الشيعة في العراق بين الخصوصية الوطنية وولاء العقيدة

ابو فراس الحمداني

الشيعة في العراق بين الخصوصية الوطنية وولاء العقيدة

رأي للنقاش ،،

لطالما شكّلت العلاقة بين شيعة العراق وإيران محور جدل وحساسية خصوصا عند الحديث عن الخط الفاصل بين الخصوصية الوطنية والانتماء العقائدي.

نحن، بلا أدنى شك، عراقيون شيعة، ونفتخر بإيران الثورة، بإيران الجمهورية الإسلامية، بإيران التي تمثل لنا عمقًا عقائديًا وروحيًا

عندما تعرضنا للاضطهاد الطائفي في ظل نظام البعث الساقط، لم نجد مَن يساندنا سوى إيران.

وعندما فُرض الحصار على العراقيين، كانت إيران الجهة الوحيدة التي كسرت الحصار، وهربت النفط، وأدخلت المواد الغذائية للعراقيين، رغم وجود عدوهم اللدود على رأس السلطة.

وعندما هاجمتنا داعش، لم نجد من يمدّنا بالسلاح والرجال بصدق سوى إيران، في حين كانت معظم دول المنطقة تقف في الخندق المعادي.

من هنا، نشأت علاقة خاصة بين الشيعة في العراق والشيعة في إيران، علاقة تاريخية ومعنوية متينة.

لكن أحيانًا، لا يستطيع البعض التمييز بين مصلحة الشيعة العراقيين ومصلحة الدولة الشيعية في إيران.

بعبارة أدق، كيف يمكننا كعراقيين موالين عقائديًا لمدرسة آل البيت أن نرسم خطًا واضحًا بين الولاء الديني والانتماء الوطني؟

نعم، نحن نحب إيران، لكننا نحب العراق أكثر.

نحن موالون عقائديًا، ولكننا عراقيون أولًا.

وأعتقد أن هذه الخطوط أصبحت اليوم واضحة على المستوى الرسمي، وبدعم من معظم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي.

العراق اختار لنفسه أن يكون حليفًا للغرب، صديقًا لإيران، وهو المسار الذي يسير عليه البلد منذ سنوات.

لكن المشكلة تكمن في بعض الشركاء في الوطن، الذين يصرّون على استخدام مِسطرة طائفية لقياس الوطنية.

فبحسب رأيهم، لا تُعد وطنيًا إلا إذا كنت دونيًا وتُشتم إيران وقادتها.

هذا المنطق الساخر أنتج لنا فائق دعبول كـ”زعيم وطني” في الوسط السني، فقط لأنه يهاجم العمامة والرموز الدينية، ويشتم قيادة إيران بأسلوب لا يفعله حتى الصهاينة المتطرفون.

المشكلة أن هذا المنطق الطائفي يفتقر إلى أي مبدأ وطني حقيقي للتقييم، إذ يعتبر السني العراقي وطنيًا بالفطرة،

حتى لو دافع عن الطاغية وحاشيته،

حتى لو دعم إسرائيل علنًا،

أو كان عميلًا للسعودية وتركيا وقطر،

بل حتى لو كان داعشيًا أو تكفيريًا.

ومع ذلك، لا يُطلق عليهم لقب “ذيول” ولا يُتّهمون بالتبعية، بينما وحدهم الشيعة من تلاحقهم هذه الصفات الذميمة، بالرغم من أنهم أثبتوا وطنيتهم وانتماءهم أكثر من غيرهم في كل الأزمات.

هذا الواقع دفع بعض الشيعة إلى التطرف المضاد، فصاروا يعتبرون الشيعي الإيراني أقرب إليهم من السني العراقي، الذي يبرر قتلهم ويشكك في وطنيتهم.

وللأمانة، إيران كدولة رأت في هذا الأمر مكسبًا لها، خصوصًا في بلد مثل العراق، الذي يتسيد موقعًا استراتيجيًا في الشرق الأوسط، ويملك ثروات هائلة وطاقات بشرية ضخمة، والشيعة فيه يشكلون أغلبية سكانية.

أعترف أن هذا الملف معقد ويثير الخلاف بين اتجاهين:

اتجاه يرى في إيران قلعة الإسلام الشيعي، ويرى أن انتقادها لا يجوز في كل الأحوال، لأنها لم تفتِ بقتل العراقيين، ولم تدعم التكفيريين كما فعلت السعودية وقطر وتركيا.

واتجاه آخر يُعادي إيران بشكل مرضي لإرضاء الآخرين، ويرى أن كل مصائب العراق بسببها. وهؤلاء هم جماعة إيران بره بره ويمثلون تحالفًا غير معلن، يضم الصداميين، وصقور الطائفية السنية، وبعض الشيعة المدنيين الذين لا يؤمنون بالإسلام السياسي (هؤلاء يمكن تفهم مواقفهم)، إضافة إلى بعض الشخصيات الدونية التي تسعى لإرضاء المحيط العربي من أجل مصالحها الخاصة.

ونحن، كعراقيين شيعة، عالقون بين هؤلاء وهؤلاء.

نبحث عن مساحة وطنية تحفظ لنا خصوصيتنا كمواطنين عراقيين أولًا، دون التنازل عن انتمائنا العقائدي.

نحترم إيران كتجربة ثورية وجارة شقيقة، لكننا نحب العراق أكثر، وندافع عن مصالحه حينما تتعارض أحيانًا مع مصالح إيران.

نعتقد أن نجاح شيعة العراق في الحكم الرشيد والإدارة النزيهة سينعكس خيرًا على إيران والدول العربية كذلك.

وندعو إيران إلى أن تتحالف مع الدولة العراقية، لا مع أحزاب وشخصيات فاسدة فرّطت بمصالح شيعة العراق لصالح مصالحها الفئوية.

كما نؤمن بأن الشعبين العراقي والإيراني يجب أن تربطهما مصالح مشتركة قائمة على الاستقرار والرفاهية.

لكن إسرائيل وأمريكا وأتباعهم في الداخل العراقي لا يروق لهم هذا التقارب، ويعملون على إثارة الفتن والخصومة بين الشعبين.

لذلك، على شركائنا في الوطن أن يدركوا هذه الحقيقة، وأن يتعاملوا مع خصوصية الشيعة كما يتعاملون مع خصوصية إقليم كردستان، الذي يتمتع بعلاقات خاصة مع الغرب، وخطوط مشبوهة مع إسرائيل، دون أن تثير تلك العلاقات أي حفيظة سنّية.

باختصار،

أعتقد أن الحرب الأخيرة أفرزت واقعًا جديدًا،

فدول الخليج وقفت ضد أي اعتداء على إيران أو محاولة لإسقاط نظامها، حفاظًا على مصالحها واستقرار المنطقة في وجه تطرف اليمين الصهيوني.

وعلى حكماء العراق، من كل الطوائف، أن يبحثوا عن علاقة مستقرة مع إيران تقوم على التفاهم والثقة، بما يؤسس لعلاقة متوازنة تطمئن الشيعة العراقيين من المؤامرات الطائفية المبنية على الاستقواء بالخارج، وتتفهّم خصوصيتهم في العلاقة الإيجابية مع الجارة إيران، بعيدًا عن الخطاب التخويني .

وعلى إيران من جانبها أن تبدأ بخطوات أخرى مماثلة، لطمأنة خصومها، وإزالة التوتر، ودعم الدول الوطنية في العراق والمنطقة.