جديد

آفات اللسان في القرآن الكريم (الغيبة)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن الغيبة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات 12) يغتب فعل، اغتياباً: عابه و ذكرهُ بما فيه من السوء. ولا يَغْتَبْ: لا يتكلم مسلم على مسلم في غيبته بما يكره. و الغيبة أن تقول خلف الشخص ما فيه، و ما ليس فيه هو البُهت. “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم” أي مؤثم وهو كثير كظن السوء بأهل الخير من المؤمنين، وهم كثير بخلافه بالفساق منهم فلا إثم فيه في نحو يظهر منهم، “ولا تجسسوا” حذف منه إحدى التاءين لا تتبعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها، “ولا يغتب بعضكم بعضا” لا يذكره بشيء يكرهه وإن كان فيه، “أيجب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا” بالتخفيف والتشديد، أي لا يحسن به “فكرهتموه” أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته وقد عرض عليكم الثاني فكرهتموه فاكرهوا الأول، “واتقوا الله” أي عقابه في الاغتياب بأن تتوبوا منه، “إن الله توَّاب” قابل توبة التائبين “رحيم” بهم.

غيبة المؤمن، وهي أن يُذكر بعيب في غيبته مما يكون مستوراً عن الناس سواء أكان بقصد الانتقاص منه أم لا (الحجرات 12) و (الاسراء 36) و (ق 18) و (القصص 55) و (الانعام 68). قال الإمام الصادق عليه السلام (لا تغتب فتغتب، ولا تحفر لأخيك حفرة فتقع فيها فإنك كما تدين تدان). جاء في کتاب مصباح الشريعة المنسوب للإمام الصادق عليه السلام: ويقول تعالى: “وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‌” (الحجرات 12) إن للغيبة ظاهراً وباطناً أما الظاهر منه فهو الذي يشهّي الناس ويرغبهم فيها، وأما باطنها فهو أكل لحوم الأموات. وفي الحياة الدنيا لا يرى الناس إلّا هذا الظاهر الذي يشهّيهم في الغيبة، ولو كانوا يرون باطن الغيبة، ويعرفون أنهم يلوكون بالغيبة لحوم إخوانهم لاشمأزوا ونفروا من الغيبة. ومن وصية الامام موسى الكاظم عليه السلام الى هشام بن الحكم: يا هِشَامُ مَنْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ عَنِ النَّاسِ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ غَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن الغيبة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات 12) الغيبة: 3 – ” ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهً إِنَّ اللَّهً تَوَّابٌ رَحِيمٌ”. الغيبة أن تذكر شخصا معينا بما يكره، قال الرسول الأعظم صلى الله عليه واله وسلم: (الغيبة ذكرك أخاك بما يكره، فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وان لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) والبهتان أعظم من الغيبة، وهي محرمة كتابا وسنّة واجماعا. وقد شبّه سبحانه من استغيب بالميت لأنه غائب، وشبّه عرضه بلحمه، وقول السوء فيه بالأكل والنهش. ومعنى فكرهتموه: أنفتم من أكل لحم الميت فينبغي أن تأنفوا من غيبة الغائب أيضا لأنهما من باب واحد، ولا شيء أدل من الغيبة على الخسة والضعة، قال الإمام علي عليه السلام: (الغيبة جهد العاجز) واللَّه سبحانه لا يغفر الغيبة حتى يغفرها من استغيب.. واستثنى الفقهاء من تحريم الغيبة الملحد، والحاكم الجائر، والفاسق المعلن بالفسق لأن من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له، ونصح من استشارك في مشاركة شخص معين أو توكيله في أمر هام، وتجريح الشاهد عند القاضي، وراوي حديث الرسول صلى الله عليه واله وسلم، والمتظلم من ظالمه، قال تعالى: “لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ” (النساء 148). وفي مكاسب الشيخ الأنصاري: (ان موارد استثناء الغيبة لا تنحصر في عدد لأن الغيبة انما تحرم إذا لم يكن في التشهير مصلحة أقوى وإلا وجب الإعلان والتشهير تغليبا لأقوى المصلحتين، كما هي الحال في كل معصية من حقوق اللَّه وحقوق الإنسان). أنظر ج 2 ص 477.

وردت كلمة غيب ومشتقاتها في القرآن الكريم: بِالْغَيْبِ غَيْبَ الْغَيْبِ لِلْغَيْبِ الْغُيُوبِ غَائِبِينَ غَيَابَةِ غَيَابَتِ الْغَائِبِينَ غَائِبَةٍ يَغْتَب غَيْبِهِ بِغَائِبِينَ. وجاء في معاني القرآن الكريم: غيب الغيب: مصدر غابت الشمس وغيرها: إذا استترت عن العين، يقال: غاب عني كذا. قال تعالى: “أم كان من الغائبين” (النمل 20)، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، قال: “وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين” (النمل 75)، ويقال للشيء: غيب وغائب باعتباره بالناس لا بالله تعالى، فإنه لا يغيب عنه شيء، كما لا يغرب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. وقوله: “عالم الغيب والشهادة” (الأنعام 73)، أي: ما يغيب عنكم وما تشهدونه، والغيب في قوله: “يؤمنون بالغيب” (البقرة 3)، ما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بداية العقول، وإنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام، وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد، ومن قال: الغيب هو القرآن (وهو قول زر بن حبيش، حكاه عنه الماوردي. انظر: تفسير الماوردي 1/65)، ومن قال: هو القدر (أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 1/36 عن زيد بن أسلم، وفيه ضعف) فإشارة منهم إلى بعض ما يقتضيه لفظه. وقال بعضهم (وهو أبو مسلم الأصفهاني، انظر: تفسير الرازي 2/27): معناه يؤمنون إذا غابوا عنكم، وليسوا كالمنافقين الذين قيل فيهم: “وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون” (البقرة 14)، وعلى هذا قوله: “الذين يخشون ربهم بالغيب” (فاطر 18)، “من خشي الرحمن بالغيب” (ق 33)، “ولله غيب السموات والأرض” (النحل 77)، “أطلع الغيب” (مريم 78)، “فلا يظهر على غيبة أحدا” (الجن 26)، “لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله” (النمل 65)، “ذلك من أنباء الغيب” (آل عمران 44)، “وما كان الله ليطلعكم على الغيب” (آل عمران 179)، “إنك أنت علام الغيوب” (المائدة 109)، “إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب” (سبأ 48)، وأغابت المرأة: غاب زوجها. وقوله في صفة النساء: “حافظات للغيب بما حفظ الله” (النساء 34)، أي: لا يفعلن في غيبة الزوج ما يكرهه الزوج. والغيبة: أن يذكر الإنسان غيره.

قال الشيخ حسن العامري في خطبة جمعة: جاء في خطبة الوداع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا) فأعراض الناس التي تتكلم عنها وتغتاب الناس بها ليس ذلك العمل هين عند الله تعالى. يقول أمير المؤمنين عليه السلام (أبغض الخلائق إلى الله المغتاب). عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصية له قال: يا أبا ذر إياك والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، قلت: ولم ذاك يا رسول الله قال: لأن الرجل يزني فيتوب إلى الله فيتوب الله عليه، والغيبة لا تغفر حتى يغفرها صاحبها. ورد أن الاستماع للغيبة محرم، فالمستمع شريك المغتاب كما ورد في الحديث. قال علي عليه السلام: لو وجدت مؤمنا على فاحشة لسترته بثوبي. جاء في الحديث الشريف (من نصرَ أخاهُ بالغيبِ نصرهُ اللهُ في الدنيا والآخرةِ). نظر الإمام علي عليه السلام إلى رجل يغتاب رجلا عند ابنه الحسن عليه السلام: يا بني نزه سمعك عن مثل هذا، فإنه نظر إلى أخبث ما في وعائه فأفرغه في وعائك.