عماد ياسين الزهيري
١.نظرية “دوهيه” الإيطالي وسيادة القوة الجوية في الحرب تُعدّ نظرية الجنرال الإيطالي جوليـو دوهيه (Giulio Douhet) من أبرز النظريات العسكرية في القرن العشرين التي أرست مفهوماً جديداً لسيادة القوة الجوية في ميدان الحرب. وُلد دوهيه عام 1869، وكان ضابطاً في الجيش الإيطالي، وعُرف بتحليلاته الاستراتيجية التي تجاوزت الفكر التقليدي القائم على الجيوش البرية والبحرية.
٢.جوهر نظرية دوهيه
في كتابه الشهير “السيطرة على الجو (The Command of the Air) الصادر عام 1921، طرح دوهيه فكرته الجذرية التي مفادها (من يملك السيطرة على الجو يملك القدرة على شل حركة العدو وتدمير قدرته على المقاومة دون الحاجة إلى صراعات برية مرهقة) ركّز دوهيه على أن القصف الاستراتيجي من الجو، وخصوصاً ضرب مراكز القيادة والاقتصاد والبنية التحتية في عمق العدو، سيؤدي إلى انهياره السريع وإرغامه على الاستسلام كما دعا إلى إنشاء قوة جوية مستقلة عن الجيش والبحرية، بحيث تكون الذراع الأولى والأهم في الحرب، وليس فقط أداة دعم.
٣.أقوال قادة الحرب عن تأثير القوة الجوية وفعاليتها .
أثبتت العقود التالية صحة كثير من أطروحات دوهيه، وتجلى ذلك في الحرب العالمية الثانية وحروب القرن العشرين، وعبّر كبار القادة العسكريين عن أهمية سلاح الجو.
أ.ونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا في الحرب العالمية الثانية).لم يحدث قط في ميدان الصراع البشري أن دان الكثيرون بهذا القدر للقليلين في إشارة إلى طياري سلاح الجو الملكي البريطاني الذين دافعوا عن بريطانيا في معركة بريطانيا عام 1940).
ب.دوايت أيزنهاور (القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا) .لو لم نكن نسيطر على الجو في يوم الإنزال في نورماندي، لفشلت العملية بأكملها في إشارة إلى أهمية السيطرة الجوية في 6 يونيو 1944
ج.هربرت آرنولد (قائد القوات الجوية الأمريكية في الحرب العالمية الثانية).الحرب المقبلة ستحسم في الجو قبل أن تُحسم على الأرض.
٤.تطبيقات واقعية لأفكار دوهيه
أ.في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)استخدام القصف الجوي الاستراتيجي بكثافة من قبل الحلفاء ضد ألمانيا واليابان، كما في قصف دريسدن وهيروشيما حيث أثبت فاعلية القوة الجوية في تقصير أمد الحرب.
ب.حرب الخليج الثانية (1991).بدأت الحملة الجوية لقوات التحالف بقصف مراكز القيادة والسيطرة العراقية وشلت قدرتها الدفاعية قبل بدء التقدم البري مما أثبت أن السيطرة الجوية أصبحت مفتاح النصر السريع.
٥.خلاصة نظرية دوهيه كانت ثورية في زمنها واليوم تُعد من الأسس العقائدية في جميع القوات الجوية الحديثة لقد غيّرت مفاهيم الحروب إلى الأبد، حيث لم تعد القوة الجوية مجرد دعم للمعركة، بل أصبحت أداة الحسم الأولى وكما قال دوهيه (من يسيطر على السماء، يمكنه أن يقرر من ينتصر على الأرض)
وطورت مدارس الفكر وفن وعلم الحرب درجات السيطرة على السماء حيث تُعد من المفاهيم الأساسية في العقيدة الجوية، وتُعرف بتسميات ومراحل محددة تختلف تفصيلاً بين المدرسة الغربية (خصوصاً الأمريكية والناتو) والمدرسة الشرقية (الروسية/السوفيتية)، لكن المفهوم العام واحد: السيطرة على المجال الجوي تُكسب الجيوش حرية العمل وتمنع العدو من استخدام السماء.
أ.المدرسة الغربية (الناتو – أمريكا)
تعتمد على ثلاث درجات رئيسية من السيطرة الجوية.
اولا.السيادة الجوية (Air Supremacy) وهي أعلى درجة وتعني أن قوات العدو عاجزة تماماً عن التدخل الجوي الفعال ومثال على ذلك سيطرة التحالف على سماء العراق في حرب الخليج 1991.
ثانيا .التفوق الجوي (Air Superiority).
وتمثل مستوى متقدم، لكن العدو قد يمتلك قدرات جزئية أو محدودة للتدخل ويتطلب استمرار العمليات الدفاعية والهجومية للحفاظ عليه وخير مثال (معركة العاصفة في الصحراء في المراحل الأولى)
ثالثا.الإنكار الجوي أو النزاع الجوي (Air Parity / Air Denial) وتمثل حالة الصراع أو التعادل وتتميز بان لا أحد يملك السيطرة الكاملة، والسماء ساحة اشتباك متبادل وتحدث غالباً في مراحل أولى من الحرب أو عندما تكون قوات الدفاع الجوي قوية.
ب.المدرسة الشرقية (الروسية/السوفيتية)
تعتمد مفهوماً قريباً لكنه يُصاغ بصيغة مختلفة، مع تركيز أكبر على الدفاع الجوي كثقل استراتيجي:
اولا.السيطرة الجوية الكاملة وتمتاز بالتعادل في السيادة الجوية الغربي ويُنظر لها كمحصلة لمزيج من الطيران الحربي والدفاعات الجوية بعيدة المدى.
ثانيا .السيطرة الجوية المؤقتة أو الموضعية وتمتاز بالتعادل التفوق الجوي ويتم تحقيقها في مناطق أو جبهات معينة لفترة زمنية محدودة لدعم عمليات هجومية.
ثالثا.الصراع على السماء وهو مرحلة صراع مفتوح، لا أحد يملك الغلبة وتُدار من خلال تناوب الغارات، نشر الدفاعات، والتشويش الإلكتروني
٦.نظرية الردع الاستراتيجي الايرانيه .
أسست ايران نظرية ردع أستراتيجي لايجاد نوع من التوازن بجميع مستويات فن وعلم الحرب ( التعبوي ،العملياتي ،الاستراتيجي )في تصنيع أجيال من صواريخ أرض – أرض ويمكن تلخيصها بما يأتي
أ.بالستية (Ballistic Missiles):
تطير عبر قوس بالستي (مثل قذيفة) وتخرج من الغلاف الجوي جزئياً ثم تعود لتضرب الهدف. يمكن أن تكون أحادية الرأس و متعددة الرؤوس (MIRV) ونووية أو تقليدية
ب.صواريخ كروز (Cruise Missiles):
تطير بشكل منخفض وبمسار موجه يشبه الطائرات بدون طيار، مثل (توماهوك الأمريكي و كاليبر الروس سومار الإيراني)
ج.صواريخ انزلاقية فرط صوتية (Hypersonic Glide Missiles) وتمثل الجيل الجديد من الصواريخ القادرة على المناورة بسرعات تفوق 5 ماخ مثل آفانغارد الروس DF-ZF الصيني وشهاب ٣ وفاتح ٣ وخرمشهر
٧.تأثير الصواريخ أرض – أرض على السماء في الحرب.
رغم أن هذه الصواريخ لا تُقاتل في السماء مباشرة مثل الطائرات أو الدفاعات الجوية، إلا أن تأثيرها الاستراتيجي والجوي ضخم، ويشمل أ.شلّ قواعد العدو الجوية بضربة واحدة يمكن للصاروخ تدمير مدارج أو مستودعات وقود، مما يُعطل الطائرات قبل إقلاعها.
ب.تقييد حرية العدو الجوية.
عندما يدرك العدو وجود خطر صاروخي دائم، يُقلل استخدام الطيران من مطاراته المكشوفة، ويتخذ وضعاً دفاعياً.
ج.فرض معادلة ردع جوي – أرضي.
وخير مثال كوريا الشمالية تمتلك ترسانة صواريخ تهدد قواعد الطيران الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية، دون الحاجة لطيران فعّال.
د.تفوق أرضي يُكافئ التفوق الجوي.
الدول التي لا تملك سلاح جو قوي تستخدم الصواريخ لتعويض الفارق، كما فعل العراق في حرب المدن ضد إيران (1987-1988) وكما تفعل ايران في حربها الاخيرة مع أسرائيل
هـ. خلاصة نظرية الصواريخ اكمن بانه لم يعد امتلاك السماء حكراً على الطيران، فالصواريخ أرض – أرض أصبحت تمثل “ذراع السماء من الأرض وقد قال أحد الجنرالات الروس الصاروخ الذكي يُغنيك عن سرب من الطائرات ومع تطور الذكاء الصناعي والتوجيه، أصبح هذا السلاح مفتاحاً للردع والحسم دون طيار أو اشتباك جوي مباشر مع وجود عامل مهم انها أقل كلفة وأكثر تأثير ماديا ومعنويا ويمكن ان تكون حرب روسيا واوكرانيا وحرب ايران وإسرائيل خير دليل على مصداقية هذه النظرية .
واتمنى من صناع القرار في العراق أعادة النظر في بناء قدرات الجيش العراقي وبضمنها نظرية الردع الاستراتيجي التي تتناسب مع متطلبات الامن القومي العراقي لاسيما في هذه الظروف الدولية والاقليمية التي تعصف بالمنطقة.
وحفظ الله العراق وشعبه ووحدته وجيشه العظيم .