التعليم الذي يصنع مواطنا لا تابعا.

زكريا نمر

ليس التعليم في كثير من دولنا مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل هو جهاز مركزي في هندسة الإنسان ذاته. وما يبدو في الخطاب الرسمي بوصفه تطويرا للتعليم هو في كثير من الحالات إعادة ضبط دقيقة لوظيفته الأساسية: إنتاج فرد يمكن التنبؤ بسلوكه، ضبطه، توجيهه، وقياسه، لا إنتاج فرد قادر على مساءلة النظام الذي يعيش داخله.الأزمة ليست تقنية كما يشاع عادة، بل فلسفية في جوهرها. فهي لا تتعلق بضعف المناهج أو نقص التمويل أو ازدحام الفصول فقط، بل تتعلق بالسؤال الأكثر حساسية: ما نوع الإنسان الذي يُراد للتعليم أن يصنعه؟ هل هو مواطن فاعل، أم تابع مدجن داخل منظومة جاهزة لا يملك حق مساءلتها؟

يصبح التعليم امتدادا مباشرا لبنية الدولة والمجتمع. الدولة المركزية تنتج تعليما مركزيا، والدولة الخائفة من النقد تنتج تعليما يخاف السؤال، والدولة التي تدير المجتمع بمنطق الطاعة تعيد إنتاج الطاعة داخل الصف. وهكذا تتحول المدرسة من فضاء محتمل للتحرر إلى جهاز مبكر لإعادة إنتاج الامتثال. الطالب في هذا الواقع لا يدخل المدرسة ليكتشف العالم، بل ليتعلم كيف يطلب منه أن يراه. والمعرفة لا تقدم كعملية إنتاج، بل كمادة جاهزة يجب حفظها واسترجاعها. والخطأ لا يعامل كجزء من التعلم، بل كفشل ينبغي معاقبته. ومع الزمن يتشكل وعي لا يرى في السؤال قيمة، بل تهديدا. هذه البنية تنتج مواطنا يعرف القواعد لكنه لا يعرف كيف تنتج، يحفظ الإجابات لكنه لا يعرف كيف تطرح الأسئلة، ينجح داخل النظام لكنه عاجز عن مساءلته. إنه ليس جاهلا بالمعرفة، بل مدجنا بها. أن هذا التشكيل لا يتم بالقمع فقط، بل بالإجماع الاجتماعي حوله. الأسرة تريد النجاح، المدرسة تريد الانضباط، الدولة تريد الاستقرار، والنتيجة منظومة كاملة تعيد إنتاج الطاعة العقلية باعتبارها فضيلة. لكن هذا النموذج لا ينتج استقرارا حقيقيا، بل هشاشة معرفية. لأنه يفصل المعرفة عن الواقع، ويجعل النجاح مرهونا بمطابقة النموذج لا بفهم العالم. وهكذا تتحول الشهادة إلى غاية، لا وسيلة، والمعرفة إلى رأس مال إداري لا أداة فهم. يرتبط هذا النموذج بالاقتصاد السياسي. فالأنظمة التي لا تعتمد على اقتصاد معرفي أو إنتاج ابتكاري لا تحتاج إلى مواطن ناقد بقدر ما تحتاج إلى قوة عمل منضبطة. لذلك يتم تفضيل المهارات التنفيذية على المهارات التحليلية، والحفظ على التفكير، والتكرار على الابتكار.

في هذه البنية، يصبح التعليم جزءا من اقتصاد الامتثال: نظام ينتج أفرادا قابلين للتوظيف داخل هياكل قائمة، لا أفرادا قادرين على تغيير تلك الهياكل.المعلم نفسه يعيش داخل هذا التناقض. فهو من جهة حامل للمعرفة، ومن جهة أخرى موظف داخل جهاز إداري يحدد له ما يجب قوله وكيف يقوله. يقاس أداؤه بمدى الالتزام بالمنهج، لا بقدرته على خلق أسئلة أو فتح أفق نقدي. ومع ذلك، يبقى المعلم أحد أهم مفاتيح التحول الممكن، لأن أي لحظة تعليمية حرة داخل هذا القيد يمكن أن تنتج أثرا يتجاوز الصف. الطالب بدوره يتعلم مبكرا أن السلامة في التكرار، وأن الخطر في السؤال، وأن الاختلاف ليس اختلافا معرفيا بل انحراف. ومع الوقت يتشكل ما يمكن تسميته بالمثقف الوظيفي: شخص يمتلك معرفة واسعة، لكنه غير قادر على استخدامها نقديا في فهم واقعه.

إعادة تعريف التعليم إذن ليست مسألة تحسين إداري، بل إعادة بناء فلسفة كاملة. أي أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الأدوات، بل من المفاهيم: ما هي المعرفة؟ من يملك إنتاجها؟ وما هدفها النهائي؟ لكن الانتقال من هذا التشخيص إلى الفعل يتطلب إدخال حلول بنيوية حقيقية، لا شعارات إصلاحية سطحية.أول هذه الحلول هو التحول من التعليم القائم على الحفظ إلى التعليم القائم على إنتاج الفهم. وهذا لا يتحقق بمجرد تغيير الامتحانات، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الطالب والمعرفة نفسها. يجب أن يصبح السؤال المركزي في الصف ليس ماذا تتذكر؟ بل كيف تفهم؟ ولماذا ترى هذه الفكرة بهذه الطريقة؟ وما البدائل الممكنة لها؟ هذا التحول وحده كفيل بإعادة تشكيل العقل التعليمي من عقل تكراري إلى عقل تحليلي. إعادة تعريف دور المعلم باعتباره صانع بيئة معرفية لا ناقل محتوى. المعلم يجب أن يتحول من سلطة إجابة إلى محفز سؤال. وهذا يتطلب تقليص المركزية الصارمة في المناهج، ومنح مساحة حقيقية للمعلم ليختار الأمثلة، ويعيد ترتيب المحتوى، ويثير النقاش حتى لو خرج عن الإطار الضيق للإجابة النموذجية. المعلم في هذا النموذج ليس موظفا تنفيذيا بل فاعلا ثقافيا داخل الصف. لا بد من كسر مركزية المنهج الموحد المغلق. فالتعليم الذي يدار من مركز واحد ينتج عقلا واحدا، بينما المجتمعات المعقدة تحتاج إلى تنوع معرفي يعكس تعدد البيئات والثقافات المحلية. هذا لا يعني الفوضى، بل يعني الانتقال من وحدة قسرية إلى إطار مرن يسمح بالاختلاف داخل وحدة عامة. إدخال التربية النقدية بشكل إلزامي وليس تجميليا. أي تعليم الطالب كيف يقرأ الإعلام، كيف يفكك الخطاب السياسي، كيف يميز بين المعلومة والدعاية، وكيف يتعامل مع السلطة بوصفها موضوعا قابلا للفهم لا قدرا خارج النقاش. هذا النوع من التعليم هو ما يصنع مواطنا لا يمكن استغفاله بسهولة. ربط المعرفة بالمجتمع عبر مشاريع تطبيقية حقيقية. المدرسة يجب أن تخرج من حدود الصف إلى الحي، إلى البيئة، إلى الاقتصاد المحلي، بحيث يصبح الطالب جزءا من حل مشكلة واقعية، لا مجرد متلق نظري. هذا يخلق علاقة عضوية بين المعرفة والحياة، ويكسر عزلة التعليم. إعادة بناء نظام التقييم بالكامل. الامتحان التقليدي الذي يقيس الحفظ يجب أن يستبدل تدريجيا بتقييم قائم على المشاريع، العروض، النقاشات، والقدرة على بناء حجج. التقييم هنا لا يقيس النتيجة الصحيحة، بل يقيس طريقة التفكير. تقليص التدخل المركزي للدولة في التفاصيل الدقيقة للتعليم، مع الحفاظ على إطار عام يضمن العدالة. فالدولة يجب أن تتحول من منتج مباشر للمحتوى إلى منظم للفضاء التعليمي، يضمن المعايير ولا يفرض الشكل الواحد.لكن هذه الحلول رغم أهميتها التقنية لن تنجح إذا لم تدعم بتحول ثقافي أعمق. فالمشكلة ليست في المدرسة وحدها، بل في المجتمع الذي يكافئ الطاعة ويخاف السؤال. الأسرة التي تعتبر النجاح هو الحفظ، وسوق العمل الذي يكافئ الشهادة لا التفكير، والسياسة التي تخشى النقد، كلها تشارك في إعادة إنتاج نفس النموذج.لذلك فإن إصلاح التعليم ليس مشروعا وزاريا، بل مشروعا مجتمعيا كاملا يعيد تعريف قيمة السؤال ذاته. فالمجتمع الذي لا يحترم السؤال، لا يمكن أن ينتج مواطنا فاعلا.

التعليم ليس مؤسسة محايدة، بل هو أحد أهم ميادين الصراع على الوعي. وكل مجتمع يحدد عبر مدرسته نوع الإنسان الذي يريد إنتاجه: إنسان قابل للتوجيه، أم إنسان قادر على التوجيه الذاتي.وفي هذا الاختيار لا يصنع فقط مستقبل التعليم، بل يصنع مستقبل الدولة نفسها، لأن الدولة التي تنتج تابعا في المدرسة، ستجده تابعا في السوق والسياسة والإدارة، بينما الدولة التي تنتج مواطنا في الصف، ستجد أمامها مجتمعا قادرا على التفكير، وعلى الاعتراض، وعلى البناء.