اقتصاد الحرب… لماذا يدفع الإيرانيون ثمن معارك لا يريدونها؟

بينما تتواصل النقاشات داخل مؤسسات النظام حول المفاوضات والتصعيد العسكري ومستقبل العلاقات مع الغرب، يعيش المواطن الإيراني واقعاً مختلفاً تماماً. فاهتمامه الأول لم يعد يدور حول الملفات النووية أو التوازنات الإقليمية، بل حول القدرة على شراء الغذاء والدواء، ودفع إيجار المنزل، وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وتكشف الصحف الإيرانية أن الأزمة الاقتصادية لم تعد حالة عابرة، بل أصبحت أزمة بنيوية تمس مختلف القطاعات، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تؤدي التطورات الإقليمية إلى موجة جديدة من الضغوط على الاقتصاد الوطني.

لقد تحولت إيران خلال السنوات الأخيرة إلى اقتصاد يعيش تحت ضغط دائم. فالعقوبات، وسوء الإدارة، وهيمنة المؤسسات العسكرية على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وتراجع الاستثمار، وارتفاع معدلات التضخم، كلها عوامل أضعفت قدرة الاقتصاد على التعافي. لكن العامل الأكثر إثارة للجدل هو استمرار تخصيص موارد ضخمة لمشاريع عسكرية وإقليمية، في وقت يواجه فيه ملايين الإيرانيين تراجعاً غير مسبوق في مستوى معيشتهم.

ولم تعد هذه المفارقة خافية حتى داخل الخطاب الرسمي. فالنقاشات التي تنقلها الصحف الحكومية تعكس قلقاً متزايداً من اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، ومن تراجع الثقة بالسياسات الاقتصادية، خصوصاً مع استمرار ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وزيادة البطالة، وانخفاض القدرة الشرائية للأسر الإيرانية.

وفي هذا السياق، يكتسب قرار الحكومة البريطانية المتعلق بالحرس الثوري الإيراني بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية عن بعده السياسي. فالحرس الثوري لا يمثل مجرد مؤسسة عسكرية، بل يسيطر بصورة مباشرة أو غير مباشرة على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني، من الطاقة والإنشاءات إلى الموانئ والخدمات المالية. ولذلك فإن أي تضييق دولي على أنشطته ينعكس أيضاً على الشبكات الاقتصادية التي تشكل أحد أهم مصادر تمويله ونفوذه، ويزيد من الضغوط على نموذج اقتصادي قام طويلاً على الاحتكار والامتيازات.

وفي المقابل، جاء البيان الذي وقّعه أكثر من 120 شخصية عربية ليؤكد أن سياسات التدخل ودعم الميليشيات لم تلحق الضرر بشعوب المنطقة فحسب، بل ساهمت أيضاً في استنزاف موارد إيران نفسها. فالإنفاق على الصراعات الخارجية، وتحويل الأموال إلى الجماعات المسلحة، وخلق بؤر توتر دائمة، كلها سياسات دفعت المنطقة إلى تحمل أعباء اقتصادية وأمنية كبيرة، كما دفعت المواطن الإيراني إلى دفع فاتورة لا علاقة له بها.

واللافت أن السلطة ما زالت تحاول تقديم هذه السياسات باعتبارها جزءاً من الأمن القومي، بينما يزداد اقتناع الإيرانيين بأن الأمن الحقيقي يبدأ من الاستقرار الاقتصادي، وفرص العمل، والتعليم، والخدمات الصحية، وليس من توسيع ساحات المواجهة خارج الحدود. ولذلك لم يعد السؤال المطروح داخل المجتمع: كيف نواجه الضغوط الخارجية؟ بل أصبح: لماذا يتحمل المواطن وحده نتائج خيارات لم يشارك في صنعها؟

وتزداد هذه التساؤلات مع اتساع الاحتجاجات الاجتماعية، واستمرار نشاط وحدات المقاومة في مختلف المدن، وظهور مؤشرات متزايدة على أن الأزمة الاقتصادية أصبحت أحد أهم محركات الغضب الشعبي. فكلما ارتفعت الأسعار أو تراجعت قيمة العملة، تراجعت أيضاً قدرة الخطاب الرسمي على إقناع المواطنين بأن الأولوية يجب أن تبقى للمواجهات الإقليمية.

إن التجارب الاقتصادية في العالم تؤكد أن الدول التي تجعل التنمية أولوية تحقق الاستقرار، بينما تؤدي عسكرة الاقتصاد وربط الموارد بالمشاريع الأمنية إلى إضعاف النمو وزيادة الفقر. وما يحدث في إيران اليوم يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فكل تصعيد جديد يضيف أعباءً جديدة على الاقتصاد، وكل أزمة إقليمية جديدة تعني مزيداً من التضخم والبطالة وتراجع الاستثمار.

ولهذا، لم تعد المشكلة الأساسية في حجم العقوبات وحدها، بل في طبيعة الخيارات التي اتخذتها السلطة طوال السنوات الماضية. فحين تُقدَّم مشاريع النفوذ الإقليمي على احتياجات المواطنين، يصبح الاقتصاد أول الضحايا، ويصبح الشعب الإيراني هو من يدفع ثمن معارك لم يخترها، وسياسات لم تجلب له سوى مزيد من الضيق وعدم اليقين.