السيدة “مفتونة إبراهيموفا إسماعيلوفا”، التي عُرفت بين الأهالي بمودةٍ باسم “أم علي”، والتي أثبتت أن حب الأوطان لا يرتبط دائماً بمسقط الرأس؛ فقد أحبت العراق حباً فاق حب الكثيرين من أبنائه، وكرست حياتها لخدمة وطنها الجديد.
كانت “أم علي” تعمل جنباً إلى جنب مع زوجها في “صيدلية العراق” الواقعة في بداية سوق المغايز. وقد تميزا معاً بإتقان ومهارة عالية في تحضير الأدوية والتراكيب التي تتطلب تحضيراً كيميائياً دقيقاً.
لم تكن حياة هذه السيدة خالية من المحطات القاسية، فقد واجهت مرارة فقدان زوجها وولدها. ورغم هذا الفقد الموجع، استمرت في إدارة الصيدلية وبيع الأدوية بأسعار مناسبة جداً مراعاةً لظروف الناس. وفي الوقت الذي دفع فيه الحصار الجائر الكثيرين من أبناء البلد إلى الهجرة وترك مسقط رأسهم، اتخذت “أم علي” قراراً شجاعاً برفض مغادرة العراق.
لقد آثرت البقاء لمساندة الفقراء والمحتاجين الذين كانوا يعجزون عن توفير ثمن الدواء. واختارت العيش مع ذكريات زوجها وابنها، محتضنةً ألمها وحزنها بين جدران مدينتها الأثيرة التي رفضت التخلي عنها في أشد أوقاتها محنة.
وفي ختام رحلتها الإنسانية العظيمة، أبت هذه السيدة الأصيلة إلا أن يكون مثواها الأخير في وطنها الجديد، لتُدفن إلى جوار عائلتها التي فقدتها. رحلت “أم علي” تاركةً خلفها بصمة من الحب العميق والامتنان في قلوب كل من عرفها، ولا سيما أهالي البصرة الذين خلّدوا ذكراها.
لهم جميعاً الرحمة والمغفرة وجنات الخلد، في قصةٍ إنسانية ملهمة
#أسعد_صباح