اياد الامارة
في «العراق» ..
في قلب عشائره التي كانت ذات يوم عنواناً للحكمة والاحتكام إلى القيم، انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة خطيرة أقرب ما تكون إلى الجائحة الاجتماعية، إنها ظاهرة:
“تعدّد الشيوخ العامّـين”
في العشيرة الواحدة، بل أحياناً في “الفخذ” الواحد!
ظاهرة باتت تسلب المشيخة معناها، وتُـفرغ الزعامة من محتواها، حتى أصبح لكل شيخ عام شيخ عام آخر يُـنازعه الاسم والمقام والختم والخيمة، وتضيع هيبة العشيرة بين لافتات متنازعة، ومواقف متضاربة، وأحلاف مشبوهة، وصفحات تروّج لهذا وذاك!
في الأصل، كان الشيخ العام عنوان وحدة ومرجعية، لا يُـنتخب فقط، بل يُـورّث المجد، ويُـربّى عليه، ويكسبه بالتجربة والرجولة والحكمة والكرم ..
لكن منذ أن دخل المال بكل أنواعه على الخط، وبدأت قوى منحرفة تُـغذي الانشقاقات وتُـمول بعض الشخصيات الهشة، تفككت كثير من العشائر، وظهر في كل ناحية شيخ عام “مدعوم”، يرفع لافتة تمثيل العشيرة، دون أن ترفّ له شعرة من أصلها.
ومنذ أن أصبح لبعض
“المنصات”
الإعلامية والنفعية دور في نفخ الفارغين وتلميع الوجوه المصطنعة، بات المشهد أقرب إلى كوميديا سوداء، شيخ عام بلا تاريخ، بلا موقف، بلا قاعدة، لكنه يُـعلن عن مؤتمر للعشيرة وكأنّـه وريث القبيلة الأوحد!
فلماذا هي جائحة؟
لأنها:
١- تُـفكك النسيج العشائري وتحوّله إلى تناحر داخلي.
٢- تمنح المتسلقين منصات كاذبة باسم المرجعية العشائرية.
٣- تضعف القرار الموحد وتمنح الأطراف الخارجية باباً للتدخل.
٤- تُـفقد الشيخ الحقيقي هيبته حين يُـزاحمه مَـن لا يستحق.
٥- تشوش على الدولة التي لا تدري مع مَـن تتعامل من أبناء العشيرة.
مَـن المستفيد؟
١- القوى الانتهازية التي تبحث عن أذرع اجتماعية لتكريس النفوذ.
٢- بعض الجهات التي تستغل الانقسام لتوجيه العشائر حسب مصالحها.
٣- أشخاص محدودو الوعي، يرون في “الشيخة” وسيلة وجاه ومال.
ليست المشكلة في وجود
“طموحين”
بل في غياب معيار واضح للمشيخة ..
حين لا تحسم العشيرة أمرها بجمعها ومكوناتها الأصيلة، حين لا يُـحترم التاريخ والتجربة، حين تصبح “الشيخة” سلعة تُـباع وتُـشترى، سوف تنهار القيم وتضيع المرجعية العشائرية.
فما الحل؟
١- إجماع داخلي صادق من رجالات العشيرة على مَـن يُـمثّـلـها دون تدخل خارجي.
٢- رفض صريح من المجتمع العشائري لأي انقسام مفتعل.
٣- موقف رسمي قانوني يرفض التعامل مع أكثر من جهة تمثل العشيرة الواحدة.
٤- إحياء مجلس حكماء عشائري على مستوى المحافظات، يُـصدّق أو يطعن في أي ادعاء بالمشيخة.
وبنهاية: الشيخ لا يُـصنع بقرار حزبي، ولا بلقاء تلفزيوني، ولا بمهرجان موسمي.
الشيخ يُـبنى عبر عمر من الرجولة، ومواقف من التضحية، وسمعة لا تُـشترى ولا تُـستأجر.
فلتتوقف جائحة الشيوخ العامّـين، ولتُـعَـد العشيرة إلى مسارها النبيل ..
ففي هذه البلاد الجريحة، نحتاج إلى رجال حقيقيين، لا إلى صور متكاثرة بلا روح.
٢٩ تـمـوز ٢٠٢٥