اسم الكاتب : رياض سعد
الجار الكلب والكلب الجار
كان الصباح ثقيلاً على غير عادته.
استفاقت أمُّ علي مذعورة، كأن أحداً انتزعها من حلمٍ سيئ وترك قلبها معلقاً في الظلام… ؛ جلست على فراشها الخشن، وضعت يدها على صدرها وهي تلهث، ثم نادت بصوت مرتبك:
— علي…!
لم يجبها أحد.
في الغرفة المجاورة كانت ابنتها الكبرى، فاطمة، تُعد الشاي على موقد النفط الصغير… ؛ رائحة الدخان امتزجت برائحة الرطوبة التي لم تغادر البيت منذ سنوات الحصار والحروب.
قالت فاطمة:
— أمي… علي خرج منذ الصباح.
رفعت أم علي رأسها بسرعة:
— إلى أين؟
— مروان مرَّ عليه باكراً… ؛ قالا إنهما سيذهبان ليلعبا قرب الساقية.
سكتت الأم قليلاً، ثم سألت:
— وهل تناول فطوره؟
هزّت فاطمة رأسها:
— لم يمسّه.
تنهدت أم علي بحرقة… ؛ منذ موت زوجها في الحرب الأخيرة، صار علي كل ما تبقى لها من الرجال… ؛ خمس بنات وطفل وحيد تتعلق به كما يتعلق الغريق بخشبة نجاة.
اقتربت من النافذة.
الزقاق بدا شاحباً تحت شمس الشتاء الباهتة ؛ الجدران المثقوبة بالرصاص ما تزال تحمل آثار المعارك التي مرّت على الحي قبل شهور ، والناس صاروا يتحدثون همساً، كأن الخوف بقي ساكناً في الحناجر حتى بعد توقف القتال.
مرّ الوقت ثقيلاً.
الظهيرة حلّت، ثم العصر، وعلي لم يعد.
بدأ القلق يأكل قلبها ببطء… ؛ جمعت بناتها حولها، وسألت كل واحدة إن كانت تعرف شيئاً… , لكن الإجابات كانت متشابهة، باردة، وعاجزة.
خرجت أخيراً إلى بيت جارها الحاج أبو عمر.
كان أبو عمر رجلاً ستينياً، عركته الحروب مثلما تعرك الريح أبواب البيوت القديمة… ؛ في السنوات الماضية تقاسم مع زوجها الخبز والخوف والملاجئ… , وحين مات أبو علي بقذيفة طائشة، وقف أبو عمر في مجلس العزاء باكياً أكثر من إخوة الميت أنفسهم.
طرقَت الباب بعنف.
خرج أبو عمر مرتبكاً:
— خير أم علي؟
قالت بصوت متقطع:
— علي خرج مع مروان ولم يرجع.
التفت الرجل نحو الداخل:
— مروان! تعال يا ولدي.
خرج مروان متردداً، عيناه تهربان من النظر مباشرة.
— أين علي؟
قال الصبي:
— كنا نلعب قرب الساقية … ثم قال إنه ذاهب وحده.
تجمد وجه أم علي.
كانت تعرف علي جيداً… ؛ لم يكن من الأطفال الذين يذهبون وحدهم.
في تلك اللحظة، خرج من داخل البيت رجل غريب , طويل، نحيف، بلحية كثيفة ووجه متعب كأن النوم لم يعرف طريقه إليه منذ زمن , تبادل همسة سريعة مع أبو عمر , كانت لهجته سعودية ، ثم غادرا معاً في سيارة قديمة متربة.
راقبتهما أم علي بصمت.
شيءٌ غامض انقبض داخلها… ؛ ليس خوفاً واضحاً، بل ذلك الإحساس الذي يسبق الكارثة، كأن الروح ترى ما تعجز العين عن رؤيته.
مرّ اليوم الأول بلا أثر.
ثم اليوم الثاني.
الحي كله بدأ يبحث عن الطفل , بعض الرجال فتشوا أطراف البساتين المهجورة، وآخرون سألوا عند الحواجز ومراكز الشرطة والمستشفيات.
لكن أحداً لم يجد شيئاً.
في الليل، كانت أم علي تجلس قرب الباب المفتوح تنتظر… ؛ أحياناً كانت تظن أنها سمعت خطواته في الزقاق، فتقف مذعورة، ثم تكتشف أن الريح وحدها تمرّ بين البيوت.
أما أبو عمر، فصار أكثر صمتاً.
وجهه شاحب، وعيناه غارقتان في قلق ثقيل… ؛ زوجته لاحظت أنه لم يعد يأكل جيداً، وأنه يخرج ليلاً كثيراً نحو البستان خلف الدار.
في الحي، بدأت الهمسات القديمة تعود.
الحرب الأهلية انتهت رسمياً، لكن الناس لم ينسوا كيف كان الجار يختفي فجأة، وكيف كانت الجثث تظهر في البساتين والأنهر وعلى الأرصفة… ؛ كانوا يعرفون أن الحرب لا تنتهي حين تصمت البنادق، بل حين تتوقف الكراهية عن السكن في القلوب.
في مساء اليوم الثالث، ظهر كلب أبو عمر عند باب بيت أم علي.
كان كلباً أشهب هرماً، اعتاد أن ينام قرب عتبة دارها لأن أم علي كانت تطعمه بقايا الطعام كل ليلة.
وقف الكلب هذه المرة مضطرباً.
يدور حول نفسه، يئن، ثم يقترب من الباب ويتراجع.
انتبهت فاطمة إلى شيء في فمه.
قطعة قماش صغيرة.
صرخت:
— أمي…!
اقتربت أم علي بيدين مرتجفتين.
كانت قطعة من قميص علي الأزرق.
وعليها بقع دم داكنة.
شهقت المرأة كأن سكيناً اخترقت صدرها دفعة واحدة، ثم سقطت على الأرض.
أما الكلب، فظل يعوي، ثم ركض مبتعداً نحو البستان خلف بيت أبو عمر.
تبعتْه النسوة، ثم لحق بهن الرجال.
كان الغروب يبتلع آخر الضوء حين وصلوا إلى هناك.
وقف الكلب قرب شجرة رمان يابسة، وبدأ يحفر التراب بجنونه الحيواني الحزين.
اقترب الرجال.
ومع أول ضربة مجرفة، ظهرت رائحة الموت.
بعد دقائق، بان طرف ذراع صغيرة.
ثم ظهر جسد علي كاملاً.
كان مدفوناً على عجل، كأن القاتل أراد أن يخفي جريمته قبل أن يخفي خوفه.
ساد صمت ثقيل.
الجميع التفت نحو بيت أبي عمر.
لكن أبا عمر لم يكن هناك.
اختفى.
ولم يعثروا عليه أبداً.
بعضهم قال إنه هرب مع جماعة مسلحة كانت تمرّ بالمنطقة أيام الفوضى.
وبعضهم قال إنه لم يكن قاتلاً، بل خائفاً تستّر على جريمة ارتكبها ذلك الغريب السعودي الذي استضافه في بيته.
أما أم علي، فلم تهتم بكل ذلك.
كانت تجلس كل مساء عند الباب، وبقربها الكلب الأشهب.
تحدق طويلاً في الزقاق الخالي، ثم تتمتم بصوت مكسور:
— حتى الكلاب بقي فيها قلب… أما الناس، فأكلتهم الحرب... ؛ يمه علاوي يمه .