هاربة إلى حيث لا نجاة

رياض سعد

كانت “إخلاص” تحمل في سحنتها السمراء مأساة جيل كامل؛ بشرة بلون أرض “الكوت” الطينية، لكنها في عيون مجتمعها كانت وسمة عار ونقص… هربت من نظرات الازدراء، باحثة عن مأوى، وفي عمق تيهها، كانت ترى في الرجل الأبيض كائناً نورانياً، ملاكاً قادماً من سماوات متعالية لا تطالها يدها المجهدة.

كانت تسمع منذ طفولتها كلماتٍ تنغرس في قلبها كالإبر: “سوداء .. وصيفة “… “عبدة”… “ليست مثلنا”… ومع مرور السنين، صدّقت ما قيل عنها أكثر مما صدّقت صورتها في المرآة...

وفي أزقة الكوت الضيقة، حيث تتعانق البيوت مع سماء تتوسد الغبار، كانت إخلاص تركض كل صباح نحو سطح الدار… تركض لا لأنها تحب نشر الغسيل، بل لأن السطح كان مملكتها الوحيدة، متنفسها من عالم يذكرها كل لحظة أن بشرتها السوداء حكمٌ مؤبد، وأن ملامحها الزنجية قيدٌ لا فكاك منه.

كانت عيناها تلمعان كلما رأته…  غني ( المطيرجي ) ، ابن العشرين عاماً، الأبيض البشرة، ابن عم شيخ العشيرة… كانت تراه ملاكاً هبط من سماء لا تستحقها، وكان يراها قارب نجاة من بحر عادته السرية التي ابتلعته سبع مرات في اليوم الواحد احيانا …!!

على الجانب الآخر من السطح، كان “غني” مسكوناً بشبق حارق يلتهم روحه.. شاب عازب، محاصر برغباته الجسدية.. بالنسبة لغني، لم تكن إخلاص بشرًا، بل كانت “قارب نجاة” قذف به الموج أمام شبقه المستعر.

كلما صعدت إخلاص لتنشر الغسيل تحت اشعة الشمس، كان غني يتربص بها، ينسج من الكلمات شباكاً حول جسدها المستضعف:

 * “إخلاص… أيتها الساكنة في عتمة الليل، كم أنتِ جميلة!”

   ترد بنبرة ممزوجة بالخوف والعتاب: “أما في قلبك حياء يا غني؟”

   فيتلوى مبرراً: “وهل التعبير عن الإعجاب خطيئة؟”

كان أول رجل ينظر إليها بعينين لا تشبهان عيون الآخرين… أو هكذا ظنت.

قال لها يومًا: الناس يرون اللون، أما أنا فأراك انت …

كانت تلك الجملة كافية لتفتح له أبواب قلبها.. الإنسان الذي حُرم طويلًا من الاعتراف، يصدق أول من يمنحه قليلًا من الدفء.

شيئًا فشيئًا، بنى حولها عالمًا من الوعود.. بيت صغير.. حياة جديدة.. زواج يطوي صفحات الإهانة.. لكنها لم تكن تعلم أن بعض الناس يبنون الأحلام كما يبني الصياد الشِّباك...

لم يكن غني ليتراجع؛ فالصيد يبدو سهلاً لولا جدار الخوف.. بدأ يعزف على وتر الأمل، منّاها بالزواج وبيت يجمع شتاتها.

سألته ذات ليلة بنبرة منكسرة: “أحقاً ما تقول؟ أنت غني الأبيض، وريث الوجاهة وابن أخي شيخ العشيرة… كيف لأهلك أن يرتضوا بامرأة سمراء، جارية ( وصيفة ) في عيونهم؟”

أجابها بزيف متقن: “كفى يا إخلاص، كلنا عبيد لرب واحد.”

تنهدت قائلة: “ونعم بالله، لكن الأعراف في هذه الأرض أشد قسوة من الموت.”

فقاطعها بثقة مخادعة: “لا تلتفتي للعالم، أنتِ عالمي وحسبي.”

اخلاص : “نعم، لكن هذه أعرافٌ ظالمة.”

غني : “لا عليكِ، أنتِ بالنسبةِ لي كلُّ العالم، ولا شأنَ لي بأحدٍ.”

آمنت به… كيف لا تؤمن بمن مدّ إليها يداً وهي تغرق في مستنقع النبذ والعزلة؟

مع تلاحق الأيام، استحال السطح مسرحاً للجريمة الصامتة… كان غني يقفز الحائط في عتمة الليل، يتسلل كظل بري، ويبدأ باقتحام خلوتها…  في البدء كانت تقاوم قبلاته العنيفة، لكنه رويداً رويداً بدأ يروض جسدها، يلمس مواضع ضعفها حتى تتخدر مشاعرها وتغيب عن الوعي بين يديه، مستسلمة لطقوسه الخاصة التي كان يفرغ فيها شهوته على جسدها، مستغلاً يدها أحياناً لتلبية رغباته اللاهثة... ؛ لا تدري أفي حلمٍ هي أم في كابوس… كان يمارس عليها عادتَه السرية، يقذف على جسدها، وأحياناً يأمرها هي أن تدلك قضيبه بيدها الصغيرة المرتجفة...

ولم يقف الشبق الجنسي عند هذا الحد؛ إذ دفعه هوسه التجريبي إلى استخدام العقاقير والموسعات والمخدرات الموضعية ، ليتجرأ على اقتحام جسدها من الباب الخلفي… ؛  صرخت إخلاص صرخة مزقت سكون الليل، إلا أن كفه الغليظة كانت أسرع لكتم أنفاسها، ولم يرفعها حتى أفرغ شهوته في أحشائها.

تركها تتلوى كطير مذبوح، تنزف دماً وألماً، عاجزة حتى عن الجلوس من شدة التمزق…  لكن الفلسفة الإنسانية تخبئ في طياتها غرابة غير مفهومة؛ فبعد أسبوع من الوجع المبرح، استيقظ في داخل إخلاص دافع غامض، رغبة سيكولوجية ملحة تدفعها لتكرار التجربة رغم الألم، كأن ذلك الانتهاك صار حاجة وجودية للارتواء، أو لعلها اللذة المازوخية الكامنة التي تولد من رحم القهر والعنف الصارم، حيث تشعر الضحية بوجودها فقط تحت وطأة الجلاد...!!

صارت إخلاص تسعى إليه بقدميها… ؛ كأن دبرها أرضٌ جدباء تحتاجُ إلى مطر، أو كأن شيئاً في داخلها يصرخ: “ارتوِ”… ؛  صارت هي التي تذهب إليه، وكان يطير فرحاً، ينكحها ثلاثاً إلى ست مرات في اليوم، حتى أقلع عن عادته السرية… ؛ فقد وجد في جسدها متسعاً لكل ظمئه .

“أصحيح أن ممارسة الجنس من الفرج أطيب؟”، سألته يوماً.

غني : “لا مقارنة بينهما.”

اخلاص : “إذن ما الذي يمنعك؟”

غني : “غشاء بكارتك… وإذا حملت، سيقتلوننا.”

اخلاص : “عمك شيخ، من يجرؤ على قتلك؟ وهناك أطباء يعيدون الغشاء، وهناك حبوب لمنع الحمل. ثم ألم تعدني بالزواج؟”

صمت برهة، ثم ابتسم: “متى يفرغ بيت أهلك؟”

اخلاص : “بعد ثلاثة أيام، يذهبونَ إلى البصرة.”

وافق غني بعد أن لاحت له فرصة الاستباحة الكاملة… انتظرا رحيل أهلها إلى البصرة، وبعد ثلاثة أيام ؛ قفز إلى دارهم  … ؛  هناك، فض بكارتها في غمرة من الدماء والألم، ومارس معها الجنس بلا رحمة من الصباح الباكر حتى مغيب الشمس… ؛  أغمي عليها مرتين من فرط الإعياء، فكان يوقظها بنضح الماء البارد على وجهها، ويسقيها عصير الليمون، لا رأفة بها، بل ليعيد الآلة الجسدية إلى العمل.

استمر هذا الجحيم أشهراً، حتى بدأت أحشاؤها تبرز، ونبهتها صديقة لها بعلامات الحمل… تملّك الرعب قلبها، وجاءت إليه باكية تندب مصيرها: “غني، أرجوك… دبر لي مخرجاً، بطني تكبر والموت يتربص بي.”

طمأنها بخبث: “سنرحل بعد يومين إلى بغداد لنتزوج هناك سراً، لكن إياكِ والبوح لأحد.”

في بغداد، واجهت إخلاص فصلاً جديداً من التيه…؛ أخذها إلى شقةٍ في البتاويين، مكث معها ثلاث ساعات فقط، ثم رحل، تاركاً إياها مع صديقه حميد الشرطي.

اخلاص : “أين تذهبُ يا غني؟”

غني : “شغلةٌ ضرورية، أعودُ قريباً.. حميد مثل أخي فلا تخافي …”

وعندما حملت بين يديها مستقبلها كله، حمل هو حقيبته واختفى.

تركها في مدينة لا تعرفها، ووعدًا لم يعد له صاحب.

عاد غني إلى الكوت ليحمي نفسه، وانقطعت حبال وصاله… ؛  بدأت إخلاص تبكي وتستفسر، فكان حميد الشرطي يواسيها : “الغائب عذره معه، ربما سُجن أو قُتل.”

اخلاص : “ما عندي حظ، أحببته ووعدني فخانني.”

حميد الشرطي : “لا عليكِ، ربُّكِ كريم.”

بكت حظها العاثر وعشقها الزائف… ؛  وفي ليلة غاب فيها وعيها تحت وطأة الخمر الذي سقاه إياها حميد الشرطي ، استباح الأخير جسدها المثقل بالحمل، واستمر على هذا النحو شهراً كاملاً.

ولم ينتهِ السقوط هنا؛ إذ تحول حميد إلى قواد، يعرض جسد إخلاص على شباب المنطقة والاصدقاء والاصحاب  لقاء دنانير معدودة…

وبعد أشهر من الامتهان، خضعت لعملية إجهاض قاسية أودت بجنينها وبتلك البقية الباقية من أنوثتها… ؛  هربت من شقة حميد، لتلتجئ إلى العشوائيات البعيدة في الجانب الشرقي من بغداد ، هناك حيث لا أسماء ولا كرامة.

أصبحت إخلاص مشاعاً لفقراء الحي ومهمشيه؛ يأخذها شاب لبضعة أيام يطعمها ويؤويها مقابل جسدها، ثم يسلمها لآخر… وهكذا، في دوامة لا تتوقف.

 دارت إخلاص بين الأحضان والبيوت كعملة رخيصة متداولة، حتى انمحت ملامحها القديمة تماماً… لم تعد تلك الفتاة السمراء الحالمة الهاربة من الكوت، بل غدت كائناً مشوهاً، بلا ماضٍ، بلا مشاعر، وبلا روح؛ جسداً يسير بقوة الدفع الوجودي نحو الفناء التام.

لم تعد إخلاص… تلك الفتاة التي كانت تنظر إلى السماء، التي كانت تحلم بملاك أبيض ينقذها، ماتت في مكان ما بين الكوت وبغداد. ما تبقى منها كان جسداً يتنفس، جسداً صار وطناً للغرباء، مرقداً لكل عابر سبيل.

في الليل، حين يهدأ كل شيء، كانت تسمع صوتاً في أعماقها، صوت فتاة صغيرة تسأل: “أين الطريق إلى البيت؟”

لكنها نسيت العنوان. نسيت كل شيء، إلا ذلك الألم الأول، تلك الجمرة التي أشعلها غني في خاصرة روحها، الجمرة التي حولتها إلى رماد، ثم إلى لا شيء.

وهكذا، بين ازقة الكوت وبيوت العشوائيات في  بغداد، ضاعت امرأة لم يجدها أحد… امرأة ابتلعها الليل، ولم يخرج من جوفه إلا أصداء بكاء لا يسمعه أحد.