الكاتب : الدكتور ابو عبد الدليمي
—————————————
هل سلّمت أمريكا العراق إلى إيران بعد 2003؟
بقلم / د. ابو عبد الدليمي
منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، لم تهدأ التساؤلات حول طبيعة الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في إعادة تشكيل العراق، وحجم النفوذ الذي حصلت عليه إيران في ظل هذا التحول الجيوسياسي. وبينما لا توجد وثائق رسمية تؤكد “تسليم” العراق لطهران، فإن الوقائع على الأرض، والتطورات السياسية والأمنية، توحي بأن إيران حصدت مكاسب استراتيجية كبرى في ظل الغياب أو التراخي الأمريكي بعد الاحتلال.
الفراغ السياسي بعد الاحتلال
بعد الاحتلال، عمدت الإدارة الأمريكية إلى حل الجيش العراقي ومؤسسات الدولة، وفتحت الباب لعودة معارضي النظام السابق، ومعظمهم من قوى شيعية كانت على صلة وثيقة بإيران، مثل حزب الدعوة الإسلامية، والمجلس الأعلى الإسلامي، ومنظمة بدر. هذا القرار أدّى إلى تفريغ الدولة من أجهزتها الأمنية والسياسية، وخلق بيئة مناسبة لتغلغل النفوذ الإيراني، سياسيًا وعسكريًا.
الصعود الإيراني عبر الأحزاب والفصائل
إيران لم تُضِع الفرصة. فقد عملت على دعم الأحزاب الشيعية المقربة منها، وساعدت على تسليح وتدريب فصائل مسلحة أصبحت لاحقًا جزءًا من “الحشد الشعبي”. هذه القوى، الممولة إيرانيًا، باتت تملك تأثيرًا كبيرًا على القرار السيادي العراقي، وتحولت من مجرد فصائل مقاومة إلى أذرع سياسية وعسكرية مؤثرة في بنية الدولة.
السكوت الأمريكي أم الموافقة الضمنية؟
الكثير من التحليلات ترى أن الولايات المتحدة، رغم إدراكها لتزايد نفوذ طهران، اختارت الصمت أو التواطؤ أحيانًا، لأسباب استراتيجية. فبعد فشل مشروع الديمقراطية في العراق، وارتفاع كلفة الاحتلال، ربما رأت واشنطن أن إيران قادرة على لعب دور في “استقرار” العراق، ولو ضمن إطار مذهبي يحقق توازنًا مع القوى السنية أو الكردية.
شهادات وتصريحات تكشف عمق النفوذ
• صرّح علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني السابق، في عام 2015 بأن “بغداد عاصمة الإمبراطورية الإيرانية”، في إشارة واضحة إلى طموحات طهران التوسعية في العراق.
• كشفت تقارير عديدة عن لقاءات بين قادة فصائل عراقية ورجال دين وسياسة إيرانيين، حيث يتم التنسيق حول تشكيل الحكومات، وتحديد السياسات العامة.
• في 2025، طرح نواب أمريكيون مشروع قانون تحت عنوان “تحرير العراق من إيران”، ما يعكس قناعة واشنطن بعمق الهيمنة الإيرانية على القرار العراقي.
النتيجة: نفوذ بلا حدود
رغم تواجد القوات الأمريكية في العراق، فإن طهران أصبحت اللاعب الأكثر نفوذاً، سواء في تعيين رؤساء الحكومات، أو في توجيه السياسات الاقتصادية، أو حتى عبر ميليشيات تملك سلطة تتفوق على الجيش في بعض المناطق. بعض كبار القضاة العراقيين، مثل رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، وُجهت لهم اتهامات بعلاقات مشبوهة مع شخصيات إيرانية وفصائل مسلحة، ما يعكس تغلغل التأثير الإيراني حتى في المؤسسات القضائية.
في النهاية: تسليم غير معلن
لم تسلّم أمريكا العراق إلى إيران رسميًا، لكن قراراتها وسلوكها بعد عام 2003 مهّدت الطريق لهذا النفوذ الواسع. من خلال خلق فراغ سياسي، والسماح بصعود قوى موالية لطهران، وتجاهل النشاط الإيراني في دعم الميليشيات، تركت الولايات المتحدة العراق عرضة لهيمنة إقليمية أعادت تشكيله على أسس طائفية ومحاصصية. اليوم، العراق لا يزال يدفع ثمن ذلك التحول.