رياض سعد
في مشهد يعيد إنتاج أسوأ كوابيس التاريخ المعاصر، تتحول سوريا تحت حكم الجولاني إلى قبلة للإرهابيين والمجرمين والتكفيريين من كل حدب وصوب، وكأننا نعيش تكرارًا مأساويًا للتجربة الأفغانية التي استضافت أخطر التنظيمات الإرهابية والحركات التكفيرية والفصائل الجهادية لعقود… ؛ لكن المفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا يحدث في القرن الحادي والعشرين، وبمباركةٍ ودعمٍ من دول تدّعي محاربة الإرهاب.
*الوكالة الحصرية لاستيراد وتجميع فلول الإرهاب
لم تعد سوريا مجرد دولة تمر بمرحلة انتقالية، بل تحولت إلى وكالة حصرية لاستيراد وتجميع فلول الإرهاب من كل أنحاء العالم… ؛ فها هي ذي تفتح أبوابها أمام شذاذ الآفاق من المجرمين التكفيريين والقتلة والذباحة الطائفيين … ؛ بل وتمنحهم الجنسية وتدمجهم في تشكيلاتها العسكرية، وكأنها تستعد لمشروعٍ لا علاقة له بتحرير الجولان المحتل.
إنه ذات الدور الذي لعبه الارهاب الأفغاني سابقًا، لكن مع اختلاف بسيط: حين استتب الأمر لعصابات طالبان، كان العالم أجمع يدرك أنهم يمثلون تهديدًا وجوديًا للاستقرار الدولي… , أما اليوم، فتتولى قوى الاستعمار والاستكبار -بعادتها القديمة الجديدة- رعاية هذا المشروع السوري التكفيري، وكأنهم يستثمرون في شرٍ مضمون النتائج.
*أمران داخلي وخارجي… وهدف واحد
لقد أناطت هذه القوى بالجولاني أمرين متلازمين: الأول داخلي يتجسد في محاربة الشيعة والطائفة العلوية وإبادتهم , واقصاءهم من المشهد السوري، والثاني يلي ذلك ويتجه نحو شيعة المنطقة في لبنان والعراق… ؛ وكأننا نستمع إلى سيناريو مكرر من بطولة العميل السفاح صدام، الذي تفرغ لمحاربة شيعة العراق ثم شيعة إيران في حرب وكالة ونِيابة عن أعراب نجد والخليج، وبأمر أمريكي كما اعترف هو نفسه في لقاءاته التلفزيونية.
*دعم منقطع النظير لدولة إرهابية
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: كيف لدولة في القرن الحادي والعشرين أن تسمح بدخول آلاف الإرهابيين من عشرات الجنسيات إلى أراضيها، بل وتمنحهم الجنسية الوطنية؟!
الجواب بسيط ومرعب في آنٍ واحد: تكوين جيش عقائدي تكفيري طائفي، هدفه الأول والأخير إبادة الشيعة ومحاربتهم ومقارعتهم.
هذا الدعم المنقطع النظير الذي يحظى به الجولاني من غالبية الدول العربية والإسلامية والغربية، يذكرنا تمامًا بما جرى مع صدام حين أُمدّ بالسلاح والمال والغطاء السياسي ليكون رأس حربة في مشروعٍ إقليميٍّ لتغيير المعادلات السكانية والمذهبية في المنطقة.
*التحذير الذي لا يُسمع
وفي خضم هذا المشهد المخيف، تجد وسائل الإعلام السورية , العامة والشعبية تصرّح آناء الليل وأطراف النهار بضرورة إعداد العدة والاستعداد للمنازلة الكبرى… ؛ ولا يقصدون بها -بطبيعة الحال- تحرير الجولان من الاحتلال الصهيوني، بل محاربة الشيعة وإعلان الحرب على لبنان أولاً، ثم العراق ثانيًا.
ولعل التصريحات والتسريبات الأخيرة المنسوبة إلى مسؤولين في السلطة السورية، وما تضمنته من تحذيرات للعراق في حال وقوع أي مواجهة مع فصائل عراقية مسلحة، بالتزامن مع مواقف وتصريحات صدرت من أطراف إقليمية أخرى كالسعودية والاردن … ؛ قد دفعت بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه المواقف تعكس مجرد تزامن سياسي، أم أنها تشير إلى تنسيق طائفي حاقد أو تقارب في الرؤى المعادية للعراق والعراقيين ؟!.
وفي نظر أصحاب هذا الرأي، فإن هذا التزامن يثير علامات استفهام تستحق المتابعة والتحليل، ويعيد إلى الأذهان المثل العربي القائل: “وراء الأكمة ما وراءها”؛ أي إن ما يظهر إلى العلن قد لا يعكس كامل المشهد، وأن التطورات السياسية ينبغي قراءتها في سياقها الأوسع، بعيدًا عن الانفعال، واستنادًا إلى الوقائع وما قد تكشفه الأيام من معطيات.
فعلى الحكومة العراقية والنخب الوطنية وأبناء الأغلبية والأمة العراقية الغيارى، ألا يغفلوا هذه الحقيقة القاسية… ؛ فالواجب الوطني يقتضي إعداد العدة وأخذ الحيطة والحذر، وتجفيف منابع الإرهاب قبل أن تتسع رقعته، ومعالجة العدوان قبل انطلاقه، والانقضاء على الأعداء قبل تنفيذ عملياتهم الإرهابية.
فالتاريخ يعيد نفسه، لكن ثمن التكرار هذه المرة قد يكون أعلى مما نتخيل، إن لم نتعلم دروس الماضي ونتخذ ما يلزم من تدابير لحماية مستقبل المنطقة من مشروعٍ تكفيري يستهدف وجودنا ذاته.