
سعد جاسم الكعبي
كاتب عراقي
عندما يبدأ العام الدراسي بالتعطيل،فاعلم أن الدوام صار هو الاستثناء،فخبر تأجيل بدء العام الدراسي 2026-2027 خبر غير مدروس وعشوائي على الإطلاق، ويبعث على القلق أكثر مما يبعث على الارتياح.
فقد وجه وزير التربية عبد الكريم عبطان الجبوري بتأجيل بدء العام الدراسي إلى يوم الأحد 11 تشرين الأول المقبل، بدلاً من موعده السابق في 20 أيلول ، بحجة إتاحة الوقت لاستكمال إجراءات امتحانات الدور الثاني للصفوف غير المنتهية وتهيئة المدارس ومراعاة ارتفاع درجات الحرارة.
قرار يبدو إدارياً بسيطاً، لكنه في العمق يكشف أزمة مزمنة في إدارة الوقت التربوي في العراق.
التوقيتات الثابتة هيبة الدولة
في كل دول العالم التي تحترم نفسها وطلابها، هناك رزنامة تربوية مقدسة. موعد بدء العام ونهايته، موعد الامتحانات والعطل، تُعلن قبل عام كامل ولا تُمس إلا لحرب أو كارثة طبيعية. الأسرة تخطط، المدرسة تخطط، المطبعة تخطط، وحتى سوق القرطاسية يخطط.
عندنا، الموعد يُحدد ثم يُلغى قبل أيام. هذا ليس تأجيلاً، هذا ارتباك تخطيطي. هل فوجئت الوزارة الآن فقط بأن هناك دور ثانٍ؟ أليس الدور الثاني موجوداً منذ عقود ويجب أن يكون محسوباً ضمن التقويم؟ وهل فوجئت بأن أيلول حار في العراق؟ حرارة أيلول ليست ظاهرة مناخية طارئة، هي حقيقة جغرافية منذ خلق الله العراق.
كان يجب أن تُدرس هذه المواعيد جيداً قبل إعلانها، لا أن يُعلن موعد ثم يُتراجع عنه. التراجع يهز ثقة الطالب والمدرس وولي الأمر بالمؤسسة التربوية نفسها.
هل صار التعطيل هو القاعدة.. والدوام هو الاستثناء!، هذه هي الجملة الأخطر التي كتبتها، وهي الحقيقة المرة.
العام الدراسي في العراق نظرياً 210 أيام، عملياً لا يصفو منه أكثر من 140 يوماً. احسب معي: عطل الجمعة والسبت، عطل المناسبات الدينية والوطنية، عطلة الأمطار والحر والبرد والعواصف الترابية، عطلة الانتخابات، عطلة الزيارات، ثم يأتي تأجيل البداية هذا ليقتطع 21 يوماً كاملة.
النتيجة؟ نحن نقترب من ثلث أيام العام الدراسي ضائع بالعطل الرسمية وغير الرسمية. فكيف سيكون مستقبل هذا العام؟ الجواب الذي حفظناه جميعاً: تكثيف المناهج والحذف.
نبدأ العام متأخرين، وننهيه متأخرين، ثم نطالب المدرس بإكمال منهج كامل في زمن ناقص، فيلجأ للحذف والتقليص والتلخيص المخل. والضحية هو الطالب الذي سيذهب للجامعة بنصف معلومة، أو طالب السادس الإعدادي الذي سيُفاجأ بأسئلة من فصول لم يأخذها حقها.
عام يبدأ بالتعطيل، لا يمكن أن ينتهي بالتفوق.
صمت القبور فأين نقابة المعلمين؟
الغريب والمريب حقاً، أننا لم نسمع صوتاً واحداً. لا نقابة المعلمين، لا منظمة تربوية، لا خبير تربوي شجب القرار واعتبره قراراً خاطئاً يمس جوهر العملية التعليمية.
عندما تكون المطالبة بالحقوق والمخصصات وقطع الأراضي وزيادة الرواتب، نرى البيانات النارية، والاحتجاجات، والاعتصامات، والتهديد بالإضراب. وهو حق مشروع لهم.
لكن عندما يتعلق الأمر بقرار يمس الطالب بشكل مباشر، ويهدر 3 أسابيع من عمره التعليمي، يسود صمت أصحاب القبور. لماذا؟
لأن ثقافة كثيرة منا حولت التعليم من رسالة إلى وظيفة. المعلم الذي يفرح بالتأجيل لأنه يمنحه 20 يوماً إضافية من الراحة، هو نفسه الذي سيشتكي لاحقاً من عدم كفاية الوقت لإكمال المنهج. التناقض هنا صارخ.
كان المنتظر من النقابة أن تكون هي أول من يدافع عن انتظام الدوام وقدسيته، لا أول من يصمت عليه.
4. ما الحل؟
المشكلة ليست في التأجيل لمرة واحدة، بل في المنهجية.
أولاً: نحتاج إلى قانون للتقويم التربوي الثابت. يصدر بقانون لا يملك الوزير صلاحية تغييره إلا بموافقة مجلس الوزراء ولظرف قاهر.
ثانياً: معالجة جذرية لامتحانات الدور الثاني. لماذا تنتهي في أيلول أصلاً؟ في كل العالم الدور الثاني في آب. يجب أن تنتهي جميع الامتحانات قبل 1 أيلول.
ثالثاً: الاستثمار الحقيقي في الأبنية المدرسية. حجة الحر لا تُحل بالتعطيل، بل بالتبريد والمراوح والكهرباء. لا يمكن أن نعطل بلداً كاملاً لأن الصف حار.
رابعاً: على وزارة التربية أن تعلن بوضوح: هل سيتم تقليص المناهج هذا العام بسبب التأجيل؟ وإذا كان الجواب نعم، فمن يتحمل مسؤولية هذا التقليص أمام الأجيال القادمة؟
التربية ليست مجرد وزارة تفتح المدارس وتغلقها. التربية هي مصنع المستقبل. وعندما يبدأ مصنع المستقبل عمله بالعطلة، فلا تسأل بعد ذلك لماذا منتجاته متأخرة.
إن احترام الموعد هو احترام للطالب. وما لم نتعلم احترام الوقت، سنبقى نبحث كل عام عن شماعة جديدة لتبرير الحذف والتكثيف وضياع جيل كامل بين عطلة وتأجيل.





