حسين شكران الأكوش العقيلي
في المجتمعات التي تتأرجح بين الطيبة الفطرية واليقظة المتأخرة، يبرز نمط بشري شديد الخطورة، لا يُقاس بعدد كلماته المعسولة، بل بكمّ الخراب الذي يخلّفه خلف ابتسامته. إنهم أولئك الذين يتقنون فنّ التسلل إلى القلوب، لا ليزرعوا فيها المحبة، بل ليغرسوا بذور الفتنة، ثم يتوارون خلف قناع الصداقة، متظاهرين بالحياد، بينما هم في الحقيقة أصل البلاء.
هؤلاء لا يأتون بصيغة العدو، بل يتقنون دور الصديق، يتنقلون بين الأطراف كرسل سلام، بينما هم في الواقع تجار نزاع. يهمسون هنا، وينقلون هناك، يحرّكون المياه الراكدة، ثم يرفعون شعار “أنا أحب الجميع”، وكأن الحب يُقاس بعدد الأيدي التي صافحوها، لا بعدد القلوب التي مزّقوها.
الفتنة لا تُزرع صدفة، بل تُصاغ بعناية، وتُغلف بكلمات منمّقة، وتُقدّم على طبق من المجاملة. هؤلاء لا يكتفون بإشعال النار، بل يحرصون على أن تبقى مشتعلة، يتغذّون من لهيبها، ويستمدّون وجودهم من استمرارها. هم لا يعيشون على الحقيقة، بل يقتاتون من الشك، ويزدهرون في بيئة يسودها سوء الفهم.
ما يجعل هذا النوع من البشر أكثر خطورة، هو قدرته على التمثيل. فهو لا يصرخ ولا يهدد، بل يبتسم، ويُظهر التعاطف، ويقدّم نفسه كصديق للجميع. لكنه في الحقيقة، لا ينتمي لأحد، ولا يخلص لأحد، بل ينتمي فقط لمصلحته، ويخلص فقط لفتنته. هو لا يفرّق بين الحق والباطل، بل بين من يمكنه استغلالهم ومن لا فائدة منهم.
في المجالس، يتحدث عن أهمية التفاهم، وفي الخفاء، يحرّض على القطيعة. في العلن، يدعو إلى الوحدة، وفي السر، ينسج خيوط الانقسام. هو لا يملك موقفًا، بل يتلوّن حسب الحاجة، ويغيّر جلده حسب المصلحة، ويُعيد صياغة روايته حسب الجمهور.
هذا النموذج لا يُواجه بالصراخ، بل يُكشف بالوعي. لا يُهزم بالعداء، بل يُهزم بالصدق. فحين نُميّز بين من يُحبنا حقًا، ومن يتظاهر بذلك، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو مجتمع أكثر نقاءً. وحين نُدرك أن الصداقة ليست في عدد الابتسامات، بل في عمق المواقف، نكون قد حصّنا أنفسنا من هذا الخطر المتخفّي.
إن أخطر أنواع البشر ليس من يختلف معنا، بل من يتظاهر بأنه معنا، بينما هو يعمل ضدنا. هؤلاء لا يُحاربون بالسلاح، بل يُحاربون بالوعي، ولا يُهزمون بالشتائم، بل يُهزمون بالحقيقة. فالحقيقة وحدها كفيلة بأن تُسقط أقنعتهم، وتُعرّي نواياهم، وتُعيد للمجتمع صفاءه.
وفي زمن كثرت فيه الأقنعة، بات من الضروري أن نُحسن النظر، لا في الوجوه، بل في الأفعال. أن نُحسن الإصغاء، لا للكلمات، بل لما وراءها. أن نُحسن التمييز، لا بين الأصدقاء والأعداء، بل بين من يُريد الخير فعلًا، ومن يتقن تمثيله.
فالمجتمع لا يُبنى على المجاملات، بل على المواقف. ولا ينهض بالحياد الزائف، بل بالصدق الشجاع. ومن هنا، فإن كشف زرّاع الفتنة، الذين يتخفّون خلف أقنعة الودّ، ليس مهمة فردية، بل مسؤولية جماعية، تبدأ من الوعي، وتنتهي بالتحصين الأخلاقي.
هؤلاء لا يستحقون أن يُسمّوا أصدقاء، ولا أن يُمنحوا ثقة، بل أن يُكشفوا، ويُحاصروا بالحقيقة، ويُعزلوا عن مساحات التأثير. فالمجتمع الذي يُدرك خطرهم، هو مجتمع يخطو بثبات نحو النقاء، ويُعيد الاعتبار لقيمة الصداقة، ويُحصّن نفسه من الخبث المتخفّي.
وختامًا، فإن الصداقة الحقيقية لا تُختبر في المجاملات، بل في المواقف. ومن يدّعي حب الجميع، بينما يزرع الفتنة بينهم، لا يُحب أحدًا، بل يُحب نفسه فقط. وهذا هو أحقر أنواع البشر.