عمر العبيدي
حين نتحدث عن اللهجة العراقية يذهب التفكير مباشرة الى انها فرع من العربية نشا بعد الفتح الاسلامي وان العراقيين بدؤوا يتحدثون بها عندما استقرت القبائل العربية في العراق لكن هذا التفسير لا يروي القصة كاملة لانه يركز على اللغة العربية ويغفل الارض التي استقبلتها وما كانت تحمله من لغات وثقافات سبقتها بآلاف السنين.
السؤال الحقيقي ليس متى دخلت اللهجة العراقية الى العراق بل هل دخلت اصلا.
الاجابة التي تقدمها الدراسات اللغوية الحديثة تشير الى ان اللهجة العراقية لم تدخل الى العراق وانما ولدت فيه نتيجة امتزاج طويل بين العربية واللغات التي كانت تتكلمها بلاد الرافدين منذ عصور الحضارات الاولى.
قبل وصول العرب كان العراق يتحدث بلغات متعددة ففي الجنوب كانت السومرية قد تركت ارثا لغويا واسعا ثم جاءت الاكدية بلهجتيها البابلية والاشورية وبعدها انتشرت الارامية حتى اصبحت لغة الحياة اليومية في اغلب مدن العراق خلال القرون السابقة للاسلام.
وعندما دخلت العربية بعد الفتح الاسلامي لم تجد ارضا خالية من اللغات بل وجدت مجتمعا يمتلك ذاكرة لغوية عميقة لذلك لم تستطع العربية ان تلغي كل ما سبقها كما ان اللغات القديمة لم تستطع مقاومة العربية باعتبارها لغة الدين والادارة والعلم فحدث ما يعرف عند علماء اللغة بالامتزاج اللغوي.
ومن هنا ولدت اللهجة العراقية
هذا الامتزاج لم يكن مجرد انتقال كلمات من لغة الى اخرى بل كان اعمق من ذلك فقد انتقلت طرق النطق واساليب التعبير وبعض التراكيب وحتى طريقة التفكير في صياغة الجملة ولهذا تبدو اللهجة العراقية مختلفة عن بقية اللهجات العربية رغم اشتراكها معها في الاصل العربي.
ولو كانت اللهجة العراقية مجرد لهجة عربية خالصة لما بقيت كلمات مثل ماكو واكو وهسه وتنبل وشكارة وابار وجمار وانجانة وحب وتالة وغيرها من المفردات التي يرى عدد من الباحثين ان جذورها تعود الى اللغات الرافدينية القديمة او الارامية.
لكن الاهم من بقاء الكلمات هو بقاء البيئة التي حافظت عليها فاللغة لا تحفظ نفسها بنفسها وانما يحفظها الناس عندما تبقى المهنة والارض والعادة الاجتماعية حية عبر الزمن ولذلك بقيت كلمات الزراعة والنخيل والري وصناعة الفخار والاسماك اكثر من غيرها لان العراقي ظل يمارس الحياة نفسها التي مارسها اجداده مع اختلاف العصور.
ومن هنا يمكن تقديم قراءة مختلفة لم تطرح كثيرا وهي ان العراقي لم يكن يستعير هذه الكلمات من الماضي في كل جيل بل كان يورثها بصورة طبيعية كما يورث اسم العائلة او اسم القرية ولهذا لا يشعر المتحدث باللهجة العراقية ان كلمة مثل ماكو او هسه غريبة عنه رغم ان جذورها اقدم من اللغة العربية في العراق.
ومن الملاحظ ايضا ان المفردات القديمة لم تبق على صورتها الاولى دائما فقد تغيرت اصواتها ومعانيها مع مرور الزمن وبعضها اكتسب دلالات جديدة تتناسب مع الحياة الحديثة وهذا دليل على ان اللغة كائن حي يتغير باستمرار ولا يعيش في المتاحف.
كما ان اختلاف لهجات بغداد والموصل والبصرة والنجف والانبار والعمارة لا يعني وجود لغات مختلفة بل يعكس اختلاف البيئات التي احتفظت بدرجات متفاوتة من التراث اللغوي القديم فكل منطقة ورثت جزءا من هذا التاريخ واضافت اليه ما يناسب حياتها.
وربما يكون الخطأ الاكثر شيوعا هو الاعتقاد بان اللهجة العامية لغة ضعيفة او مشوهة بينما تكشف الدراسات اللغوية ان اللهجات تمثل سجلا حيا لتاريخ الشعوب وان كثيرا من الكلمات التي فقدتها اللغة الفصحى بقيت محفوظة في اللهجات ومنها اللهجة العراقية.
ولا يعني هذا ان اللهجة بديل عن العربية الفصحى فالفصحى هي لغة القران والادب والعلم وهي التي وحدت العرب عبر القرون لكن اللهجة العراقية تمثل الذاكرة اليومية للعراقيين وتحمل في داخلها طبقات من التاريخ لا تزال تنطق على الالسنة من دون ان ينتبه الناس الى عمرها الحقيقي.
ولعل اهم ما تكشفه هذه القراءة هو ان العراق لم يستقبل لغة جديدة فحسب بل اعاد تشكيلها بما يتوافق مع شخصيته الحضارية فالعربية عندما وصلت الى بلاد الرافدين لم تخرج منها كما دخلت بل خرجت وهي تحمل نكهة عراقية خاصة صنعتها الارض والانسان والتاريخ.
ولهذا يمكن القول ان اللهجة العراقية ليست بقايا لغات قديمة وليست عربية خالصة بل هي نتيجة لقاء حضاري استمر قرونا طويلة وما زال مستمرا حتى اليوم وكل كلمة ينطقها العراقي قد تحمل خلفها رحلة تمتد من الرقم الطينية في سومر وبابل الى شوارع بغداد والموصل والبصرة في العصر الحديث.
واليوم عندما يقول العراقي ماكو او هسه او شكو او ينادي ابنه او جاره بعبارات توارثها عن ابائه فهو لا يستخدم كلمات عامية فحسب بل يعيد من حيث لا يشعر احياء جزء من تاريخ العراق اللغوي وهذا ما يجعل اللهجة العراقية ليست وسيلة للكلام فقط بل واحدة من اهم الشواهد الحية على استمرارية الحضارة العراقية عبر الاف السنين.
المصادر
من تراثنا اللغوي القديم للمؤرخ وعالم الاثار طه باقر.