حافظ ال بشارة
ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) خالدة بخلود الإسلام، وهي تمثل عنصرًا محوريًا في تشكيل الوعي التاريخي للأمة، إذ إن التاريخ في جوهره هو سجل الصراع بين الخير والشر. وعلى امتداد العصور، خضعت البشرية – في أغلب محطاتها – لسطوة الطغيان، ولم تذق طعم العدل والاستقرار إلا في فترات قليلة وعابرة.
لذلك، نجد أن مدوّنة التاريخ تحتفظ بروايتين متضادتين:
الأولى كتبها المنصفون، توثق الثورات والانتفاضات وتضحيات الأحرار في وجه الاستبداد، والثانية توثق جرائم الطغاة وغرورهم ومحاولاتهم الدائمة لمنازعة الله في سلطانه وتأليه أنفسهم، من نمرود إلى فرعون، ومن يزيد إلى كل طاغية حديث كترامب ونتنياهو ومن على شاكلتهم.
جاء الإسلام كنقلة تاريخية كبرى في مسيرة الإنسان، حمل دعوة للتوحيد، ورسالة للعدل، وقيمًا للرحمة والكرامة. لكن قوى الردة والجاهلية لم تستسلم، بل عادت بوجه جديد، ممثلةً آنذاك في بني أمية، الذين اختطفوا السلطة وعادوا بالأمة إلى جاهليتها.
فكانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لحظة الانبعاث الحقيقي للإسلام الأصيل، وشعارها الخالد: “هيهات منّا الذلة.”وبعد ملحمة الطف الخالدة، التي سطر فيها الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه أروع صور الفداء، تسلّم الأئمة من بعده مسؤولية إحياء هذا النهج، وكانوا يعرفون جيدًا طبيعة الأمة التي خذلت الحسين، ويعون حجم جهلها وأمراضها الاجتماعية. من هنا جاء قولهم:
“أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا.”
لكن إحياء الأمر لا يكون بالشكليات ولا بالشعارات، بل لا بد من فهم هذا “الأمر” فهماً دقيقاً، ومعرفة جوهره. وهو – بوضوح – مواجهة الطغيان، وتحرير الإنسان من الذل والاستعباد، عبر مرحلتين متكاملتين:
1- الموقف السيادي الحر: كما قال الإمام:“لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد.”
2- مشروع الإصلاح: في قوله:
“إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.”
وبهذا الفهم، تتحول عاشوراء إلى وعي دائم، يجعل من كل أرض كربلاء، ومن كل يوم عاشوراء. ولا شك أن إقامة المجالس الحسينية أمر مهم في تذكير الناس وتربية الأجيال على قيم الطف، ولكن إذا تحولت هذه المجالس إلى ممارسة وحيدة معزولة عن الواقع، فإنها تصبح ناقصة القيمة، محدودة الأثر. إذ لا يكفي البكاء واللطم ما لم يُقترن ذلك بتحديد معسكر الحسين اليوم، ومعسكر يزيد اليوم. ومن لا يعرف معسكره، فبكاؤه لا وزن له.
في واقعنا الراهن، يجب أن يتصدر المنبر الحسيني مهمة التبصير بالمعركة الجارية، حيث تقف الجمهورية الإسلامية كامتداد للنهج الحسيني، في مواجهة المشروع الصهيوني – السفياني المتجسد في قوى الردة والتحالفات الغربية والعربية الرجعية. المنبر الذي يتجاهل هذه المواجهة المصيرية بين الإسلام الأصيل والإسلام المزيف، بين الكرامة والتطبيع، بين المقاومة والتخاذل، هو منبر فاشل، لم يحيي أمر الحسين، بل دفنه.
المنبر الذي يكتفي بالطقوس والعواطف دون أن يُعطي الناس البوصلة السياسية والجهادية لعاشوراء اليوم، فهو منبر مشبوه، يطمس أهداف الثورة الحسينية، ويحيلها إلى طقس شعبي بلا روح، أشبه بعرض فلكلوري لا يحرك ضميرًا ولا يوقظ أمة.