يحيى هركي
حين تتحوّل الرواتب من حقّ مشروع إلى أداة ابتزاز سياسي، وحين يُختزل كرامة الإنسان براتبٍ لا يصل، ولا يُصرف، ولا يُحترم… فاعلم أننا لم نعد في دولة، بل في ساحة صراع مفتوح بين المركز والإقليم!
بناءً على طلب العديد من الأصدقاء والمتابعين الذين تفاعلوا مع تحليلي السابق حول أزمة الرواتب وأثنَوا عليه، وجدت نفسي مدفوعًا – رغم ضجيج الإعلام ومئات المايكروفونات – لأكتب مرة أخرى. نعم، قد لا يغيّر رأيي شيئًا أمام زحام الفضائيات وصفّارات المحللين، لكن ما قيمة الكلمة إن لم تكن في صفّ الجائع والمظلوم؟ لهذا أكتب من جديد، ليس فقط إرضاءً لمن طلب، بل لأن الصمت صار جريمة!
بعيدًا عن التصريحات الرسمية والتراشق الإعلامي، تكمن الحقيقة المظلمة لأزمة الرواتب في شبكة متشابكة من المصالح السياسية والفساد المنظم، تغطيها شعارات “حقوق الموظف” و“العدالة المالية”. في الواقع، يدرك كبار المسؤولين في بغداد وأربيل أنهم جميعًا متورطون في ملفات فساد ضخمة، ولهذا لا يجرؤ أحدهم على فضح الآخر علنًا. ففي الكواليس، يتبادل قادة الأحزاب التهديدات غير المعلنة: “إن تكلمت، سأكشف ملفاتك”. هذه المعادلة الفاسدة جعلت الصمت سيد الموقف، والموظف هو الضحية الدائمة.
والأخطر من ذلك، أن الكوادر الحزبية في كلا الجانبين يتقاضون رواتب مضاعفة تفوق بكثير رواتب الموظف البسيط، دون أن يُذكر ذلك في النقاشات الرسمية. يتم الحديث فقط عن “الموظفين المدنيين”، بينما حصّة الأسد تذهب لكوادر الأحزاب والميليشيات، وخصوصًا من ينتسبون إلى فصائل تابعة لأحزاب موالية لإيران من الجانبين السني والشيعي،.وفي المقابل، الأحزاب الكردية أيضًا متورطة حتى النخاع، ولكنها تختبئ خلف شعارات “حقوق الموظفين” و”أسر الشهداء”، بينما تأخذ الكوادر الحزبية حصة الأسد من المال.
في بغداد، تصل تقديرات غير رسمية إلى أن نسبة الفضائيين في بعض الوزارات (خصوصًا الدفاع، الداخلية، الحشد الشعبي) قد تتجاوز 25%، مع ملفات “الرفحاويين” الذين يُعتقد أن بعض العائلات تتقاضى شهريًا أكثر من 20 مليون دينار عراقي دون وجه حق.بحسب تقارير غير رسمية” وفي أربيل، الفضائيون موجودون ولكن بنسب أقل، ومعظمهم ضمن كوادر الأحزاب أو المسجلين الوهميين في الأجهزة الأمنية والحماية الخاصة.
الفساد لا يقتصر على الرواتب فقط، بل يشمل السيطرة غير المعلنة على المنافذ الحدودية. كل طرف (بغداد وأربيل) يتواطأ مع الآخر ضمن تفاهمات سرّية: “هذا المنفذ مقابل ذاك”. لا توجد رقابة فعلية على هذه المنافذ، بل تحوّلت إلى مصدر دائم للتمويل الحزبي بعيدًا عن خزينة الدولة.
والحقيقة المرة أن كِلا الطرفين يعلمان بملفات الفساد الكبرى التي تثقل ظهر هذه الأزمة، ولكن لا يجرؤ أحد منهم على النطق بها علنًا. في الاجتماعات المغلقة، يتبادل المسؤولون التهديدات والتذكير بالفضائح: “إن لم تسكت، سأُعلن ما عندك”، ولهذا لا أحد يكشف الحقيقة كاملة، ويبقى الموظف بين المطرقة والسندان. وان الأحزاب المتحالفة مع إيران، سواء شيعية أو سنية، تلعب دورًا أساسيًا في عرقلة صرف الرواتب،
اذا ماهو الحل :
تدخل دولي عاجل عبر الأمم المتحدة لمراقبة الرواتب والمنافذ الحدودية.
إنشاء نظام بيومتري موحد لكل موظف في العراق.
إخضاع رواتب الكوادر الحزبية للتدقيق المالي.
نقل ملف الرواتب إلى جهة دولية محايدة لمدة مؤقتة حتى بناء الثقة.
فرض عقوبات داخلية على الجهات التي تعرقل الرواتب.
الخلاصة:
لن تنجح بغداد إن كانت تسعى إلى إخضاع الإقليم فقط، ولن يصمد الإقليم إن استمرّ في المكابرة والفساد. الحلّ الوحيد هو: الاعتراف المتبادل بالتقصير، والتفاوض العادل قبل أن تتحول الرواتب إلى رصاصة في صدر الاتحاد الهشّ. ما لم يتم كسر دائرة الفساد الصامت بين أربيل وبغداد، فستبقى الرواتب أداة ابتزاز، وسيبقى الموظف حطبًا في نار المصالح السياسية.
لكنّ جوهر الأزمة لا يتوقف عند الفساد فقط، بل يمتدّ إلى غياب الثقة الكاملة بين الإقليم وبغداد. هذه الثقة التي انعدمت تمامًا بسبب تراكمات من الأكاذيب والمراوغات والملفات الغامضة التي يعرفها الطرفان جيدًا. حتى لو أرسلت بغداد كامل ميزانية العراق إلى أربيل، فستظلّ أربيل تقول: “هل من مزيد؟”، وإن قدمت أربيل قوائم موظفين محايدة أو راجعتها عشرات المرات، بل حتى لو تقلّص موظفو الإقليم إلى اسم واحد فقط، فإن بغداد ستظلّ تشكّ في مصداقيتها. وهنا يظهر غياب الطرف الثالث النزيه، الذي كان يمكن أن يكون الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لا تتدخل، لأن تدخّلها سيُنهي الأزمة بين أربيل وبغداد، وبالتالي ستفقد دورها ونفوذها في العراق، وهذا ما لا تريده أمريكا بطبيعة الحال. الحل ليس في صراخ الإعلام، بل في بناء نظام شفاف، يخضع فيه الجميع – من الوزير إلى أصغر موظف – للمساءلة. وإلا، فالقادم أخطر، ولن يبقى في العراق إلا الموظف الجائع والمسؤول المتخم بالدولار!