غصن الزيتون أم البندقية

غصن الزيتون أم البندقية
كامل سلمان
غصن الزيتون أم البندقية هي العبارة الشهيرة التي قالها الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في خطابه بالأمم المتحدة ، قال حينها مخاطباً المجتمع الدولي جئتكم بغصن الزيتون والبندقية فلا تجعلوا غصن الزيتون يسقط من يدي تعبيراً عن رغبته في سلك طريق السلام وترك خيار الحرب ، هذه العبارة جعلت القضية الفلسطينية تدخل منعطفاً كبيراً أحرجت زعماء العالم لكي ينتبهوا إلى مظلومية شعب محب للحياة كانوا يكنونه بالإرهاب ، فهي رسالة حضارية عرف ياسر عرفات كيف يوظفها ويرمي الكرة في ساحة المجتمع الدولي بصوته لا ببندقيته ، بالحقيقة هي عبارة مأخوذة تأريخياً بشكل مختلف من قول الوالي الأموي الحجاج أبن يوسف الثقفي عندما خاطب أهل العراق بعد تنصيبه والياً من قبل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان على العراق قال الحجاج حينها ( لقد جئتكم بسيفين ، سيف للرحمة وسيف للنقمة لكن سيف الرحمة سقط مني ولم يبق بيدي إلا سيف النقمة فأحذروني ) . الفارق بين خطاب ياسر عرفات وخطاب الحجاج هو أن الأول يطلب حق شعبه بالحياة والثاني يطلب حق سلطته وجبروته وطاعته وهو الفارق بين المظلوم والظالم ، بعض الأمم وبعض الشعوب تحمل غصن الزيتون والود والمحبة ولا تطلب مقابل ذلك إلا السلام وحقوق العيش بكرامة لكن الرد دائماً يأتيهم قاسياً ومؤلماً ومهيناً ويتم أخذ غصن الزيتون من أيديهم وسحقه في الأرض وعندما يرفعون البندقية يسمونهم إرهابيين وقد يتعرضون للإبادة وخير مثال على ذلك هي الأمة الكوردية التي تطالب بحق العيش الكريم فيعطوها الموت ، عندما لا يكون غصن الزيتون هو الحل ولا تكون البندقية هي الحل لابد من وجود حل ثالث ! نعم في هذا العصر الحل الوحيد هو صرخات الشعوب ، صرخات المظلومين كلما علت زاد أثرها . من حق الشعوب أن ترفع البندقية عندما تتيقن بأن البندقية هي الحل لكن البندقية التي تجلب الويلات على الشعوب هي بندقية ذات فوهة معكوفة على صدور أبناء ونساء تلك الشعوب لا خير فيها . اليوم أصبحت المجتمعات قرية صغيرة بفضل تكنلوجيا الاتصالات والانترنيت ولم يبق للشعوب أي عذر أن لا تصرخ وتوثق صرخاتها لنشرها إلى جميع الأمم ، فعندما تتحرك ضمائر الأمم والشعوب سيتحرك العالم كله بالوقوف إلى جانب هذه الشعوب التي تصرخ من الألم ، كلنا شاهدنا عبر منصات التواصل الاجتماعي والتلفزة كيف أن ظفيرة شعر إمرأة كوردية حركت الضمير الإنساني وخلقت حالة من القلق عند الحكومة السورية سرعان ما جعلتها تستبدل لغة التهديد والوعيد إلى وقف العنف والقتال ، هذه الظفيرة الصغيرة كانت لها صدى أكبر من صدى الف بندقية كانت صرخة من الأعماق هزت الضمير الإنساني ، هكذا هي الصرخات المطلوبة لا أن تحرق المحال التجارية وتخرب المباني وتشيع الفوضى ، بالأمس القريب كلنا سمعنا صرخة الفتاة الكوردية في إيران ( مهسا أميني ) التي تحولت إلى موجة احتجاجات عارمة في جميع أنحاء العالم شوهت صورة النظام الإيراني وجعلته يندم ويعتذر ، يجب عدم الاستهانة بصرخات المظلومين ، قد تكون صرخة أو صرختين تقلب الأمور رأساً على عقب .
الظالمون تعلموا كيف يسحقون غصن الزيتون وتعلموا كيف يسكتون بنادق المظلومين وتعلموا كيف يكممون أصوات وصرخات المظلومين لكن الصرخات تعبر الحواجز مهما كممت ، هنا يأتي دور الثقافة والمثقفين والعقلاء وأصحاب الفكر في كيفية إخراج الصرخات إلى العلن وخلق صدى مدوي لهذه الصرخات لا أن يقوم هؤلاء المثقفين بالتحريض على التمرد والموت وهذا للأسف أسلوب مثقفوا جيلنا الذين يظنون بأن دماء الناس رخيصة فيحرضونهم على هلاك أنفسهم بدل أن يسعفونهم في إيصال أصواتهم إلى العالم فيصبحون سبباً لانتكاسات الشعوب وآلامهم فوق الجراحات التي يعيشونها نازفة كما حصل لسكان غزة . وأخيراً يجب أن لا تتحول لغة المطالبات الحقة إلى لغة الكراهية عند الشعوب فتصبح عذراً للإنتقام والعداوة والبغضاء بدل أن تكون حافزاً للتضامن مع المظلوم .