رجب شهر الاستغفار (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) (ح 9)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” ﴿الأنفال 33﴾ يَسْتَغْفِرُونَ: يَسْتَغْفِرُ فعل، ونَ ضمير. يستغفرون: يصلون. و استغفر الله ذنبه و من ذنبه. وما كان الله سبحانه وتعالى ليعذِّب هؤلاء المشركين، وأنت -أيها الرسول- بين ظهرانَيْهم، وما كان الله معذِّبهم، وهم يستغفرون من ذنوبهم. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ” وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” (الأنفال 33) قال تعالى: “وما كان الله ليعذَّبهم” بما سألوه “وأنت فيهم” لأن العذاب إذا نزل عَمَّ ولم تعذَّب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها، “وما كان الله معذبَهم وهم يستغفرون” حيث يقولون في طوافهم: غفرانك، غفرانك. وقيل أهم المؤمنون المستضعفون فيهم كما قال تعالى: “لو تزيَّلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما”.

عن مؤسسة الامام علي عليه السلام في فضلِ شهر رَجَب وأعمالِه: السّابع: وروى الشّيخ أيضاً عن أبي القاسم حسين بن روح (رضي الله عنه) النّائب الخاصّ للحجّة عليه السلام انّه قال زر أيّ المشاهد كنت بحضرتها في رجب تقول: الْحَمْدُ للهِ الَّذي اَشْهَدَنا مَشْهَدَ اَوْلِيائِهِ في رَجَب، وَاَوْجَبَ عَلَيْنا مِنْ حَقِّهِمْ ما قَدْ وَجَبَ، وَصَلَّى اللهُ عَلى مُحَمَّد الْمُنْتَجَبِ، وَعَلى اَوْصِيائِهِ الْحُجُبِ، اَللّـهُمَّ فَكَما اَشْهَدْتَنا مَشْهَدَهُمْ فَاَنْجِزْ لَنا مَوْعِدَهُمْ، وَاَوْرِدْنا مَوْرِدَهُمْ، غَيْرَ مُحَلَّئينَ عَنْ وِرْد في دارِ الْمُقامَةِ والْخُلْدِ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ اِنّي قَصَدْتُكُمْ وَاعْتَمَدْتُكُمْ بِمَسْأَلَتي وَحاجَتي وَهِيَ فَكاكُ رَقَبَتي مِنَ النّارِ، وَالْمَقَرُّ مَعَكُمْ في دارِ الْقَرارِ مَعَ شيعَتِكُمُ الاَْبْرارِ، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ، اَنَا سائِلُكُمْ وَآمِلُكُمْ فيـما اِلَيْكُمُ التَّفْويضُ، وَعَلَيْكُمْ التَّعْويضُ فَبِكُمْ يُجْبَرُ الْمَهيضُ وَيُشْفَى الْمَريضُ، وَما تَزْدادُ الاَْرْحامُ وَما تَغيضُ، اِنّي بِسِرِّكُمْ مُؤْمِنٌ، وَلِقَوْلِكُمْ مُسَلِّمٌ، وَعَلَى اللهِ بِكُمْ مُقْسِمٌ في رَجْعي بِحَوائِجي وَقَضائِها وَاِمْضائِها وَاِنْجاحِها وَاِبْراحِها، وَبِشُؤوني لَدَيْكُمْ وَصَلاحِها، وَالسَّلامُ عَلَيْكُمْ سَلامَ مُوَدِّع، وَلَكُمْ حَوائِجَهُ مُودِعٌ يَسْأَلُ اللهَ اِلَيْكُمْ الْمَرْجِعَ وَسَعْيُهُ اِلَيْكُمْ غَيْرُ مُنْقَطِع، وَاَنْ يَرْجِعَني مِنْ حَضْرَتِكُمْ خَيْرَ مَرْجِع اِلى جَناب مُمْرِع، وَخَفْضِ مُوَسَّع، وَدَعَة وَمَهَل اِلى حينِ الاَْجَلِ، وَخَيْرِ مَصير وَمَحلٍّ، في النَّعيمِ الاَْزَلِ، وَالْعَيْشِ الْمُقْتَبَلِ وَدَوامِ الاُْكُلِ، وَشُرْبِ الرَّحيقِ وَالسَّلْسَلِ، وَعَلٍّ وَنَهَل، لا سَأمَ مِنْهُ وَلا مَلَلَ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ وَتَحِيّاتُهُ عَلَيْكُمْ حَتّيَ الْعَوْدِ اِلى حَضْرَتِكُمْ، والْفَوزِ في كَرَّتِكُمْ، وَالْحَشْرِ في زُمْرَتِكُمْ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ وَصَلَواتُهُ وَتَحِيّاتُهُ، وَهُوَ حَسْبُنا وَنِعْمَ الْوَكيلُ. الثّامن: روى السيّد ابن طاووس عن محمّد بن ذكوان المعروف بالسّجاد لانّه كان يكثر من السّجود والبكاء فيه حتّى ذهب بصره قال: قلت للصّادق عليه السلام: جعلت فداك هذا رجب علّمني فيه دعاءاً ينفعني الله به، قال عليه السلام: اكتب بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ قل في كلّ يوم من رجب صباحاً ومساءاً وفي أعقاب صلواتك في يومك وليلتك يا مَنْ اَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْر، وَآمَنَ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ، يا مَنْ يُعْطِي الْكَثيرَ بِالْقَليلِ، يا مَنْ يُعْطي مَنْ سَأَلَهُ يا مَنْ يُعْطي مَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ تَحَنُّناً مِنْهُ وَرَحْمَةً، اَعْطِني بِمَسْأَلَتي اِيّاكَ جَميعَ خَيْرِ الدُّنْيا وَجَميعَ خَيْرِ الاْخِرَةِ، وَاصْرِفْ عَنّي بِمَسْأَلَتي اِيّاكَ جَميعَ شَرِّ الدُّنْيا وَشَرِّ الاْخِرَةِ، فَاِنَّهُ غَيْرُ مَنْقُوص ما اَعْطَيْتَ، وَزِدْني مِنْ فَضْلِكَ يا كَريمُ. قال الراوي: ثمّ مدّ عليه السلام يده اليسرى فقبض على لحيته ودعا بهذا الدّعاء وهو يلوذ بسبّابته اليمنى، ثمّ قال بعد ذلك: يا ذَا الْجَلالِ وَالاِْكْرامِ، يا ذَا النَّعْماءِ وَالْجُودِ، يا ذَا الْمَنِّ وَالطَّوْلِ، حَرِّمْ شَيْبَتي عَلَى النّارِ. التّاسِع: عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال من قال: في رجب: اَسْتَغْفِرُ اللهَ لا اِلـهَ إِلاّ هُوَ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ وَاَتُوبُ اِلَيْهِ مائة مرّة وختمها بالصّدقة ختم الله له بالرّحمة والمغفرة، ومن قالها أربعمائة مرّة كتب الله له أجر مائة شهيد.

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” ﴿الأنفال 33﴾ “وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم” لو كان المراد بالمعذبين هم كفار قريش ومشركو العرب ما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة. ولو كان المراد بالمعذبين جميع العرب أو الأمة، والمراد بقوله: “وأنت فيهم” حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى: ولا يعذب الله هذه الأمة وأنت فيهم حيا كما ربما يؤيده قوله بعده: “وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون” كان ذلك نفيا للعذاب عن جميع الأمة ولم يناف نزوله على بعضهم كما سمى وقوع القتل بهم عذابا كما في الآيات السابقة، وكما ورد ان الله تعالى عذب جمعا منهم كأبى لهب والمستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا لا تشمل الآية القائلين: “اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك” إلى آخر الآية، وخاصة باعتبار ما روى أن القائل به أبو جهل كما في صحيح البخاري أو النضر بن الحارث بن كلدة كما في بعض روايات أخر وقد حقت عليهما كلمة العذاب وقتلا يوم بدر فلا ترتبط الآية: “وما كان الله ليعذبهم” الآية، بهؤلاء القائلين: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك” الآية مع أنها مسوقة سوق الجواب عن قولهم. ويشتد الاشكال بناء على ما وقع في بعض أسباب النزول انهم قالوا: اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل قوله تعالى: “سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع” وسيجئ الكلام فيه وفي غيره من أسباب النزول المروية في البحث الروائي التالي إن شاء الله. والذي تمحل به بعض المفسرين في توجيه مضمون الآية بناء على حملها على ما مر من المعنى ان الله سبحانه ارسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ونعمة لهذه الأمة لا نقمة وعذابا. فيه انه ليس مقتضى الرحمة للعالمين ان يهمل مصلحة الدين، ويسكت عن مظالم الظالمين وان بلغ ما بلغ وأدى إلى شقاء الصالحين واختلال نظام الدنيا والدين، وقد حكى الله سبحانه عن نفسه بقوله: “ورحمتي وسعت كل شئ” ولم يمنع ذلك من حلول غضبه على من حل به من الأمم الماضية والقرون الخالية كما ذكره في كلامه.

ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي قائلا لى أنه تعالى سمى ما وقع على كفار قريش من القتل والهلاك في بدر وغيره عذابا ولم يناف ذلك قوله: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” (الأنبياء: 107)، وهدد هذه الأمة بعذاب واقع قطعي في سور يونس والاسراء والأنبياء والقصص والروم والمعارج وغيرها ولم يناف ذلك كونه صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين فما بال نزول العذاب على شرذمة تفوهت بهذه الكلمة: “اللهم إن كان هذا هو الحق” الخ، ينافي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة مع أن من مقتضى الرحمة ان يوفى لكل ذي حق حقه، وأن يقتص للمظلوم من الظالم وأن يؤخذ كل طاغية بطغيانه. وأما قوله تعالى: “وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون” فظاهره النفي الاستقبالي على ما هو ظاهر الصفة: “معذبهم” وكون قوله: “يستغفرون” مسوقا لإفادة الاستمرار والجملة حالية، والمعنى: ولا يستقبلهم الله بالعذاب ما داموا يستغفرونه. والآية كيفما أخذت لا تنطبق على حال مشركي مكة وهم مشركون معاندون لا يخضعون لحق ولا يستغفرون عن مظلمة ولا جريمة، ولا يصلح الامر بما ورد في بعض الآثار انهم قالوا ما قالوا ثم ندموا على ما قالوا فاستغفروا الله بقولهم: “غفرانك اللهم”. وذلك – مضافا إلى عدم ثبوته – انه تعالى لا يعبأ في كلامه باستغفار المشركين ولا سيما أئمة الكفر منهم، واللاغي من الاستغفار لا أثر له، ولو لم يكن استغفارهم لاغيا وارتفع به ما أجرموه بقولهم: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية لم يكن وجه لذمهم وتأنيبهم بقوله تعالى: “وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق” في سياق هذه الآيات المسوقة لذمهم ولومهم وعد جرائمهم ومظالمهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.