بين الإعجاب والتجاهل… ماذا يكشف عدم تفاعل الأصدقاء مع منشوراتك في مواقع التواصل الاجتماعي؟

دراسةٌ في الأبعادِ النفسيةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ والدينيةِ لظاهرةِ عدم التفاعل مع منشورات الأصدقاء والمعارف والاقارب والزملاء , وتجاهل وجودهم في العالم الافتراضي واللامبالاةِ الرقمية .

رياض سعد

مقدمة: في تفكيك الواقع الرقمي

من الواضح أننا ننتمي إلى مجتمع قائم على المحاباة والمجاملات، فضلًا عن أن الأواصر القومية، والطائفية، والمناطقية، والعشائرية، والحزبية، والفئوية قد تلعب دورها الأكبر في اتخاذ المواقف وتوجيه السلوكيات تجاه هذا أو ذاك… ؛  غير أننا هنا لا نناقش آليات التواصل والتفاعل الاجتماعي على أرض الواقع المشهود، بل نسلط الضوء على ما يحدث خلف الشاشات؛ في عوالم التواصل الاجتماعي («السوشيال ميديا»).

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، ولم تعد مجرد وسيلة لتبادل الأخبار والصور، بل تحولت إلى فضاء يكشف أنماط التفكير، ودوائر الاهتمام، وطبيعة العلاقات الإنسانية، بل وحتى الصراعات النفسية التي قد لا تظهر في الواقع الخارجي.

وهنا يبرز تساؤل فلسفي وجودي: هل تُعدّ هذه الفضاءات عالمًا وهميًا زائفًا كما يدعي البعض، أم أنها هي «العالم الحقيقي» البديل الذي يعرّي الإنسان ويكشف عن سوأته النفسية ومخبوءات سريرته؟

في الواقع الخارجي، نجد الكثير منا يترفع عن إقامة علاقات مع من هم أصغر أو أكبر منه سنًا لاعتبارات اجتماعية، بينما نجد صفحته الافتراضية تعج بالأصدقاء من هاتين الفئتين… ؛  وبالمثل، قد نشاهد فلانًا في الواقع وهو يرتدي مسوح العفة والوقار ويُمثّل دور الحصور الزاهد، بينما نراه في دهاليز الشبكة العنكبوتية يلهث خلف المواقع الإباحية.

إن ما يحجبه الواقع قد يفجره الفضاء الافتراضي… ؛  وهنا يحق لنا أن نتساءل: أيهما يُمثّل حقيقة شخصية «زيد»؟

هل هو سلوكه المحافظ في العالم الواقعي، أم نشاطه المنفلت وسلوكه في العالم الافتراضي حين يخلو بنفسه ويدخل باسم مستعار وصفحة وهمية ليمارس تفضيلاته الحقيقية ويتفاعل مع ما يقتنع به خلف جدار الخوف من البوح أمام الملأ؟

أم أن حقيقته تتشكل من انصهار هذين العالمين معًا؟

*السفرُ والخلوة: ميزانُ الأخلاقِ ومكاشفةُ الذات

يرى كثير من علماء النفس أن الإنسان عندما يبتعد عن رقابة المجتمع، أو يسافر، أو يشعر بقدر أكبر من الحرية، يكون أقرب إلى التعبير عن ميوله الحقيقية وقناعاته الداخلية… ؛  ولهذا جاء في الحكمة العربية: “السفر ميزان الأخلاق”، لأن الإنسان في السفر، كما في العزلة، يتحرر نسبيًا من ضغوط البيئة الاجتماعية، فتظهر جوانب من شخصيته قد لا تبدو في حياته اليومية.

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الإنسانَ عندما يخلو بنفسِه، أو عندما يسافرُ بعيدًا عن أعيُنِ الرقباء، سيمارسُ ما يحبُّه ويميلُ إليه ويقتنعُ به، متحرِّرًا من القيودِ الاجتماعيةِ والدينيةِ وضغوطِ البيئة. ولهذا قيل : “إنَّما يُعرفُ المرءُ إذا صاحبتَه في السفر”… ؛ فالخلوةُ تكشفُ المعدنَ الحقيقيَّ للإنسان، بعيدًا عن أقنعةِ المجتمعِ وإكراهاتِه.

نعم ,  أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مرآة تعكس جوانب خفية من الشخصيات، وتكشف عن تناقضات قد لا تظهر في التفاعل المباشر… ؛ ولعل من أكثر الظواهر التي تستوقف مستخدمي هذه المنصات أن يرى الإنسان صديقًا يسرف في التفاعل مع منشورات الآخرين، ويوزع (لايكات)  والتعليقات بسخاء، لكنه يقف أمام منشورات صديقه موقف اللامبالاة، وكأنها لم تمر أمامه قط… ؛  يتفاعلون بحماس مع منشورات الغير، بينما يتجاهلون منشورات أصدقائهم المقربين، وكأنما يمارسون نوعاً من “الحظر العاطفي” الجزئي… ؛ و هذه الظاهرة التي تثير الحيرة والألم لدى الكثيرين، تستدعي وقفة تحليلية عميقة تكشف خلفياتها النفسية والاجتماعية والثقافية، بل والدينية أيضاً.

فما الذي يكمن خلف هذا السلوك؟ وهل هو مجرد صدفة أم أنه يحمل دلالات نفسية واجتماعية أعمق؟

ففي اللحظةِ التي تضغطُ فيها زرَّ النشر، ثمةَ أملٌ خفيٌّ يرفرفُ في صدرِك، تنتظرُ أنْ تومضَ شاشةُ هاتفِك بإشعارٍ من صديق، أنْ ترى اسمَه بين المتفاعلين، أنْ تشعرَ أنَّ صوتَك قد وصلَ إلى أذنٍ قريبة… ؛  لكنْ لا شيءَ يحدث.. ,  يمرُّ المنشورُ كغيمةِ صيفٍ عابرة، لا ماءَ فيها ولا مطر.. ,  وهنا يبدأُ السؤالُ المؤلم: لماذا يتجاهلُني مَنْ كنتُ أحسبُه قريبًا؟

إنَّ هذه الظاهرةَ التي قد تبدو بسيطةً في ظاهرِها، تنطوي في باطنِها على تعقيداتٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ وثقافيةٍ ودينية، تستحقُّ أنْ نقفَ عندَها وقفةَ متأملٍ فاحص، لا وقفةَ متذمِّرٍ شاكٍ… ؛  فما يحدثُ في العالمِ الافتراضي ليسَ مجردَ نقراتٍ عابرةٍ على شاشة، بل هو انعكاسٌ لأعماقِ النفسِ البشريةِ وتعقيداتِها.

الفصل الاول :  مفارقة الانقلاب الرقمي .. المجاملة في الواقع والتجاهل في العالم الافتراضي

تتجلى هذه المفارقة السلوكية عندما تلاحظ أن صديقك «زيدًا» يهش ويبش في وجهك إذا صادفك في الشارع، ويغدق عليك بعبارات المجاملة والود في المناسبات الاجتماعية، ولكنه ينقلب *وبقدرة قادر* في العالم الافتراضي إلى كائن غريب؛ فإذا رأى صورتك الشخصية شحّ بـ «إعجابه»، وإن شاهد لك منشورًا دينيًا، أو ثقافيًا، أو سياسيًا، أو علميًا، مَرّ عليه مرور الكرام كأنه لم يره، بل وإن رآك تتحدث في منصة إعلامية أو قناة فضائية، سارع إلى إغلاق الشاشة أو تجنبها بنوع من الاستعلاء الخفي…؛ هنا نقفُ مشدوهين أمامَ هذا التناقضِ الصارخ .

*استثناءاتٌ موضوعية: حينَ يكونُ الصمتُ مفهومًا

وبالطبع، ثمة أسباب موضوعية معقولة ومنطقية لتفسير غياب التفاعل في حالات استثنائية خارجة عن سياق مقالتنا؛ فقد لا يهتم صديقك بالشؤون الدينية أصلًا لكونه ملحدًا أو لادينيًا، فمن الطبيعي ألا يكترث بمنشوراتك العقائدية… ؛  وقد يكون صديقك رجلًا بسيطًا لا يعرف من الدنيا سوى الزراعة وتربية الحيوانات، فمن المنطقي هنا ألا يعلق على أطروحاتك الفلسفية والمنطقية… ؛  وكذلك قد يكون صديقك محبًا للأدب لكن مستواه العلمي والتعليمي متواضع، فلا يتفاعل مع منشورك المتخصص في الرياضيات والهندسة.

نحن لا نتحدث عن هذه الأنماط المبررة، بل نتحدث عن تلك الحالة السيكولوجية العجيبة: صديقك «زيد» الذي نرى أن شغله الشاغل هو التفاعل والتعليق على البوستات الدينية، ومع ذلك يتجاهل منشورك الديني حتى لو كان نسخة من خطب «نهج البلاغة» بأوج بلاغتها! نتحدث عن صديقك الذي يشجع الشعر الشعبي والشعراء، ويعلق لكل من هب ودب بمناسبة وبغير مناسبة، ومع ذلك يتجاهل قصائدك حتى لو كانت ترقى لمستوى روائع «مظفر النواب»!

نحن نتحدث عن الصديق الذي يوزع «اللايكات» والتعليقات على القاصي والداني دون حساب، ولكنه عندما يصل إلى عتبة صفحتك يبخل عليك بـ «اللايك» بخلًا يفوق شحه بماله.

إن هذا التناقض يطرح إشكالية أخلاقية ونفسية عميقة...

الفصل الثاني : الأسباب النفسية والاجتماعية والثقافية لعدم التفاعل: قراءة متعمقة

هذه الظاهرة قد تكون وراءها عدة أسباب متداخلة ومحورية ومنها :

* أولًا: حجاب المعاصرة وعقدة الندّية (بعد نفسي واجتماعي):

   إنه لا يراك شيئًا يستحق الإشادة حتى لو شهدت لك الثقلان (الإنس والجن)… ؛ و هذا الأمر يسميه البعض «حجاب المعاصرة»؛ فلأنه عاصرك وعاشرك في زمان ومكان ما—كأن يكون زميل دراسة، أو رفيق عمل، أو جارًا، أو قريبًا—يرى في تفوقك وموهبتك تهديدًا لمركزيتة النفسية… ؛ فأنت وإياه لستما صديقينِ ولا رفيقين، بل فرسا رهان في حلبة الحياة، يرى في نجاحك مرآة لقصوره… ؛  ولذا قيل في الأثر: *« ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته»* (لأن آياته تشتهر في غير موطنه)، وجاء في الأمثال الشعبية العراقية الدارجة ما يؤكد هذه النرجسية: «لا تسولف بديوان وابن عمك حاضر بيه»… ؛ إنَّها غيرةٌ مضمرةٌ تتخفَّى وراءَ قناعِ اللامبالاة وعدم الاهتمام والتفاعل .

* ثانيًا: الكراهية المبطنة واللاوعي المشحون (بعد نفسي):

   قد يكون السبب الحقيقي هو البغض والشنآن الكامن في الصدر؛ فلا تغرنك مجاملاته اللفظية في الواقع، ففي الفضاء الافتراضي تطفو المشاعر الحقيقية على السطح وتتحرر من النفاق الاجتماعي… ؛  قد يدعي في وعيه أنه يحبك، لكن ثمة رغبة دفينة في أعماق لاوعيه تكرهك؛ لأنك ببساطة قد تذكره بإخفاق شخصي لديه، أو تمثل له نموذجًا يثير غيرته الدفينة... ,أو قد تذكره بأمر سلبي ما، أو لأنك تمثل له نموذجاً يفوقه في مجال ما، مما يثير فيه مشاعر النقص والغضب والكراهية ... ؛ أو لأنَّ وجودَك يخدشُ صورتَه عن ذاتِه… , إنَّها ديناميةٌ نفسيةٌ معقَّدةٌ تدفعُه إلى تجاهلِك في الفضاءِ الرقميِّ مع إظهارِ الودِّ في الواقع... .

* ثالثًا: المعاملة بالمثل ورد الاعتبار الرقمي (بعد اجتماعي وسلوكي):

 قد يكون الدافع هو تطبيق قانون «الندية»؛ فربما كان يعلق لك ويتفاعل مع منشوراتك سابقًا دون أن يجد منك التفاتًا أو تفاعلًا مماثلًا، فحسب ذلك منك كبرًا وغرورًا و ترفعًا عنه، مما دفعه إلى كف يده عنك؛ فالإنسان بطبعه يطلب المعاملة بالمثل والتقدير المتبادل، ليس في الواقع الخارجي فحسب بل في المنصات الافتراضية أيضًا… ؛ وهنا نلحظ بعداً اجتماعياً يرتبط بمفهوم التبادل الرمزي في العلاقات.

 * رابعًا: الاستقطاب والاختلاف في الانتماءات الضيقة (بعد ايدلوجي و ثقافي وديني وحزبي):

 قد ينبع امتناعه عن التفاعل من كونك تختلف عنه في التوجهات الكبرى، سواء أكانت دينية، أم مذهبية، أم حزبية، أم فكرية… ؛  في العقل الجمعي لـ «القبائل الرقمية»، يُعتبر «اللايك» بمثابة صك تأييد واعتراف، وهو لا يريد أن يمنح هذا التأييد لمن يراه خارج سربه الأيديولوجي، تماشيًا مع المنظور الثقافي الضيق الذي يدعو لنصرة الجماعة فقط... ؛ فالانتماءات الجماعية تشكل عدسات ينظر من خلالها الفرد إلى الآخر، وتحدد درجة قبوله أو رفضه، حتى في أبسط أفعال التفاعل الرقمي...

 * خامسًا: اللامبالاة المطلقة أو استراتيجية «الرصد الصامت» (بعد سلوكي وعام):

 أخيرًا، قد يعود السبب إلى طبيعة شخصيته الجافة التي لا تبالي بمشاعر الآخرين لا في الواقع ولا في العالم الافتراضي، أو أنه لا يعير مواقع التواصل الاجتماعي قيمة حقيقية للتواصل الوجداني؛ فالكثير من المستخدمين يدخلون هذه الشبكات فقط لأغراض الرصد، والاستطلاع، والتجسس الصامت (المراقبة السلبية) دون ترك أي أثر رقمي خلفهم... ؛ فكثيرون يدخلونَ فقط للرصدِ والاستطلاع، متفرِّجينَ لا فاعلين، مراقبينَ لا مشاركين.

انهم يدخلون إليها بدافع الاطلاع أو متابعة الأخبار فقط، دون أن يكون التفاعل جزءًا من سلوكهم المعتاد… ؛ وهؤلاء غالبًا لا يتفاعلون مع أحد، وليس مع شخص بعينه , كما اسلفنا .

الفصل الثالث : أبعادٌ أعمق – قراءةٌ نفسيةٌ واجتماعيةٌ وثقافيةٌ ودينية .

*البعدُ النفسي: الأنا المجروحةُ وآلياتُ الدفاع

في التحليلِ النفسيِّ العميق، ثمةَ آلياتُ دفاعٍ لا واعيةٌ تلعبُ دورًا في هذه الظاهرة… ؛ فحينَ يتجاهلُ الصديقُ منشوراتِ صديقِه، قد يكونُ ذلك تعبيرًا عن “حسدٍ لا واعٍ” أو “منافسةٍ مكبوتة” أو “شعورٍ بالنقص”… ؛  وقد وجدَ علماءُ النفسِ أنَّ وسائلَ التواصلِ الاجتماعيِّ تفاقمُ ما يُسمَّى بـ”المقارنةِ الاجتماعية”، حيثُ يقارنُ الأفرادُ حياتَهم الواقعيةَ بالصورِ المثاليةِ التي يعرضُها الآخرون، مما يولِّدُ مشاعرَ سلبيةً تتراوحُ بينَ الحسدِ والضيقِ والغضب… ؛

والتجاهلُ هنا قد يكونُ دفاعًا ضدَّ هذه المشاعرِ المؤلمة: أنا لا أرى نجاحَك، إذنْ هو غيرُ موجود.

*البعدُ الاجتماعي: اقتصادُ الاهتمامِ في عصرِ الوفرةِ الرقمية

في المجتمعِ التقليديِّ، كانَ الاهتمامُ موردًا نادرًا يُوزَّعُ بحكمة… ,  أمَّا في عصرِ التواصلِ الاجتماعيِّ، فقد أصبحَ الاهتمامُ سلعةً وفيرةً لكنَّها متنافَسٌ عليها بشدَّة… ؛  وثمةَ “اقتصادٌ للانتباه” تحكمُه قوانينُ العرضِ والطلب، حيثُ يصبحُ الإعجابُ والتعليقُ عملةً رمزيةً تُمنَحُ بوعيٍ أو بغيرِ وعي… ؛  وقد يختارُ البعضُ عدمَ التفاعلِ مع المقرَّبين لأنَّهم واثقونَ من أنَّ العلاقةَ لن تتضرَّر، بينما يمنحونَ الاهتمامَ للغرباءِ أو للمعجبينَ أو لأصحابِ النفوذِ سعيًا وراءَ منفعةٍ اجتماعية.

*البعدُ الثقافي: ثقافةُ التنافسِ لا التقدير

ننتمي – في كثيرٍ من مجتمعاتِنا – إلى ثقافةٍ تقدِّسُ المنافسةَ أكثرَ مما تقدِّسُ التقدير… ؛ فأنْ تعترفَ بنجاحِ غيرِك هو – في اللاوعي الجمعي – اعترافٌ ضمنيٌّ بفشلِك… ؛ هكذا تعلَّمنا، وهكذا ربَّتنا البيئةُ التي لا ترى في الآخرِ إلَّا مرآةً تعكسُ صورتَنا نحن، لا شمسًا تشعُّ بذاتِها… ؛  وهذه الثقافةُ تتناقضُ مع مفهومِ “التزكية والتعاون على البر والخير” في الإسلامِ الذي يحثُّ على الاعترافِ بفضلِ الآخرين، ومع القيمِ المسيحيةِ التي تدعو إلى المحبةِ غيرِ المشروطة.

*البعدُ الديني: بينَ الرياءِ والإخلاص

من منظورٍ دينيٍّ، يطرحُ هذا الموضوعُ إشكاليةَ “الرياء” و”الإخلاص”. فإذا كانَ تفاعلُنا في الواقعِ مبنيًّا على المجاملةِ والنفاق، فصمتُنا في العالمِ الافتراضي قد يكونُ أكثرَ صدقًا… ؛  ولكنَّ الدينَ يدعونا إلى أنْ نكونَ صادقينَ في الحالَين، وألَّا نكونَ ممَّنْ قالَ فيهم القرآن: “يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ”… ؛ والصمتُ الانتقائيُّ المؤذي قد يكونُ شكلًا من أشكالِ “الخيانةِ الصامتة” للعلاقة, والنفاق .

*البعد الأخلاقي في ظاهرة التجاهل

من منظور أخلاقي، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة على أنها نوع من  الهجر الرقمي والانانية وعدم الاهتمام بمشاعر الاخرين … ؛ الذي قد ينافي مبادئ الانسانية والفلسفات الاخلاقية والأخوة الإيمانية والتعاون على البر والتقوى… ؛ فالإسلام يحث على صلة الرحم والتحاب في الله، والتواصل الإيجابي حتى ولو كان بكلمة طيبة… ؛ و والتجاهل المتعمد لمنشورات الآخرين، خاصة إذا كانوا من الأقرباء أو الأصدقاء، قد ينم عن قسوة قلب أو حقد دفين، يتنافى مع الروح الانسانية والإسلامية التي تدعو إلى “قولاً معروفاً” و”رد السلام بأحسن منه”.

كما أن التكتم على الإعجاب أو التعليق، بينما يتم توزيعه بسخاء على الآخرين، يحمل دلالة على نوع من “التمييز العلائقي” الذي قد يكون محكوماً بأهواء النفس، لا بمقتضيات الفضيلة… ؛ فالتجاهل هنا قد يكون شكلاً من أشكال السخرية أو الاستصغار.

الفصلُ الرابع: ماذا نفعل؟ استراتيجياتٌ للتعاملِ مع الصمتِ الرقمي

المراجعةُ الذاتية: هل المشكلةُ فيَّ أنا؟

قبلَ أنْ نتَّهمَ الآخرين، فلنراجعْ أنفسَنا: هل نعطي كما نطلب؟

هل نتفاعلُ مع منشوراتِ أصدقائِنا كما ننتظرُ منهم؟

ألسنا أحيانًا جزءًا من المشكلةِ ذاتِها؟

التحررُ من إدمانِ الإعجاب

أنْ نربطَ تقديرَنا الذاتيَّ بعددِ الإعجاباتِ والتعليقاتِ هو سقوطٌ في فخٍّ نفسيٍّ خطير… ؛  فقيمةُ ما نكتبُ لا تُقاسُ بعددِ التفاعلات، بل بأثرِه في النفوسِ القليلةِ التي قد تصادفُه في الوقتِ المناسب… ؛  وكما قالَ أحدُ الحكماء: “لا تجعلْ من صمتِ الآخرينَ مقياسًا لصوتِك”.

بناءُ علاقاتٍ تتجاوزُ الشاشات

ربَّما تكونُ ظاهرةُ اللامبالاةِ الرقميةِ دعوةً مبطَّنةً للعودةِ إلى الواقع، لبناءِ علاقاتٍ حقيقيةٍ تتجاوزُ المنشوراتِ والصور، علاقاتٍ تُختبرُ في الشدائدِ لا في الإعجابات.

الفصل الخامس : خلاصة وتحليل: أيهما نختار؟

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ينبغي لنا أن نأخذ هذا التجاهل على محمل الجد، أم أننا نتعامل مع عالم افتراضي لا يعكس بالضرورة حقيقة المشاعر؟

الواقع أن العالم الافتراضي لم يعد عالماً وهمياً بالمعنى التقليدي، بل أصبح فضاءً موازياً يعبر عن جوانب حقيقية من الذات، قد تكون مكبوتة في الواقع… ؛  لذا، فإن تجاهل صديق لمنشوراتك قد يكون مؤشراً على خلل في العلاقة، أو على تناقض في شخصيته، أو على أولوياته التي لا تتسق مع ما تظنه أنت من مكانتك عنده.

ولكن، من ناحية أخرى، لا ينبغي أن نضخم هذه الظاهرة، فهي قد تعكس مجرد انشغال أو شرود ذهني، أو عدم إدراك لأهمية التفاعل الرقمي في نظر الطرف الآخر… ؛  المهم هو أن نتعامل مع هذه القضية بوعي، وألا نجعل من (اللايكات ) مقياساً للقيمة الشخصية، بل ننظر إلى العلاقات الإنسانية في سياقها الأوسع، ونميز بين الصداقة الحقيقية التي تتجاوز الشاشات، وبين المجاملات الرقمية التي قد تخفي فراغاً عاطفياً كبيراً.

*خاتمة

في نهايةِ المطاف، علينا أنْ ندركَ أنَّ الصديقَ الذي لا يمنحُنا إعجابًا افتراضيًّا قد يكونُ أكثرَ صدقًا من آخَرَ يغرِقُنا بإعجاباتِه وهو يضمرُ لنا العداء… ؛  فالمشكلةُ ليستْ في الصمت، بل في الصمتِ الانتقائيِّ المريب، وفي التناقضِ بينَ الظاهرِ والباطن.

وحينَ نسألُ: أيُّ الوجهَينِ حقيقيٌّ – وجهٌ في الواقعِ أم وجهٌ في الافتراضي؟

فالإجابةُ أنَّ كليهما حقيقيّ، لأنَّ الإنسانَ كائنٌ معقَّدٌ لا يُختزلُ في بُعدٍ واحد.

نحنُ مجموعُ تناقضاتِنا، نحنُ ما نظهرُه وما نُخفي، ما نعلنُه وما نُسِرّ… ؛ والتطابقُ بينَ الذاتِ في الواقعِ والذاتِ في الافتراضي ليسَ فضيلةً تُكتسبُ بسهولة، بل هو مشروعُ عمرٍ كامل، هو الجهادُ الأكبرُ الذي يخوضُه المرءُ ليكونَ صادقًا معَ نفسِه أولًا، ثمَّ معَ الآخرين.

فلنكُنْ لطفاءَ بناةً لا هدَّامين، ولنمنحِ الإعجابَ حيثُ يستحقُّ، ليسَ مجاملةً بل تقديرًا، ليسَ خوفًا بل حبًّا، ولنتذكَّرْ أنَّنا في هذا الفضاءِ الأزرقِ الواسعِ كلُّنا عابرون، وما يبقى ليسَ عددَ الإعجابات، بل الأثرُ الذي نتركُه في قلبِ من قرأ، وفي روحِ من فهم، وفي عقلِ من تدبَّر.

وكما يقولُ الإمامُ الشافعي: “إذا المرءُ لا يرعاكَ إلَّا تكلُّفًا، فدعْهُ ولا تُكثِرْ عليه التأسُّفا”. فلتكنْ هذه المقالةُ دعوةً للتأمُّلِ الهادئ، لا مرآةً للعتابِ المرير.