هل تعود سوريا إلى الماسونية أم أنها محاولة لتسويق حكومة ونظام جديد؟!

ناجي امهز

منذ فترة قصيرة ومع سقوط نظام بشار الاسد، تنتشر الأخبار كالنار في الهشيم عن عودة المحافل الماسونية السورية إلى النشاط، بل ويُتداول الحديث عن بناء محفل رسمي كبير في قلب دمشق. وليس ذلك وحده، بل إن التصريح العلني من أعلى مرجعية دولية، ممثلة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن رغبة سوريا في الانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، لا يبدو بريئًا، بل يُقرأ كإشارة واضحة إلى أن الماسونية تستعيد نفوذها في “سوريا الجديدة”.

فالواقع أن الاتفاقيات الإبراهيمية ليست سوى وجه من وجوه الماسونية الحديثة، إذ أن فكرة “الكيان الإبراهيمي” تعود جذورها إلى محفل المجلس الأعلى في إنجلترا وويلز عام 1918، حيث طُرحت كبديل عن وعد بلفور، وتأسست على أساس رؤية مستقبلية لمدينة القدس، بوصفها مركزًا دينيًا مشتركًا للأديان الثلاثة: اليهودية، والمسيحية، والإسلام.

ومن الجدير ذكره أن الكتب الثلاثة المقدسة (التوراة، الإنجيل، والقرآن) تُعتمد في الطقس الإيكوسي في أغلب المحافل، بينما اتجهت العديد من المحافل الفرنسية والأمريكية مع نهاية القرن الثامن عشر إلى اعتماد ما يُعرف بـ”الكتاب الأبيض” كمرجعية رمزية.

السؤال الحقيقي الذي أطرحه هنا، ليس عن سبب وجود الماسونية في العالم العربي — فهذا بات أمرًا مفروغًا منه — بل:

هل الماسونية مجرد غطاء يمنح بعض الفئات شرعية دولية؟
خصوصًا أنها — من خلال شبكتها الأخوية العالمية — تُسهّل الكثير من الأمور والبروتوكولات خلف الكواليس، خاصة التأثير الماسوني في الغرب عميقًا جدًا، بخلاف ما يتوهم بعض الكتّاب والقصّاصين العرب السطحيين، الذين يختزلون الماسونية في جمعية لشرب القهوة أو الشاي.

ومن يعتقد ان الماسونية غريبة عن العالم العربي يمكن العودة الى هذا الملخص مع اني لم اذكر ماسون لبنان لانني ربما احتاج الى الف صفحة:

على الرغم من أن أول محفل ماسوني في الدولة العثمانية تأسس في إسطنبول حوالي عام 1721، إلا أن الحظر الذي فرضه السلطان محمود الأول عام 1748، والذي ساوى الماسونية بالإلحاد، لم يمنع انتشارها. بل على العكس، وجدت الماسونية في بلاد الشام، وتحديدًا في سوريا ولبنان وفلسطين، حاضنة طبيعية ازدهرت فيها حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، لتصبح شبكة النخبة بامتياز.

كانت الماسونية في سوريا أكثر من مجرد جمعية سرية؛ لقد كانت النسيج الذي حاك الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية. فضمت قوائم أعضائها كوكبة من الشخصيات التي شكلت تاريخ سوريا الحديث، من رؤساء دول وحكومات، إلى زعامات وطنية وقادة عسكريين ومفكرين. في طليعة هذه الأسماء، يبرز الدبلوماسي المحنك فارس الخوري، الذي لم يكن مجرد عضو، بل “ماسونيًا عتيقًا” سعى لـ “سورنة” الحركة واستخدامها كأداة لمقاومة الانتداب الفرنسي، حتى أنه دفع لاعتماد نشيد “حماة الديار”، كنشيد وطني للبلاد.

وعلى الصعيد العسكري، يظهر اسم قائد الانقلابات أديب الشيشكلي، إلى جانب شخصيات مثل فوزي سلو واللواء جميل سابا، مما يوضح تغلغلها في المؤسسة العسكرية. وامتدت القائمة لتشمل معظم رؤساء الحكومات في تلك الفترة، من جميل مردم بك وحقي العظم، إلى حسني البرازي ولطفي الحفار. ولم تقتصر على السياسيين، بل ضمت زعامات فكرية بحجم الطبيب الوطني عبد الرحمن الشهبندر، وامراء دروز وغيرهم، ورجال دين مسلمين ومسيحيين، مما عكس طبيعتها العابرة للطوائف.

ولم يكن المشهد السوري معزولًا. فالتأثير العثماني كان واضحًا، حيث انضم مسؤولون أتراك مثل والي دمشق محمد رشيد باشا، والعديد من ضباط حركة “تركيا الفتاة”، وحتى الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، إلى محافل بلاد الشام التي كانت تُعتبر مساحة آمنة للنشاط السياسي.

وفي موازاة ذلك، كانت مصر تشهد ظاهرة مماثلة، بل وربما أعمق. فقد حظيت الماسونية برعاية من العائلة الحاكمة، حيث تولى الخديوي توفيق بنفسه رئاسة المحفل الأكبر، وانضم إليها رواد الإصلاح الديني كجمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده، وزعامات وطنية بحجم سعد زغلول، بالإضافة إلى نخبة من كبار الفنانين مثل يوسف وهبي وفريد شوقي.

هذا التاريخ الحافل يطرح سؤالاً جوهريًا اليوم: بالنظر إلى هذا الإرث العميق للماسونية كشبكة للنخبة الحاكمة والمؤثرة في المنطقة، هل يمكن أن نشهد عودة لها في سوريا؟ وإن حدث ذلك، فهل سيكون إحياءً لتقليد تاريخي، أم مجرد أداة براغماتية يستخدمها أي فئة ونظام جديد لتسويق نفسه عالميًا، والتواصل مع دوائر النفوذ الغربية بلغة ورموز تفهمها جيدًا؟

=====
لقد حصلت في الانترنت على اكثر من 730 مصدر لهذه الاسماء، كما ارفق مع المقال اسم موقع https://archive.org/ ويوجد بداخلة اكثر من 19 الف من المصادر ومراجع عامة عن تاريخ الماسونية بالمنطقة.
اليكم مصدر للصور يوثق ايضا اجزاء مهمة من هذا المقال عن صحف ماسونية رسمية:

https://syria.news/اسرارالماسونيةوالماسونيينفيمنطقتنايكشفهاعددمنمجلةمنسية-ID57408.html