رياض سعد
ليست كل الأحلام التي تتحقق تمنح أصحابها السعادة، فلكل حلم زمنه الذي يزهر فيه، وإذا جاء بعد أن يذبل الشوق إليه، فقد يتحول من نعمة منتظرة إلى ذكرى مؤلمة. فالحياة لا تقاس بتحقق الأمنيات وحدها ، بل بتوقيت تحققها أيضًا، لأن الزمن جزء من قيمة الأشياء، بل قد يكون هو قيمتها الحقيقية.
ثمة حقيقة إنسانية مُرّة قلّما نلتفت إليها في خضم سعينا المحموم خلف أحلامنا: أن لكل حلم توقيتاً مثالياً لا يُعوّض، ونافذة زمنية إن أُغلقت فقدت الرغبةُ المحققةُ طعمَها ومعناها… ؛ فما كان ليُشعل الروح في زمن التوقّد، قد يصبح عبئاً ثقيلاً في زمن الخمود… ؛ ولعل المثل الشعبي العراقي يؤكد هذه الحقيقة ؛ (( اذا فاتك الزاد كول هني )) .
قد تتحقق أحلامك يومًا ما، ولكن اقتناء الدراجة الهوائية يكون ممتعًا في سن السادسة، لا في سن الستين… , فما يمنح الأشياء معناها ليس امتلاكها فحسب، وإنما العمر الذي نعيشها فيه، والمرحلة التي تنسجم معها، والدهشة التي ترافقها.
وقد نقل احدهم ذكرياته ؛ قائلا : أتذكر أنني كنت أعشق الدراجة الهوائية في طفولتي عشقًا لا يوصف.. , كان شغفي بالدراجة الهوائية يتجاوز مجرد رغبة طفل في لعبة؛ كانت بالنسبة لي رغبةً جامحة في الامتلاك، ورمزاً للانطلاق والحرية، وتجسيداً أولياً لمعنى الاكتشاف.. , كنت أراقب الأطفال وهم يجوبون الأزقة بها، فأشعر أنها ليست مجرد وسيلة للعب، بل جناحان صغيران يمنحان الطفل حرية التحليق في عالمه البريء…
أتذكّر جيداً ذلك الفتى الصغير الذي كنته، المأخوذ بسحر الدراجة الهوائية وهي تشق الطريق كطائرٍ فولاذيٍ أنيق… ؛ كنت في سنوات الطفولة المبكرة، حيث تتشكل الأحلام من أبسط المواد: وميض معدن، دواليب تدور، وحلمٌ بالانطلاق…
طالما نَسَجَ لي والدي وعوداً براقة باقتنائها عند كل نجاح أُحققه في مراحل الدراسة الابتدائية… ؛ كنتُ أستقبل تلك الوعود بقلبٍ يفيضُ بالأمل، وأتخذ منها دافعاً للسعي والاجتهاد… ؛ لكن الأيام كانت تمضي، ولحظات النجاح تتوالى دون أن تترجم تلك الوعود إلى واقع ملموس… ؛ فالوعد كان يتكرر، والدراجة لا تأتي… , حتى أدركتُ مع الوقت أنها لم تكن سوى وعودٍ معلقة سراباً لا طائل من ورائه...
واستمرَّ الحالُ على ذلك، حتّى بلغتُ السادسةَ عشرةَ من عُمرِي، فاشتغلتُ في إحدى ورشِ البناءِ خلالَ العطلةِ الصيفيّةِ، وقد اشتريتُ الدّراجةَ بجهدِ يديَّ، غيرَ أنّ ذلك الإحساسَ الطفوليّ الذي كان يملأُ خيالي قد تبدَّلَ، ذلك الإحساس المتّقد الذي كان يملؤني وأنا في السادسة، تلك اللهفة التي كانت تجعل النوم ثقيلاً واليقظة حلماً مؤجلاً، لم تعد كما كانت … ؛ وغدا مجرّدَ وسيلةٍ للانتقالِ بينَ الجدرانِ الخرسانيّةِ، لا نافذةً للحرّيةِ كما حلمتُ.
فما بالُك وأنتَ في سنِّ الأربعينَ؟ إن تحقَّقَ لكَ الحلمُ آنئذٍ، قد تجدُه نوعًا من المعاناةِ، لا خلاصًا من المعاناةِ… , فهناك فرقٌ شاسعٌ بينَ أن تركبَ الدّراجةَ لتطيرَ نحوَ الغيوم ، وبينَ أن تركبَها لتُوازنَ بينَ آلامِ الظهرِ وخوفِ السقوطِ…؟
هكذا هي الحياة؛ فهي لا تؤجل الأشياء فقط، بل تغيّرنا نحن أيضًا.. , وما كان يمثل قمة السعادة في مرحلة من العمر، قد يصبح أمرًا عاديًا، أو حتى عبئًا، في مرحلة أخرى.. , فالدراجة الهوائية التي كانت حلم طفل في السادسة، قد تصبح مجرد وسيلة مرهقة لرجل في الأربعين، وربما لا يفكر فيها أصلًا.
تلك هي إحدى أكبر مفارقات الوجود البشري؛ أنْ يمنحنا القدرُ الأملَ متأخراً، وأنْ تصلَ الهدايا التي طال انتظارها بعد أن تكون الرغبةُ فيها قد انطفأت… ؛ إن قيمة الأشياء لا تكمن في ذاتها المادية فحسب، بل في التوقيت الذي تزهر فيه… ؛ فالأحلام كالفواكه؛ لها موسمٌ للقطاف، وإذا أينعت في غير زمانها، فقدت طعمها وتألقها.
إن أعظم خسائر الإنسان ليست دائمًا في ضياع الأحلام، بل في تأخرها حتى تفقد معناها… , فالأب الذي يحرم أبناءه من لحظات الفرح بحجة أن المستقبل سيعوضهم، قد يكتشف أن المستقبل لا يعيد طفولةً مضت، ولا يعوض عمرًا انقضى… ؛ فالطفولة لا تنتظر، والشباب لا يعود، ولكل مرحلة من الحياة أحلامها التي لا يمكن استعادتها إذا تجاوزها الزمن…
ولذلك، فإن الحكمة لا تكمن في تحقيق الأحلام فقط، بل في السعي إلى تحقيقها في الوقت المناسب… , فبعض الأمنيات إذا تأخرت كثيرًا، أصبحت شاهدًا على ما فات، لا احتفالًا بما تحقق.
إن الزمن ليس مجرد إطار للأحداث، بل شريك في صناعة السعادة… , ولهذا، ينبغي ألا نؤجل الفرح، ولا نؤخر تحقيق ما نستطيع تحقيقه لأبنائنا ولأنفسنا… ؛ فهناك هدايا لا تقدر بثمن لأنها تأتي في وقتها، وهناك أحلام، مهما تحققت، لا تستطيع أن تهزم قسوة الزمن إذا جاءت بعد فوات الأوان.
# الفلسفةُ الوجوديةُ لتوقيتِ الأَحلام
إن اقتناء الدراجة في سن السادسة هو اختبار متكامل للحرية الشقية، ولذةٌ خالصة للاندفاع ونشوة الاكتشاف… ؛ أما النظر إليها في سن الأربعين أو الستين، فقد يستحضر في النفس شعوراً بالجهد والتعب، أو يغدو مجرد وسيلة لممارسة الرياضة وشكلاً من أشكال المعاناة البدنية!
وهنا تتجلى الحقيقة الفلسفية المرة:
* الزمنُ ليس وعاءً محايداً: هو العنصر الذي يمنح المشاعر قيمتها أو يجردها منها.
* تحققُ الحلم ليس مكسباً مطلقاً: إن تحقق الحلم في غير وقته المحدّد يتحول من “مكافأة” إلى “تذكيرٍ مؤلم” بما كان يمكن أن يكون.
* الأحلامُ ان ذبلت فلن تعود: تلبية الرغبة بعد موتها لا تُعيد الحياة إليها، بل تؤكد رحيلها فقط… ؛ ؛ فالوردةُ في الرّبيعِ بهجةٌ، وفي الخريفِ ذكرى، أمّا في الصّقيعِ فهي مجرّدُ جُثّةٍ يابسةٍ.
لكل مرحلة عمرية أحلامها الخاصة التي تتواءم مع طاقتها الروحية والجسدية، وليس بإمكان أي حلم أن ينتظر إلى الأبد دون أن يذبل… , الأحلام المؤجلة قد تتحقق فعلاً في يوم ما، لكن الروح التي كانت ستتلقاها ربما تكون قد غادرت المكان، تاركة خلفها جسداً لا يحسن الفرح بها.
# خاتمة
قد تجود علينا الحياة بالأشياء التي تمنيناها يوماً، لكنها قد تفعل ذلك في زمنٍ لم نعد فيه نحنُ الأشخاصَ أنفسَهم الذين تمنوها… ؛ لذا، فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب، أو لنفسه، ليس فقط أن يُحقق الأحلام، بل أن يُحققها في أوانها، قبل أن يطوي الزمان صفحات الشغف، وقبل أن تتغير نظرتنا إلى الدراجة من “أجنحةٍ للتحليق” إلى “وسيلةٍ للإرهاق”.
لقد علّمتني التجربة أن ثمة حكمة مريرة في قوانين الحياة: ليست العبرة في أن تتحقق أحلامك فحسب، بل أن تتحقق في الوقت الذي تكون فيه قادراً على تذوقها بكل جوارحك وجوانحك … ؛ فبعض الأحلام كالفاكهة، إن لم تقطفها في أوان نضجها، سقطت متعفنة رغم جمالها.