ضياء المهندس
قبل أكثر من قرن، جلس الديكتاتور المكسيكي “خوسيه دياث” أمام وزرائه ووضع على الطاولة رغيف خبز وعصًا غليظة، ثم قال عبارته الشهيرة:
“سنحكم بهذا. الرغيف لمن يطيع، والعصا لمن يعارض.”
عرف العالم لاحقًا هذه السياسة باسم “نظرية الرغيف والعصا”، حيث يتم إخضاع الشعوب عبر تلبية حاجاتهم المعيشية الأساسية، مقابل سحق أي تطلع للحرية أو العدالة أو الكرامة.
وإن كانت تجربة دياث قد انتهت قبل قرن، فإن آثارها لا تزال حية في واقعنا العربي، وتجد نسختها المشوهة في العراق اليوم. ولكن مع فارق خطير: العراق بلا رغيف… وبعصا أكثر قسوة.
عراق بلا خبز… وبعصا فوق الرؤوس
السلطة في العراق لا توفر الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم:
- لا تعليم جيد،
- لا صحة حقيقية،
- لا بنى تحتية،
- لا فرص عمل،
- ولا حتى أمن شخصي.
ومع ذلك، فإن أي صوت يطالب بالإصلاح أو يُندد بالفساد يواجه القمع، والتشهير، والاختطاف، وربما حتى الاغتيال.
الناشط يُتهم بالخيانة، أو العمالة، أو “الحنين للنظام السابق”، أو يُكفر سياسيًا، ليُصبح هدفًا مشروعًا.
هكذا تُحكم البلاد: حرمان كامل من الحقوق، وقمع لكل من يطالب بها.
ليتحول المواطن تدريجيًا من كائنٍ حر، إلى فرد يعيش بمنطق: “اربط خبزتك واسكت.”
الانتخابات: إعادة تدوير الخراب
في هذا السياق، تُجرى الانتخابات في العراق وكأنها طقس روتيني لا معنى له.
تُرفع شعارات “الإصلاح” و”التغيير”، بينما الآليات ذاتها تعيد إنتاج الطبقة الحاكمة نفسها:
- سطوة السلاح،
- المال السياسي،
- شراء الذمم،
- تخويف الطوائف من بعضها،
- التزوير،
- وقوانين مفصلة على مقاس القوى المتنفذة.
فما جدوى انتخابات بلا قانون عادل، ولا مفوضية مستقلة، ولا وعي جماهيري كافٍ؟
في كل دورة، يعاد تدوير نفس الطبقة التي نهبت البلاد، واستباحت مقدراتها، وقتلت أحلام أجيال كاملة.
شعب محبط… يحنّ إلى دكتاتور؟
المخيف أن فئة من العراقيين بدأت تستسلم للواقع، بل وتترحم على “الديكتاتور العادل”، وتقول:
“نريد من يوفر لنا الخبز فقط، لا نريد حرية ولا انتخابات.”
هذا التراجع ليس عيبًا في الشعب، بل نتيجة مباشرة لخيبة أمل عميقة زرعتها تجربة “ديمقراطية” مشوهة، ترفع شعار الحرية وتُمارس أبشع أشكال الاستبداد، حتى باتت الانتخابات أداة لتثبيت الخراب لا لتغييره.
لا رغيف بدون حرية… ولا حرية بدون وعي
من يريد الاستقرار الحقيقي، لا يطالب بديكتاتور، بل بمؤسسات تحكم بالعدل، وتحترم القانون، وتخضع للمحاسبة.
لا تنمية بلا حرية، ولا حرية بلا وعي شعبي يرفض أن يُعامل كالقطيع.
المشكلة في العراق ليست في غياب “المنقذ”، بل في نظام سياسي فاسد، قائم على المحاصصة، يرفض التغيير، ويُجرم المطالبين به.
والحل لا يأتي عبر صناديق اقتراع تُدار بالتحكم والسيطرة، بل بإرادة حرة، وقانون نزيه، وناس لا يخافون العصا… ولا يرضون بفتات الرغيف.
الخاتمة
العراق لا يحتاج نسخة عربية من دياث، بل يحتاج مواطنًا لا يقبل بالذل، وينتخب وهو يعلم ما يريد، ويراقب من يحكم، ويحاسبه إن أخطأ.
وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الانتخابات بلا معنى، وستظل العصا مرفوعة… والرغيف مفقود.
البروفسور د.ضياء واجد المهندس
رئيس مجلس الخبراء العراقي