صباح البغدادي
(*) يُثبت رئيس الوزراء “الزيدي” أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، عندما يكون مدعوماً بأفعال لا أقول تُغير المعادلات القسرية والتعسفية التي كانت قد رسخت طوال العقدين الماضيين ؟ فبينما ضاع علي السيد “أكبر ولايتي” وقته في وصف الزيارة بـ “العار وقليل الخبرة ” كان “الزيدي” يوقع على اتفاقيات بـ 60 مليار دولار ويرفع الحظر عن بنوك بلاده، مُرسلاً رسالة واضحة للعالم اليوم مفادها :” بأن العراق لم يعد يُستورد منه العار ، بل يُصدّر منه الأمل والاستقرار والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة”.
(*) المعركة الحقيقية القادمة ستكون حتما لا محالة بين “السيادة التنموية” و “الفوضى المُستوردة” لان التصعيد البرلماني والإعلامي الولائي الذي تزامن مع نجاحات زيارة واشنطن وما يزال لغاية ألان يستعر في الإعلام الولائي ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي ، يكشف عن تحول خطير وأسلوب مبتكر في أدوات الابتزاز والتدخل الخارجي .
(*) وعليه، فنحن نرى أن يتحول التصدي لهذه الحملة الإعلامية الولائية إلى واجب وطني حتمي، لا يُقصد به النصرة لشخص رئيس الوزراء “الزيدي” فقط ، بل يكون أساسه الدفاع عن سيادة العراق ومكتسباته التنموية في وجه محاولات الإجهاد الخارجي وإن مواجهة هذا الهجوم الإعلامي الممنهج لم تعد خيارًا، بل هي فريضة وطنية شرعية تهدف إلى حماية مشروع الدولة العراقية من العبث والأجندات التخريبية الولائية الخارجية ؟.
حسب ما تم تداوله في مختلف وسائل الإعلام والصحافة خلال الساعات الماضية وذلك بنشر فحوى مقال في صحيفة “فرهيختكان” الإيرانية المقربة من التيار المحافظ ل
شنّ “علي أكبر ولايتي” مستشار المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي للشؤون الدولية، هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على رئيس الوزراء العراقي “علي الزيدي” واصفاً إياه بأنه “شاب قليل الخبرة”، كما اعتبر زيارته الأخيرة إلى العاصمة الأميركية واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي بمثابة “مصدر عار عميق” ويُجسّد لنا معاني هذا الهجوم العاصف –الأشدّ حدةً منذ تولّي الزيدي رئاسة الحكومة– عن عمق الهزّة الاستراتيجية التي منيت بها طهران، كاشفاً عن ذروة القلق الإيراني إزاء إعادة ‘تصويب البوصلة’ في السياسة الخارجية العراقية. فالنجاح الذي حقّقه “الزيدي” في اختراق الحصار الدبلوماسي وإنجاز زيارته إلى واشنطن، متحدياً بذلك ضغوطاً سياسية وأمنية مكثفة سعت “طهران” من خلالها وكلائها إلى إجهاض هذه الزيارة، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل رسالة سيادية تفيد بأن العراق بدأ فعلياً فكّ ارتباطه الأحادي بالوصاية الإيرانية، ما دفع الأجنحة المتشددة في النظام الإيراني إلى ردّ فعل عنيف يعكس إدراكها ببداية تحوّل جيوسياسي حقيقي يُهدّد نفوذها التاريخي في بغداد والتي توجها من خلال التوقيع يوم أمس الجمعة 17 تموز اتفاقيات غير ملزمة ومذكرات تفاهم مع شركات أمريكية بقيمة 60 مليار دولار وتشمل قطاعات الطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وذلك بمناسبة انعقاد قمة الأعمال الأمريكية العراقية التي استضافتها غرفة التجارة الأمريكية في واشنطن .
لم يتوقف نجاح “الزيدي” عند حدود الاستثمارات، بل امتد ليشمل ملفاً حساساً طالما استُخدم كورقة ضغط على بغداد، ألا وهو الحظر المالي. فقد استطاع ، بفضل مفاوضاته المباشرة مع الإدارة الأمريكية، رفع الحظر عن سبع بنوك ومصارف أهلية عراقية كانت مدرجة على قوائم العقوبات الأمريكية بتهمة تسهيل تحويلات مالية لفصائل مسلحة مرتبطة بإيران وهذه المصارف هي :” مصرف الاستثمار العراقي والاتحاد العراقي والمشرق العربي الإسلامي والتنمية الدولي وآشور الدولي للاستثمار ومصرف الجنوب الإسلامي للاستثمار والتمويل ومصرف العربية الإسلامي ” هذا الإنجاز يحمل دلالات استراتيجية عميقة واستعادة الثقة الدولية ورفع الحظر يعيد دمج البنوك العراقية في النظام المالي العالمي، مما يسهل التجارة الخارجية ويجذب المستثمرين وكذلك الضغط على الفصائل ومن خلال حرمان الفصائل المسلحة من قنوات التمويل المشروعة، مما يعزز من جهود الحكومة في نزع سلاحها ودمجها في مؤسسات الدولة ورسالة لطهران لتأكيد أن العراق قادر على إدارة ملفاته المالية بعيداً عن الوصاية الإيرانية، وأن العلاقات مع واشنطن تُترجم إلى مكاسب ملموسة للشعب العراقي.
فلم يكن صمت الحكومة العراقية لغاية ألإن وحسب متابعتنا لهذا الحدث عن كثب والرد المتوقع الذي ما زلنا ننتظره من قبل وزارة الخارجية إزاء الهجوم غير المسبوق الذي شنه علي أكبر ولايتي على رئيس الوزراء فأننا نعتقد بأنه لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل كان رسالة استراتيجية مدروسة بعناية فائقة، تُترجم نهج اتخاذ وتصحيح المسار بان بوصلة “العراق أولاً” من شعار إلى واقع ملموس. فبينما انشغلت الأوساط الإعلامية بالجدل اللفظي، كان الزيدي في واشنطن يحقّق انتصارات اقتصادية و سيادية تُعيد تعريف دور العراق في المعادلة الإقليمية، مُثبتاً أن “التجاهل الحكيم” هو السلاح الأقوى في وجه الوصاية الإيرانية التي امتدت لأكثر من عقدين من الزمن وهذا النجاح الاقتصادي يُرسخ قناعة الزيدي بأن الرد على “الإهانات” يكون بـ الإنجازات لا بالمهاترات، حيث تحولت زيارة واشنطن من “مصدر عار” كما وصفها ولايتي، إلى مصدر فخر وطني يعزز من سيادة العراق الاقتصادية. إن الجمع بين “الصمت الحكيم” إزاء الاستفزازات الإيرانية، و”الإنجاز المدوي” في واشنطن، يُشير إلى تحول جوهري في السياسة العراقية قد يُعيد رسم خريطة النفوذ في المنطقة ومن خلال “منطقة رمادية” إلى “دولة محورية” فلم يعد العراق ساحة لتصفية الحسابات، بل فاعلاً رئيسياً يمتلك أدواته الاقتصادية والسياسية للتوازن بين القوى الكبرى.
وكذلك من المنتظر لأبعاد هذه الزيارة المستقبلية ومن خلال بداية النهاية لتآكل النفوذ الإيراني ومع نجاح الزيدي في جذب الاستثمارات الأمريكية وفك الحظر المالي، تقلّ قدرة طهران على استخدام الورقة الاقتصادية كأداة ضغط، مما قد يدفعها لإعادة حساباتها تجاه بغداد وترسيخ نموذج “السيادة المرنة” يُقدم الزيدي نموذجاً جديداً للقيادة في المنطقة، يجمع بين الحزم في المبادئ (رفض الوصاية) والمرونة في التكتيك (التجاهل الاستراتيجي)، مما قد يلهم دولاً أخرى تسعى للاستقلال في قراراتها.
يُثبت رئيس الوزراء “الزيدي” أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، عندما يكون مدعوماً بأفعال تُغير المعادلات. فبينما ضاع علي أكبر ولايتي وقته في وصف الزيارة بـ “العار” كان “الزيدي” يوقع على اتفاقيات بـ 60 مليار دولار ويرفع الحظر عن بنوك بلاده، مُرسلاً رسالة واضحة للعالم اليوم العراق لم يعد يُستورد منه العار، بل يُصدّر منه الأمل والاستقرار.
إن الهجوم العنيف وغير المسبوق الذي شنّه علي أكبر ولايتي لم يكن مجرد رد فعل انفعالي، بل يُعدّ مؤشراً استراتيجياً دقيقاً على “صدمة النظام الإقليمي” تجاه التحول الجذري في السياسة العراقية. فبينما اعتادت طهران على هيمنة اقتصادية وأمنية امتدت لعقدين، جاءت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن لتُرسّخ معادلة جديدة قوامها “السيادة عبر التنمية”، مما دفع الأجنحة المتشددة في إيران إلى شنّ حملة منهجية عبر أدواتها البرلمانية والإعلامية بهدف عرقلة هذا المسار التنموي الواعد.
إن النجاحات الميدانية التي حققها الزيدي، والمتمثلة في توقيع 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقيمة 60 مليار دولار خلال قمة الأعمال الأمريكية-العراقية، تشمل قطاعات الطاقة (لتقليل الاعتماد على الغاز الإيراني)، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا، بالإضافة إلى رفع الحظر عن سبع بنوك عراقية، تشكل ضربة موجعة للنموذج الإيراني القائم على “الاقتصاد الريعي المُقيّد”. هذه الإنجازات لا تمثل مجرد مكاسب اقتصادية، بل هي أدوات جيوسياسية تعيد رسم خريطة النفوذ، حيث يتحول العراق من “دولة مستوردة للقرار” إلى “شريك استراتيجي فاعل” يملك بدائل حقيقية تُخرجه من فخ الابتزاز الإيراني.
وبالتالي، فإن “الانتفاضة التنموية” التي بوّبت علاماتها الأولى الآن، تُعدّ الرد الاستراتيجي الأبلغ على حملات التشويه؛ فكل مشروع طاقة بديل، وكل بنك يُرفع عنه الحظر، وكل دولار استثمار أمريكي، هو مسمار جديد في نعش الوصاية الإيرانية. إن الصمت العراقي الحكيم إزاء التصريحات الولائية هو اعتراف ضمني بأن المعركة الحقيقية لم تعد في العناوين الإعلامية، بل في ورش العمل ومشاريع البنية التحتية التي ستُحرر العراق نهائياً من تبعية الغاز والقرار، مُعلنةً ميلاد حقبة جديدة من التوازن الإقليمي القائم على المصالح الوطنية الخالصة لا على الإملاءات الخارجية.
ولذا ومن هذا المنطلق نحن نرى بأن المعركة الحقيقية القادمة ستكون حتما لا محالة بين “السيادة التنموية” و”الفوضى المُستوردة” لان التصعيد البرلماني والإعلامي الذي تزامن مع نجاحات زيارة واشنطن، يكشف عن تحول خطير في أدوات التدخل الخارجي؛ فبعد فشل الضغوط الدبلوماسية المباشرة في منع الزيارة، انتقلت الأجنحة الموالية لأجندات خارجية إلى تفعيل “أداة العرقلة الداخلية” عبر استجواب الوزراء وتشويه الاتفاقيات تحت ذرائع واهية . هذا الهجوم المنهجي لا ينبع من رقابة وطنية حقيقية، بل هو رد فعل استراتيجي يائس يهدف إلى إفراغ مكاسب الزيارة من مضمونها، وإبقاء العراق رهينة للاقتصاد الريعي الإيراني. إن محاولة عرقلة مشاريع الطاقة والصحة والتكنولوجيا، ورفع الحظر عن البنوك، عبر أدوات برلمانية وإشاعات إلكترونية، تؤكد أن المعركة لم تعد دبلوماسية فحسب، بل أصبحت “حرباً ناعمة” تستهدف شريان الحياة التنموي للعراق. فكل مذكرة تفاهم تُوقع، وكل بنك يُرفع عنه الحظر، تمثل ضربة مباشرة لنموذج “الوصاية” الذي اعتاد على بقاء العراق ضعيفاً ومقيداً. وبالتالي، فإن نجاح رئيس الوزراء علي الزيدي في تجاوز هذه العواصف الداخلية والخارجية سيشكل الفاصل الحقيقي بين حقبتين وهي حقبة “التبعية والفوضى “، وحقبة “السيادة التنموية” التي تضع مصلحة المواطن العراقي فوق كل اعتبار، وتُثبت أن الإرادة الوطنية قادرة على كسر كل قيود الارتهان، مهما كانت الأدوات المُستخدمة لعرقلة هذا المسار التاريخي.