لماذا تعجز إفريقيا والعالم العربي عن صناعة السلام؟

زكريا نمر

في إفريقيا والعالم العربي، تبدو الحروب وكأنها جزء من المشهد السياسي. فكلما انتهت حرب في مكان، اشتعلت أخرى في مكان آخر. وبينما تتغير أسماء القادة والجيوش والشعارات، تبقى الأسباب نفسها صراع على السلطة، واحتكار للثروة، وغياب للعدالة، وضعف للمؤسسات، وتفشي للقبلية والطائفية، وتدخلات خارجية تستثمر في الانقسام أكثر مما تستثمر في السلام.

الحرب لا تبدأ بإطلاق النار، بل تبدأ عندما يفقد المواطن ثقته في الدولة، وعندما يشعر بأن القانون لا يحميه، وأن حقوقه تحددها قبيلته أو طائفته أو انتماؤه السياسي. عندها تتحول الدولة من بيت للجميع إلى ساحة صراع بين جماعات متنافسة.إن كثيرا من الدول الإفريقية والعربية ورثت حدودها السياسية من الحقبة الاستعمارية، لكنها لم تنجح دائما في بناء هوية وطنية تتجاوز الانتماءات الضيقة. ولذلك بقيت القبيلة والعشيرة والطائفة أقوى من مفهوم المواطنة. وعندما تضعف الدولة، يعود الناس إلى هوياتهم الأولية بحثا عن الحماية، فتتحول السياسة إلى منافسة بين الجماعات لا بين البرامج والرؤى.

ومن أكبر أخطاء النخب السياسية أنها تتعامل مع السلطة باعتبارها غنيمة، لا مسؤولية. فالانتخابات تتحول إلى معركة وجود، والمعارضة تعد عدوا، والاختلاف يفسر على أنه خيانة. وفي هذه البيئة يصبح العنف وسيلة مألوفة للوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به.ولا يمكن الحديث عن الحروب دون الحديث عن الفساد. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال العام، بل هو سرقة لفرص التنمية والتعليم والصحة والعدالة. وعندما يرى الشباب أن مستقبلهم قد صودر، وأن الوظائف تمنح بالمحسوبية، وأن الثروة محتكرة، يصبح الإحباط بيئة خصبة للعنف والتطرف. كما أن التعليم في كثير من بلداننا ما زال يركز على الحفظ أكثر من التفكير، وعلى التلقين أكثر من النقد. ولهذا يسهل تجنيد الشباب في صراعات لا يفهمون جذورها، ويصبحون أدوات في مشاريع سياسية لا تخدمهم. إن المجتمع الذي لا يعلم أبناءه كيف يفكرون، سيجد من يعلمهم كيف يكرهون.وتتحمل وسائل الإعلام جزءا من المسؤولية عندما تتحول إلى منابر للتحريض أو التبرير أو صناعة الأعداء. فالإعلام الذي يغذي الانقسام يهدم ما تبنيه المدارس والجامعات، ويجعل الحقيقة أول ضحايا الحرب.ولا يمكن تجاهل التدخلات الإقليمية والدولية. فكثير من الحروب في إفريقيا والعالم العربي لا تبقى شأنا داخليا، بل تتحول إلى ساحات تنافس بين قوى خارجية تبحث عن النفوذ أو الموارد أو المواقع الاستراتيجية. وفي مثل هذه الحالات يصبح المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر، بينما يحقق الآخرون مكاسب سياسية أو اقتصادية.لكن من الخطأ أيضا تعليق كل أسباب الفشل على الخارج. فالتدخل الخارجي يجد طريقه عندما تكون الدولة ضعيفة ومجتمعها منقسما. ولو كانت المؤسسات قوية، والقانون محترما، والمواطنة راسخة، لما استطاع أي طرف خارجي أن يحول الخلافات السياسية إلى حروب أهلية.

وفي جنوب السودان، تبدو هذه الإشكاليات أكثر وضوحا. فقد نال الشعب استقلاله بعد تضحيات جسيمة، لكن بناء الدولة واجه تحديات كبيرة. ولا يزال الصراع بين الولاءات القبلية ومتطلبات الدولة الحديثة أحد أبرز العوائق أمام الاستقرار. كما أن ضعف المؤسسات، وانتشار السلاح، وتراجع الخدمات، وتكرار الأزمات السياسية، كلها عوامل تجعل السلام هشا وقابلا للانهيار.وينطبق الأمر بدرجات مختلفة على دول عربية وإفريقية أخرى، حيث تتكرر الأزمات لأن أسبابها الجوهرية لم تعالج. فلا يكفي توقيع اتفاقيات سلام إذا بقيت جذور الصراع كما هي، ولا يكفي تشكيل حكومات جديدة إذا استمرت ثقافة الإقصاء واحتكار السلطة.

إن السلام ليس وثيقة توقع، بل ثقافة تبنى. يبدأ من المدرسة التي تعلم احترام الاختلاف، ومن القضاء الذي يطبق القانون على الجميع، ومن الإعلام الذي ينقل الحقيقة، ومن الاقتصاد الذي يخلق فرصا عادلة، ومن السياسة التي تقبل التداول السلمي للسلطة.إن الأمم لا تنهض بمجرد امتلاك الموارد الطبيعية، بل بامتلاك مؤسسات قوية وعقول حرة. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن الدول الفقيرة في الموارد استطاعت أن تحقق الاستقرار بفضل الحكم الرشيد، بينما غرقت دول غنية في الحروب بسبب سوء الإدارة والفساد.ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تتكرر الحروب؟ بل: لماذا نكرر نحن الأسباب التي تؤدي إليها؟ لماذا لا نتعلم من تجارب الآخرين؟ ولماذا يبقى الإصلاح مؤجلا حتى تقع الكارثة؟

إن مستقبل إفريقيا والعالم العربي لن يتغير بالشعارات ولا بالخطب الرنانة، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المواطنة والعدالة وسيادة القانون. فلا القبيلة قادرة على بناء دولة، ولا الطائفة قادرة على حماية وطن، ولا السلاح قادر على صناعة مستقبل.إن الحرب قد تمنح بعض الأطراف نصرا مؤقتا، لكنها لا تمنح الشعوب حياة كريمة. أما السلام القائم على العدالة، فهو وحده القادر على حماية الأوطان وصناعة المستقبل. ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب أي أمة هو أن تعتاد الحرب حتى تصبح أمرا طبيعيا، وأن تعتاد الفشل حتى تتوقف عن الحلم بالتغيير. فالأمم تموت يوم تفقد قدرتها على النقد، ويولد مستقبلها يوم تملك شجاعة الاعتراف بأخطائها والعمل على إصلاحها.إن بناء السلام ليس مسؤولية الحكومات وحدها، بل هو مشروع مجتمعي يبدأ من الأسرة، ويمر بالمدرسة والجامعة، ويصل إلى الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية والإعلامية. فحين يصبح الإنسان قيمة عليا، يصبح السلام ممكنا، وحين تصبح السلطة أغلى من الإنسان، تتكرر الحروب مهما تغيرت الشعارات والأعلام.