رياض سعد
لحظة موت
اقتحم الغبار غرف الدار بلا استئذان، كأنه يعرف الطريق إلى صدري أكثر من الهواء نفسه.
في لحظات قليلة صار كل شيء رماديًا: الجدران، الأنفاس، وحتى الضوء الذي كان يتسلل من النافذة بدا متعبًا، كأنه يزحف بدل أن يسقط.
لم أكن واقفًا على قدميّ كما يجب، كنت أتمايل داخل جسدي كغريبٍ فقد عنوانه.
دار بي البيت، أو ربما دارت بي الرئتان، لا فرق في زمن الاختناق.. , نوبات الربو كانت تعلن حضورها كجنود قدامى، يطرقون باب الصدر بلا رحمة، والدهر يضع يده على عنقي بصبر بارد.
قلت لنفسي إن عليّ أن أخرج.. , أي خروج، حتى لو كان إلى حدّ الفقد.. ؛ أوقفت سيارة أجرة في الشارع العام.. , كان السائق ينظر إليّ بسرعة، كأنه يفهم أن في صدري شيئًا لا يحتمل التأجيل.
قلت بصوت متقطع:
— إلى مستشفى ابن النفيس.
تحرك.. , لم يسأل كثيرًا.. , وكأن السيارات تعرف أحيانًا أنها لا تنقل جسدًا فقط، بل تنقل شيئًا على حافة الانطفاء.
في الداخل، بدأت الأزمنة تنكسر.
الدقائق لم تعد دقائق.. , تمددت كأنها خيوط ضوء سقطت من عالم آخر.. ؛ الشارع من النافذة صار شريطًا باهتًا، والوجوه تمر كظلال لا تكتمل.
كل شيء كان يحدث ببطءٍ مريب، أو بسرعة لا يمكن إدراكها، كأن الزمن نفسه فقد توازنه أمام اختناقٍ بسيط في الرئة.
كنت أسمع أشياء لا علاقة لها بالسيارة: صوت البيت، ضحكات بعيدة، أسماء لم أعد متأكدًا أنها لي.. , حتى جسدي بدأ يبدو فكرةً قديمة، لا ضرورة لها الآن.
ثم جاء السؤال، كطعنة هادئة:
كيف أفعل كل هذا…؛ وأنا في غيبوبة وجودية محضة؟
لم يكن هناك جواب.. , فقط ذلك الإحساس بأنني أقف خارج نفسي، أراقب رجلاً يشبهني وهو يتهاوى ببطءٍ في الخارج .
عند المستشفى، تداخلت الوجوه: ممرضة، طبيبة، أصوات مستعجلة، أبواب تُفتح وتُغلق كأنها تحاول منع شيء من الهروب أو الدخول.. ؛ لكنني لم أعد في قلب المشهد تمامًا.. ؛ كنت على الحافة، حيث الصوت يصل متأخرًا، وحيث الألم لا يكتمل.
تدلت يداي بلا قرار، وتخشبت قدماي، وجحظت عيناي كأنهما تبحثان عن تفسير أخير في الهواء.. ؛ كل ما كنت أعرفه يتراجع خطوة خطوة: الاسم، البيت، العمل، حتى فكرة “أنا”.
وفي تلك اللحظة، لم يعد الجسد ملكي.
كان مسجّى على سرير أبيض، مثقلاً بنوبات الربو وضربات الدهر، مستسلمًا إلى حدّ السُكر.. ؛ أما أنا… , فكنت أعلى قليلًا، أو أبعد قليلًا، أراه – من عل – كما يُرى شيء انتهى للتوّ دون أن يفهم لماذا.
لم أشعر بالحزن.. , ولا بالخوف.
فقط دهشة هادئة، كأنني أكتشف أن الحياة لم تكن سوى طريقة طويلة جدًا في التنفس… ؛ وأنها الآن، أخيرًا، توقفت.