مدني واقتصادي لفهمها وتطبيقها، وبالتالي لم تكن تمتلك الجاذبية العاطفية أو التبسيط العقدي الذي يحرك الجماهير العريضة والقبائل الغازية، مما جعلها تخسر معركة الانتخاب الثقافي أمام المد الإيماني القادم من بيئات التجريد الصحراوي.
(4)
جمود الشفرة السلفية ومرونة الخداع الأيديولوجي وتشريح الانتخاب العكسي بين الرهبرية والإخوانية
1. الدين كشفرة جينية متحجرة (مأزق التعليمات الثابتة في بيئة متغيرة)
في العلوم الطبيعية، الكائن الذي يفقد القدرة على تحوير شفرته الوراثية (DNA) لمواجهة التغيرات المناخية أو شح الموارد ينتهي به المطاف حتماً إلى الانقراض. وحين نطبق هذا المفهوم على الأنثروبولوجيا السياسية، يمكن بالفعل مقارنة النصوص الدينية المقدسة بشفرات جينية مصمتة وثابتة، ترفض التطور أو التعديل الحركي.
تكمن الكارثة التاريخية للحركات الراديكالية في تعاملها مع فقه يعود إلى قرون مضت وكأنه شفرة جينية صالحة لكل زمان ومكان. إن تطبيق تعليمات ثابتة لا تتغير (مثل أحكام الغنائم، وأهل الذمة، والجهاد التوسعي، ومنظومات الأحوال الشخصية البدائية) على واقع دول حديثة محكومة بالقانون الدولي، والاقتصاد المعولم، ومفاهيم المواطنة السيادية، يؤدي بنيوياً إلى صدام بيولوجي وثقافي مدمر. هذا الجمود يحول النص من مرجعية روحية فردية إلى أداة إبادة مجتمعية؛ لأنه يجبر مجتمعات حية على التكيف العكسي مع الماضي، مما يفرز موجات من الحروب الأهلية، والمجازر، والتدمير الشامل للبنى التحتية، والفساد والتخريب, كون الشفرة المتحجرة لا تنتج حياة، بل تعيد إنتاج الخراب التاريخي عند كل محاولة لتطبيقها حرفياً.
2. الخداع الرهبري.. طفرة ولاية الفقيه لتجاوز مأزق الجمود
أدرك منظرو الفكر الشيعي المسيس، وتحديداً مع صعود نظرية الرهبرية (ولاية الفقيه) على يد خميني، أن الشفرة الفقهية التقليدية ستؤدي بالمنظومة إلى الانقراض السريع إذا اصطدمت بمتطلبات الدولة الحديثة. ومن هنا، اجترح الفكر الرهبري تكتيكاً مخادعاً يمثل طفرة وراثية سياسية خارقة للنسق الديني التقليدي:
• صناعة المقدس المتحرك (أمرية الولي)
منح الولي الفقيه (الرهبر) صلاحيات إلهية مطلقة تتجاوز حتى الأحكام الفقهية الأولية (كالصلاة والصوم والتشريعات الثابتة) إذا اقتضت مصلحة النظام ذلك. هذا التكتيك سمح للنظام بممارسة براغماتية متوحشة وخداع تكتيكي لا حدود له تحت غطاء التقية الوظيفية.
• الباطنية المافياوية
خلف واجهة الشعارات الطهرانية، وصناعة المظلوميات، والحديث عن المقاومة والمقدسات، أسس نظام الرهبرية كارتيلات جريمة منظمة عابرة للحدود. تم استخدام طفرة الخداع السيادي للاستحواذ على العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، عبر تفكيك دولها، وتهريب نفطها ودولارها، وتحويل مجتمعاتها إلى أسواق للمخدرات (الركيزة المافياوية لتمويل الميليشيات)، وتأسيس شبكات ابتزاز جنسي وتجارة أعضاء.
• التقية التي هي دين ابائهم واجدادهم وهي تمثل قمة النفاق والخداع للبقاء والتسلط!
لقد أدى هذا الاصطفاء العكسي إلى صعود طبقات حاكمة من قعر الجهل والبؤس (الرعاع وحفاة الفكر) إلى سدة الحكم في تلك العواصم، ليكونوا بيادق طيعة تنفذ إستراتيجية التدمير الذاتي لأوطانهم لحساب المركز في طهران.
3. إسقاط المقاربة على تنظيم الإخوان المسلمين (فشل الطفرة والارتداد السلفي)
حين ننظر إلى تنظيم الإخوان المسلمين من خلال هذا المنظور التكتيكي والبيولوجي، نجد أنهم حاولوا ممارسة نفس تكتيك الخداع الرهبري لتجاوز جمود الشفرة السلفية، لكنهم فشلوا في الحفاظ على المكتسبات لافتقارهم إلى هيكلية ثيوقراطية متماسكة كالتي تمتلكها طهران. وتتلخص تجربتهم في النقاط السلوكية التالية:
• طفرة التلون الحربائي: اعتمد الإخوان تاريخياً على البراغماتية السياسية العالية (الخداع التكتيكي). فهم يرتدون رداء الليبرالية والديمقراطية وحقوق المرأة عند الحديث مع الغرب أو القوى المدنية، ويتحولون فوراً إلى الخطاب السلفي التكفيري والشحن الطائفي عند مخاطبة قواعدهم الشعبية في الجوامع والأرياف. هذا التلون هو محاولة للتكيف مع البيئة السياسية الحديثة دون تغيير الشفرة الجينية الحقيقية للمشروع الإخواني القائم على الأستاذية العالمية وإعادة الخلافة.
• صناعة الخراب بالتمكين: عند صعود الإخوان إلى السلطة في لحظات الفوضى (كما حدث في مصر وتونس أو عبر أذرعهم في غزة واليمن)، عجزت المنظومة عن تقديم حلول تنموية وعلمية؛ لأن جيناتها المعرفية بائسة. اتجه التنظيم فوراً نحو تكتيك التمكين — وهو النسخة الإخوانية من اصطفاء الرعاع — عبر إقصاء الكفاءات التكنوقراطية والوطنية، وضخ عناصر الجماعة الجاهلة في مفاصل الدولة والتعليم والقضاء ونحر من يختلف معهم او الكفاءات والعناصر الحية في المجتمع.
• التخادم الوظيفي مع الإرهاب: تماماً كما استخدم نظام الرهبرية تنظيمات القاعدة وداعش كأذرع وظيفية لإشعال الصراعات الطائفية والدخول في مظهر المخلص، مثل الإخوان المسلمون عبر التاريخ الرحم البيولوجي الذي انبثقت منه كافة جماعات العنف والتكفير (من التكفير والهجرة إلى القاعدة). يتم استخدام هذه الجماعات لإرعاب المجتمع وإضعاف الدولة الوطنية، لتقدم الجماعة نفسها للغرب وللداخل كـ شريك إسلامي معتدل قادر على ضبط الشارع.
4.النتيجة الحتمية لانتخاب الأسوأ:
إن صعود الفكر الرهبري أو الإخواني إلى سدة الحكم يمثل حكماً بالإعدام الحضاري على الدول؛ لأن كلا التنظيمين لا يمتلكان جينات البناء والرفاه وسيادة القانون. إنهم كائنات أيديولوجية تعتاش على رطوبة الأزمات، والجهل، والفقر، وتولية الرعاع. وإن تطهير جغرافية المنطقة من هذا البؤس يتطلب استراتيجية حازمة تقوم على علمنة الدولة بالكامل، وتجفيف منابع المال الفاسد، ونشر الفكر النقدي العلمي، لتصبح التبعية الدينية والسياسية صفة قاتلة جينياً وسياسياً تعجل بنهاية أصحابها وإعادة الاعتبار لمنطق الدولة والسيادة.
(5)
جينات التدمير ومسخ الاستخلاف وبيولوجيا الخداع وثبات الشفرة الأيديولوجية في المنظومة الرهبرية والإخوانية
من وجهة نظر البيولوجيا التطورية وعلم النفس التطوري، فإن فكرة قبول شفرة فكرية أو ثقافية نُسجت قبل آلاف السنين واعتبارها صالحة لكل زمان ومكان تُمثل مفارقة تطورية صارخة، بل وتصطدم مباشرة مع القانون الأول للطبيعة: التغير أو الفناء.
لكي نفهم كيف يقبل الدماغ البشري هذه الفكرة سيكولوجياً وبيولوجياً، رغم تناقضها مع منطق البقاء، يجب أن نشرّح الآليات الحيوية التي تحكم جيناتنا وثقافتنا:
1. المنظور البيولوجي لعدم صلاحية الثبات (مأزق التكيف العكسي)
في علم الأحياء، البيئة في تغير جيولوجي ومناخي مستمر. الكائن الذي يمتلك شفرة جينية (DNA) جامدة ترفض التحور لمجاراة هذا التغير ينقرض حتماً.
وحين ننقل هذا القانون إلى التطور الاجتماعي، نجد أن النصوص والتعليمات الدينية الجامدة تمثل شفرة ثقافية مصمتة نبتت في بيئة صحراوية، ريعية، وقبلية محددة قبل آلاف السنين.
حين تُفرض هذه الشفرة القديمة على إنسان القرن الحادي والعشرين، يحدث ما يسمى بـ عدم التطابق التطوري (Evolutionary Mismatch)؛ فالأدوات التي كانت تضمن بقاء القبيلة في الصحراء قديماً (مثل أحكام الغنائم، وتكثير النسل العشوائي، والتقسيم الطائفي، وقمع الفكر النقدي لصالح الطاعة العمياء والنهب والغزو الخ) تتحول في عصر الدولة الحديثة والتكنولوجيا إلى جينات وثقافات قاتلة مدمرة للمناعة المجتمعية. تطبيق تعليمات لا تتغير في بيئة تغيرت بالكامل هو هندسة متعمدة للفشل البيولوجي والسياسي.
2. كيف يقبل الدماغ البشري هذا الوهم؟ (الآليات الحيوية للخداع)
إذا كانت هذه الفكرة مدمرة ومعطلة للتطور، فلماذا تتقبلها ملايين العقول وتدافع عنها؟ السبب يكمن في أن الفكر الديني والميليشياوي (كالفكر الرهبري والإخواني) يستغل ثغرات ونقاط ضعف في التصميم البيولوجي للدماغ البشري:
• غريزة توفير الطاقة المعرفية
الدماغ البشري يستهلك طاقة هائلة من الجسد. من الناحية التطورية، يميل الدماغ غريزيًا إلى الكسل المعرفي واختيار الحلول الجاهزة المريحة لتوفير الطاقة. الفكرة التي تدعي أنها صالحة لكل زمان ومكان تقدم للإنسان كتالوكاً جاهزاً ومريحاً للإجابات، وتعفيه من مشقة التفكير النقدي، والبحث العلمي، واجتراح حلول لمشاكل العصر المعقدة.
• سيكولوجية الخوف من المجهول (البحث عن اليقين)
انتخبت الطبيعة في أسلافنا غريزة الخوف من المجهول لحمايتهم من المفترسات. الأفكار الجامدة تمنح الإنسان وهماً باليقين المطلق والأمن النفسي وسط عالم متغير ومخيف. إن إقناع الفرد بأن لديه شفرة مقدسة عابرة للزمن تحميه سيكولوجياً من قلق الوجود، حتى لو كان واقعة المعاش بائساً وفقيراً.
• وهم الجنة والخلود والمتع والربح في الدنيا كذلك بالمغانم وامناصب والاستعباد والعدوان!
3. الانتخاب الطبيعي العكسي واصطفاء الأفسد
هنا تبرز الإجابة الحقيقية على التساؤل: عندما تتغير الظروف، المفترض أن يتغير البشر ويبقى فقط الأصلح بمفهوم الكفاءة والذكاء والإنتاج. لكن في البيئات المحكومة بالفكر الرهبري الثيوقراطي، يتم التلاعب بفلتر الطبيعة عبر الانتخاب العكسي:
• بيئة الخراب كشرط بقاء: الأنظمة الثيوقراطية تصنع عمداً بيئة غارقة في التجهيل، والتمريض، والفقر، والشحن الطائفي.
• فرز المسوخ وطفرات القاع: في هذه البيئة الآسنة المصنوعة، تصبح الصفات الإيجابية (كالنزاهة، والذكاء، والوطنية، والعلم) صفات ضارة تؤدي بصاحبها إلى الإقصاء أو القتل. وفي المقابل، تصبح الطفرات الأخلاقية والوراثية السيئة (كالانتهازية، والعمالة، وإدارة شبكات الرذيلة والابتزاز والمخدرات، والنفاق الديني) هي الصفات التكيفية الفائقة.
بالتالي، يتربع الرعاع والجهلة (الحفاة فكرياً وأخلاقياً) على سدة الحكم؛ لأنهم الكائنات الأكثر ملاءمة للعيش في مستنقع الخراب، والأنفع للمركز الإمبراطوري الفاشي في طهران الذي يستنزف ثروات الدول ومستقبل شعوبها عبر هذه البيادق المتكيفة مع الوهم.
4. طريق الخلاص من المنظور العلمي
من وجهة نظر بيولوجية وطبية، لا يمكن علاج العضو المصاب بالغرغرينا بمسكنات موضعية، بل بالبتر وإعادة تعقيم البيئة المحيطة. وتجاوز هذا المأزق التاريخي لا يتطلب صراعاً لاهوتياً عنيفاً يغذي المظلوميات، بل يتطلب تغييراً جذرياً لشروط البيئة الاجتماعية والثقافية لجعل الفكر الجامد ومسوخه عاجزين عن الحياة:
• العزل التام والصارم (العلمنة الشاملة): بتر خطوط الاتصال بين الفكر الديني الموجه وبين مفاصل الدولة، والمال، والسياسة، والجيش، والقضاء، وحصره في الفضاء الفردي الخاص.
• تجفيف الرطوبة المالية: السيطرة الحديدية على حركة الأموال ونافذة العملة والحدود، لأن قطع شريان المال يمنع الميليشيات من تجنيد الجياع ويصيب شبكاتها بالضمور البيولوجي.
• تلقيح العقول بالفكر النقدي والعلوم: إعادة صياغة المناهج التعليمية لتعتمد على العلوم الطبيعية، والفيزياء، والفلسفة، ومنطق المواطنة السيادية المعاصرة، وهي المضادات الحيوية الكفيلة بتحصين الأجيال الجديدة جينياً وثقافياً ضد كارتيلات الدجل والديماغوجية الدينية.
عندما تتغير البيئة لتصبح محكومة بالقانون، والعلم، والرفاه، وتكافؤ الفرص، ستصبح التبعية والجهل صفات قاتلة لصاحبها سياسياً واجتماعياً، وتندثر مسوخ الرهبرية تلقائياً، لتعود شعوب المنطقة إلى مسار الارتقاء التنموي والحضاري الطبيعي.