طه حسن الاركوازي
إن المشهد المائي في العراق اليوم لا يقتصر على صراع الحصول على حصة عادلة من المياه الآتية من منابع الجيران ، بل يتعداه إلى تهديد أشد فتكاً يلوح في الأفق ، تلوث الأنهار الذي يتفاقم يوماً بعد يوم ، ليتحول إلى كابوس قد يجهز على ما تبقى من شريان الحياة في بلاد الرافدين ، مع كل قطرة ماء تفقدها دجلة والفرات جراء سياسات التحكم بالحصص المائية من دول المنبع ، يزداد خطر تحول مياه النهرين العذبين إلى مستنقعات آسنة ، تهدد صحة الإنسان ، وتدمر البيئة ، وتخنق الاقتصاد .
إن أنحسار مناسيب المياه ، وهو نتيجة مباشرة للجفاف المستمر والتخفيض المتعمد للتدفقات المائية ، ليس مجرد مشكلة نقص في الكمية فحسب ، بل هو عامل حاسم في تصاعد حدة التلوث ، تخيل نهراً عظيماً يتقلص حجمه ، بينما تستمر مياه الصرف الصحي غير المعالجة ، والنفايات الصناعية المتنوعة ، والمخلفات الزراعية المليئة بالمبيدات والأسمدة ، في التدفق إليه بلا هوادة ، هذا الانكماش في حجم المياه يعني ببساطة أن تركيز الملوثات يرتفع بشكل جنوني ، ما كان يمكن للنهر أن يهضمه ويخففه ويطهره ذاتياً في ظروف التدفق الطبيعي ، يصبح الآن عبئاً مستحيلاً ، تتراكم فيه السموم ببطء ولكن بثبات ، محولةً المياه الصالحة للحياة إلى مصدر للمرض والموت .
القدرة الطبيعية للأنهار على تنقية نفسها ، وهي عملية بيولوجية وفيزيائية معقدة ، تنهار تحت وطأة هذا الضغط الهائل ، مع ضعف التيار وأنخفاض العمق ، تتوقف عمليات التهوية والتخفيف والتحلل التي كانت تحافظ على توازن النظام البيئي المائي ، وبدلاً من أن تكون الأنهار شرايين حياة تروي الأرض وتسقي البشر ، تتحول إلى قنوات لتصريف السموم ، تلقي بظلالها القاتمة على كل من يعتمد عليها ، فالمصانع التي لا تزال تصب مخلفاتها مباشرة ، والمدن التي لا تمتلك بنى تحتية كافية لمعالجة مياه الصرف الصحي ، والحقول الزراعية التي تستخدم الكيماويات دون ضوابط ، كلها تساهم في تغذية هذا الوحش الصامت الذي ينمو في عمق المياه .
إن تداعيات هذا التلوث لا تعرف حدوداً في المقام الأول ، تتضرر صحة المواطن العراقي بشكل مباشر ، حيث تنتشر الأمراض المنقولة بالمياه من الكوليرا والتيفوئيد إلى أمراض الكلى والكبد المزمنة ، لتتحول مياه الشرب إلى نقمة بدلاً من نعمة .
أما القطاع الزراعي ، وهو عصب الاقتصاد في مناطق واسعة من العراق ، فيواجه كارثة محققة فعملية ري المحاصيل بالمياه الملوثة يؤدي إلى تدهور جودتها وسلامتها ، وقد يؤثر على خصوبة التربة على المدى الطويل ، بالإضافة إلى نفوق الثروة الحيوانية والأسماك التي تعتمد على هذه المياه ولا يقتصر الأمر على ذلك ، فالتنوع البيولوجي الفريد في الأهوار والمسطحات المائية ، الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث الطبيعي للعراق ، يواجه تهديداً وجودياً ، مما يهدد بفقدان أنواع كاملة من الكائنات الحية .
إن معالجة هذا الخطر الوجودي لا يمكن أن تنتظر ، تتطلب أستراتيجية وطنية متكاملة لا تقتصر على المطالبة بحقوق العراق المائية ، بل تتعداها إلى أستثمار ضخم في البنية التحتية لمعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي ، وتطبيق قوانين بيئية صارمة بحق المخالفين ، وتطوير أساليب زراعية مستدامة ، بالإضافة إلى حملات توعية مكثفة للمواطنين .
إن مصير الأنهار العراقية اليوم هو أنعكاس لمستقبل العراق ككل ، والتقاعس عن مواجهة هذا الخطر يعني ببساطة التسليم بمستقبل تتسرب فيه الحياة من بين أيدينا مع كل قطرة ماء ملوثة .
أخيراً وليس آخراً .. إن لم يتدارك العراق هذا الخطر الوجودي المتمثل في تلوث أنهار “دجلة والفرات” بالتوازي مع شح المياه ، فإن الأجيال القادمة لن ترث سوى صحراء قاحلة تعلوها سحابة الأمراض والأوبئة ، لقد دقت ساعة العمل ، فإما أن ننهض بمسؤوليتنا الوطنية ونبدأ فوراً بخطة إنقاذ شاملة لمياهنا أو أن نرى بأنفسنا شريان الحياة يتحول إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق الوطن ، ليتحول العراق من بلاد الرافدين إلى ذكرى مؤلمة لمدن ظمأى وأرض لا تُسقى إلا بالندم ، إن المستقبل ليس بعيداً ، والتكلفة البقاء صامتاً ستكون أفدح بكثير من تكلفة التحرك الآن …!