الكاتب : فاضل حسن شريف
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله تعالى عن أمة “وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ” ﴿النمل 83﴾ الفوج كما ذكره الراغب الجماعة المارة المسرعة، والإيزاع إيقاف القوم وحبسهم بحيث يرد أولهم على آخرهم. وقوله: ويوم نحشر منصوب على الظرفية لمقدر والتقدير واذكر يوم نحشر والمراد بالحشر هو الجمع بعد الموت لأن المحشورين فوج من كل أمة ولا اجتماع لجميع الأمم في زمان واحد وهم أحياء، ومن في قوله: من كل أمة للتبعيض، وفي قوله: ممن يكذب للتبيين أو للتبعيض. والمراد بالآيات في قوله: يكذب بآياتنا مطلق الآيات الدالة على المبدأ والمعاد ومنها الأنبياء والأئمة والكتب السماوية دون الساعة وما يقع فيها وعند قيامها ودون الآيات القرآنية فقط لأن الحشر ليس مقصورا على الأمة الإسلامية بل أفواج من أمم شتى. ومن العجيب إصرار بعضهم على أن الكلام نص في أن المراد بالآيات هاهنا وفي الآية التالية هي الآيات القرآنية قال: لأنها هي المنطوية على دلائل الصدق التي لم يحيطوا بها مع وجوب أن يتأملوا ويتدبروا فيها لا مثل الساعة وما فيها انتهى. وفساده ظاهر لأن عدم كون أمثال الساعة وما فيها مرادة لا يستلزم إرادة الآيات القرآنية مع ظهور أن المحشورين أفواج من جميع الأمم وليس القرآن إلا كتابا لفوج واحد منهم. وظاهر الآية أن هذا الحشر في غير يوم القيامة لأنه حشر للبعض من كل أمة لا لجميعهم وقد قال الله تعالى في صفة الحشر يوم القيامة: “وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا” (الكهف 47). وقيل: المراد بهذا الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لجميع الخلق فهو حشر بعد حشر. وفيه أنه لوكان المراد الحشر إلى العذاب لزم ذكر هذه الغاية دفعا للإبهام كما في قوله تعالى: “وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا” (فصلت 19-20) مع أنه لم يذكر في ما بعد هذه الآية إلا العتاب والحكم الفصل دون العذاب والآية كما ترى مطلقة لم يشر فيها إلى شيء يلوح إلى هذا الحشر الخاص المذكور ويزيدها إطلاقا قوله بعدها: حتى إذا جاءوا فلم يقل: حتى إذا جاءوا العذاب أو النار أو غيرها. ويؤيد ذلك أيضا وقوع الآية والآيتين بعدها بعد نبإ دابة الأرض وهي من أشراط الساعة وقبل قوله: ويوم ينفخ في الصور إلى آخر الآيات الواصفة لوقائع يوم القيامة، ولا معنى لتقديم ذكر واقعة من وقائع يوم القيامة على ذكر شروعه ووقوع عامة ما يقع فيه فإن الترتيب الوقوعي يقتضي ذكر حشر فوج من كل أمة لوكان من وقائع يوم القيامة بعد ذكر نفخ الصور وإتيانهم إليه داخرين. وقد تنبه لهذا الإشكال بعض من حمل الآية على الحشر يوم القيامة فقال: لعل تقديم ذكر هذه الواقعة على نفخ الصور ووقوع الواقعة للإيذان بأن كلا مما تضمنه هذا وذاك من الأحوال طامة كبرى وداهية دهياء حقيقة بالتذكير على حيالها ولو روعي الترتيب الوقوعي لربما توهم أن الكل داهية واحدة. وأنت خبير بأنه وجه مختلق غير مقنع، ولوكان كما ذكر لكان دفع توهم كون الحشر المذكور في الآية في غير يوم القيامة بوضع الآية بعد آية نفخ الصور مع ذكر ما يرتفع به الإبهام المذكور أولى بالرعاية من دفع هذا التوهم الذي توهمه. فقد بان أن الآية ظاهرة في كون هذا الحشر المذكور فيها قبل يوم القيامة وإن لم تكن نصا لا يقبل التأويل.
وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قال الله تعالى عن أمة “وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ” ﴿النمل 83﴾ (والحشر) معناه إخراج جماعة ما من مقرّها والسير بها نحو ميدان الحرب أو غيره و(الفوج)، كما يقول الراغب في المفردات: الجماعة التي تتحرك بسرعة. وأمّا (يوزعون) فمعناه حبس الجماعة وإيقافها حتى يلحق الآخر منها بالأوّل. وهذا التعبير يطلق عادة على الجماعات الكثيرة، نظير ما قرأنا في شأن جنود سليمان في هذه السورة ذاتها. فبناءً على هذا يستفاد من مجموع الآية أن يوماً سوف سيأتي يحشر الله فيه من كل أُمّة جماعة، ويهيؤهم للحساب والجزاء على أعمالهم. والكثير من الأعاظم يعتقدون بأنّ هذه الآية تشير إلى مسألة الرجعة وعودة جماعة من الصالحين وجماعة من الطالحين إلى هذه الدنيا قبيل يوم القيامة لأنّ التعبير لوكان عن القيامة لم يكن قوله (نحشر من كل أُمّة فوجاً) صحيحاً. إذ في القيامة يكون الحشر عاماً للجميع، كما جاء في الآية (47) من سورة الكهف قوله تعالى: “وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا” (الكهف 47). والشاهد الآخر على أنّ الآيات هذه تتحدث عمّا يقع قبيل القيامة، هو أن الآيات التي قبلها كانت تتحدث عن الحوادث التي تقع قبل القيامة، والآيات التي تلي الآيات محل البحث تتحدث عن الحوادث التي تقع قبيل القيامة أيضاً. فمن البعيد أن تتحدث الآيات السابقة واللاحقة عن ما يقع قبل القيامة، وهذه الآيات محل البحث فقط تتحدث عن ما يقع في يوم القيامة. وهناك روايات كثيرة في هذا الصدد عن مسألة الرجعة سنتناولها في البحوث القادمة إن شاء الله، إلاّ أن المفسّرين من أهل السنة يعتقدون أن الآية ناظرة إلى يوم القيامة، وقالوا: إنّ المراد بالفوج هو إشارة إلى رؤساء الجماعات وأئمتهم وأمّا عدم الإنسجام بين الآيات الذي يُحدثه هذا التّفسير، فقالوا: إنّ الآيات بحكم التأخير والتقديم، فكأن الآية (83) حقّها أن تقع بعد الآية (85). إلاّ أنّنا نعلم أن تفسير الفوج بالمعنى الآنف الذكر خلاف الظاهر، وكذلك عدم انسجام الآيات بأنّها في حكم التأخير والتقديم هو خلاف الظاهر أيضاً.
جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: وأمة على ثمانية أوجه، أمة جماعة قال تعالى: “أمة من الناس يسقون” (القصص 22) والأصل فيها المقصد وسمي بها الجماعة لأن الفرق تأتمها. وأمة: أتباع الأنبياء كما يقال: نحن من أمة محمد صلى الله عليه وآله، وأمة رجل جامع للخير يقتدى به قال: “إن إبراهيم كان أمة قانتا لله” (النحل 120) وأمة: دين وملة قال تعالى: “إنا وجدنا آباءنا على أمة” (الزخرف 22) (الزخرف 23) وقال تعالى: * (لولا أن يكون الناس أمة واحدة” (الزخرف 23) أي لولا أن يجتمعوا على الكفر لجعلنا الآية، وأمة: حين وزمان قال تعالى: “إلى أمة معدودة” (هود 8) وقال تعالى: “وادكر بعد أمة” (يوسف 45) أي حين، وأمة قامة: يقال فلان حسن الأمة أي القامة، وأمة: رجل منفرد بدينه لا يشركه فيه أحد، وأمة: أم يقال إن الأمهات للناس والأمهات للبهائم قال تعالى: “يابنؤم لا تأخذ بلحيتي” (طه 94) وقال تعالى: “وأزواجه أمهاتهم” (الاحزاب 6) أي في تحريم النكاح كما قال “ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا” (الاحزاب 53) وليس بأمهات على الحقيقة وأصل كل شئ أمه، و “أم القرى” (الانعام 92) (الشورى 7) أصل القرى يعني مكة لأن الأرض دحيت من تحتها فكأنها تولدت منها ولأنها قبلة لأهل القرى ومحجهم ولأنها أعظم القرى شأنا، و “لتنذر أم القرى” (الانعام 92) (الشورى 7) أي أهل أم القرى، و “أم الكتاب” (ال عمران 7) (الرعد 41) (الزخرف 4) أصل الكتاب يعني اللوح المحفوظ، وأم الكتاب: سورة الفاتحة وسميت أما لأنها أوله وأصله ولأن السور تضاف إليها ولا تضاف هي إلى شئ و “في أمها رسولا” (القصص 59) أي معظمها، ولم الطريق: معظمه، و “فأمه هاوية” (القارعة 7) يعني جهنم سميت اما لان الكافر يأوي إليها فهي له كالأم أي كالأصل.
جاء في موقع مؤسسة تراث الشهيد الحكيم عن مفهوم الامة في السياق القرآني للدكتور محمد جعفر العارضي: الأمَّة: جماعة تجتمع على أمر ما، من دين، او مكان،او زمان. وردت لفظة (الأُمَّة) في القرآن الكريم في دلالتها الاجتماعية (56 مرة. وعلى الرغم من تعدد السياقات التي تحتوي هذه اللفظة، وكثرة تفريعاتها، ومن ثمَّ كثرة دلالاتها، الا إنَّنا نجد السيد محمد باقر الحكيم قدس سره قد أدار هذا التعدد السياقي وعالجه معالجة شاملة منتجة، فبدا ممهدا تارة، و مستنتجا تارة اخرى فتناول مفهوم (الأُمَّة) بلحاظين هما: تناوله بلحاظ دلالته على البعد الاجتماعي المجرد، بمعنى دلالته على (مجرد الجماعة) البشرية (التي تربطها رابطة الاجتماع). و من ذلك قوله تعالى: “نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (النحل 92) وورد لفظ الامة في: النساء: 41، الانعام: 42، 48، الاعراف: 160، 168، يونس: 47، النحل: 36، 63، 84، 89، المؤمنون: 44، النمل: 83 “وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ” (النمل 83)، القصص: 23، 75، العنكبوت: 18، فاطر: 24، غافر: 5.. وتناوله بلحاظ دلالته على البعد المعنوي و الفكري للجماعة البشرية.