رياض سعد
قلّما تجد ظاهرة اجتماعية تستحوذ على وعي العراقيين كما يستحوذ الحسد. فهو حاضر في أحاديثهم اليومية، وفي تفسيرهم للأحداث، وفي أمثالهم الشعبية، وفي طقوسهم الاجتماعية، حتى يكاد يتحول في كثير من الأحيان إلى نظرية شاملة لتفسير الحياة. فإذا خسر التاجر قالوا: حُسد. وإذا رسب الطالب قالوا: أصابته عين. وإذا تعطلت السيارة، أو مرض الطفل، أو فشل الزواج، أو تعثر المشروع، أو وقع حادث، كان الحسد حاضرًا بوصفه التفسير الأول، وأحيانًا الوحيد.
هذه المكانة التي يحتلها الحسد في الوعي العراقي ليست مجرد اعتقاد ديني، بل هي ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية تستحق دراسة أكاديمية هادئة، بعيدًا عن السخرية أو التسليم المطلق.
لقد أصبح الحسد، عند شريحة واسعة من المجتمع، أشبه بـ”لعنة” تفسر كل ما يعجز الإنسان عن تفسيره. ومع تكرار هذا النمط من التفكير، يتراجع البحث عن الأسباب الواقعية؛ كالإدارة الخاطئة، أو ضعف التخطيط، أو الظروف الاقتصادية، أو الأمراض، أو الصدفة، ليحل محلها تفسير واحد جاهز: الحسد.
غير أن هذه الظاهرة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.
ففي المنظور الإسلامي، لا يعد الحسد مجرد خرافة شعبية؛ إذ يستند الإيمان به إلى نصوص دينية، منها قوله تعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾، وإلى الحديث النبوي: «العين حق». ولذلك يؤمن كثير من المسلمين بأن للحسد أثرًا قد يقع بإذن الله، مع التأكيد على أن الإنسان لا يملك قدرة مستقلة على إيقاع الضرر بمن يشاء، وأن كل شيء يبقى متعلقًا بمشيئة الله.
لكن هذا الإيمان الديني لا يعني أن كل مصيبة سببها الحسد، ولا أن كل من يزعم امتلاك “عين قاتلة” صادق في دعواه.
أما العلم الحديث، فيتعامل مع القضية بطريقة مختلفة تمامًا. فهو لا ينطلق من الإيمان أو الإنكار، وإنما يسأل سؤالًا واحدًا: هل توجد أدلة تجريبية قابلة للتكرار تثبت أن مجرد مشاعر الحسد تنتقل من شخص إلى آخر فتحدث ضررًا ماديًا مباشرًا؟
وحتى اليوم، لم تتمكن الدراسات العلمية من تقديم دليل تجريبي حاسم يثبت وجود مثل هذا التأثير.
ومع ذلك، لا ينكر علماء النفس أن الإيمان المفرط بالحسد قد ينتج آثارًا حقيقية جدًا. فالإنسان الذي يعتقد أنه محسود قد يعيش في خوف دائم، وقلق مزمن، وتوتر مستمر، فينعكس ذلك على صحته ونومه وإنتاجيته وعلاقاته الاجتماعية. وهكذا يصبح الاعتقاد بالحسد نفسه سببًا في صناعة المعاناة، حتى لو لم يكن الحسد هو السبب المباشر.
كما يلفت علماء النفس إلى ما يسمى بالتحيز التأكيدي؛ إذ يميل الإنسان إلى تذكر الحالات التي يبدو فيها أن الحسد سبق المصيبة، بينما ينسى آلاف الحالات التي لم يحدث فيها شيء، فينشأ لديه يقين قوي بوجود علاقة سببية، رغم أن الأدلة لا تكفي لإثباتها.
ومن جهة أخرى، قد يكون الضرر حقيقيًا، لكنه لا ينتج عن الحسد ذاته، بل عن سلوك الحاسد. فالحسد قد يدفع صاحبه إلى التشهير، أو التخريب، أو عرقلة الآخرين، أو بث الإشاعات، أو المنافسة غير الشريفة. هنا يكون الضرر واقعيًا، لكنه صادر عن أفعال الإنسان، لا عن مجرد مشاعره.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه هو أن الإيمان بالحسد ليس ظاهرة عراقية فقط، بل هو من أقدم المعتقدات الإنسانية. فقد عرفه سكان بلاد الرافدين، والمصريون القدماء، والإغريق، والرومان، واليهود، والمسيحيون، والمسلمون، وظهرت له تمائم ورموز وطقوس مختلفة عبر الحضارات.
وقد حاول الفلاسفة تفسير هذه الظاهرة بطرق متعددة. فذهب بعض فلاسفة اليونان، مثل بلوتارخ، إلى أن النفس قد تبعث تأثيرات عبر العين. وناقش ابن سينا إمكانية تأثير النفس في الأجسام ضمن إطار فلسفي، بينما أكد ابن القيم أثر العين من منظور ديني، معتبرًا أن الأرواح قد تؤثر في الأرواح والأبدان بإذن الله.
وفي العصر الحديث، عادت القضية للظهور ولكن بلغة مختلفة.
فمدارس الروحانية المعاصرة (New Age) لم تعد تتحدث عن “العين” بقدر ما تتحدث عن الطاقة والهالة والذبذبات. وتذهب هذه المدارس إلى أن لكل إنسان مجالًا طاقيًا يحيط بجسده، وأن الأفكار والمشاعر ليست مجرد حالات نفسية، بل ترددات يمكن أن تؤثر في الآخرين.
وبحسب هذه الرؤية، فإن الحسد ليس إلا طاقة سلبية تنبعث من الحاسد، فإذا صادفت شخصًا ضعيف “المجال الطاقي”، فإنها قد تؤثر في صحته أو حياته أو حظه.
كما تتبنى بعض مدارس العلاج بالطاقة، والريكي، ونظرية الرنين الطاقي، وقانون الجذب، أفكارًا متقاربة، وإن اختلفت في التفاصيل.
غير أن هذه التفسيرات، رغم انتشارها الواسع، لا تحظى باعتراف العلم التجريبي، لأنها لم تقدم حتى الآن أدلة قابلة للاختبار والتكرار تثبت وجود تلك الحقول الطاقية أو انتقالها بين الأشخاص بالصورة التي تصفها.
ومن هنا، يقف الإنسان المعاصر أمام ثلاثة تفسيرات مختلفة لظاهرة واحدة:
تفسير ديني يربط الحسد بالنصوص الشرعية والغيب.
وتفسير علمي يبحث عن الأدلة التجريبية ويرفض الجزم بما لم يثبت.
وتفسير روحاني معاصر يستبدل مفاهيم “العين” القديمة بمفاهيم “الطاقة” و”الذبذبات” و”الهالة”.
ولعل الخطأ الأكبر الذي يقع فيه كثير من الناس في المجتمع العراقي هو تحويل الحسد إلى شماعة تعلق عليها جميع الإخفاقات. فالأمم لا تنهض إذا فسرت الفشل بالحسد، ولا تتطور إذا استبدلت التفكير العلمي بالتفسيرات الجاهزة، كما أنها لا تستفيد من إيمانها الديني إذا تحول إلى ذريعة لترك الأسباب والعمل.
إن التوازن هو الطريق الأجدر بالاتباع؛ فمن حق المؤمن أن يتمسك بما يعتقده من نصوص دينية، وأن يحافظ على الأذكار والتوكل على الله، لكن من واجبه أيضًا أن يفتش عن الأسباب الواقعية، وأن يراجع أخطاءه، وأن يفرق بين ما هو غيب يؤمن به، وما هو واقع يحتاج إلى دراسة وعمل وإصلاح.
فالحسد قد يبقى قضية مفتوحة بين الدين والفلسفة والروحانية والعلم، لكن المؤكد أن المجتمعات التي تجعل الحسد تفسيرًا لكل شيء، تخاطر بأن تغفل الأسباب الحقيقية لمشكلاتها، فتدور في حلقة من الخوف، بدل أن تتقدم بخطى ثابتة نحو المعرفة والإصلاح.