مفاهيم القوامة والقسط والشنآن والعدل في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى عن قوامين “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ ” إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (المائدة 8) “يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين” قائمين “لله” بحقوقه “شهداء بالقسط” بالعدل “ولا يجرمنكم” يحملنكم “شنَآن” بغض “قوم” أي الكفار “على ألاَّ تعدلوا” فتنالوا منهم لعدواتهم “إعدلوا” في العدو والولي “هو” أي العدل “أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون” فيجازيكم به.

وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى عن قوامين “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” ﴿المائدة 8﴾ قوله تعالى: ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا” الآية نظيره الآية التي في سورة النساء ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً” ( النساء 135). وإنما الفرق بين الآيتين أن آية النساء في مقام النهي عن الانحراف عن العدل في الشهادة لاتباع الهوى بأن يهوى الشاهد المشهود له لقرابة ونحوها، فيشهد له بما ينتفع به على خلاف الحق، وهذه الآية ـ أعني آية المائدة ـ في مقام الردع عن الانحراف عن العدل في الشهادة لشنآن وبغض من الشاهد للمشهود عليه، فيقيم الشهادة عليه يريد بها نوع انتقام منه ودحض لحقه. وهذا الاختلاف في غرض البيان هو الذي أوجب اختلاف القيود في الآيتين: فقال في آية النساء: ” كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ” ﴿النساء 135﴾ وفي آية المائدة: ” كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ” ﴿المائدة 8﴾. وذلك أن الغرض في آية المائدة لما كان هو الردع عن الظلم في الشهادة لسابق عداوة من الشاهد للمشهود عليه قيد الشهادة بالقسط، فأمر بالعدل في الشهادة وأن لا يشتمل على ظلم حتى على العدو بخلاف الشهادة لأحد بغير الحق لسابق حب وهوى، فإنها لا تعد ظلما في الشهادة وانحرافا عن العدل وإن كانت في الحقيقة لا تخلو عن ظلم وحيف، ولذلك أمر في آية المائدة بالشهادة بالقسط، وفرعه على الأمر بالقيام لله، وأمر في آية النساء بالشهادة لله أي أن لا يتبع فيها الهوى، وفرعه على الأمر بالقيام بالقسط. ولذلك أيضا فرع في آية المائدة على الأمر بالشهادة بالقسط قوله: “اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللهَ” ﴿المائدة 8﴾ فدعا إلى العدل، وعده ذريعة إلى حصول التقوى، وعكس الأمر في آية النساء ففرع على الأمر بالشهادة لله قوله: “فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا” (النساء 135) فنهى عن اتباع الهوى وترك التقوى، وعده وسيلة سيئة إلى ترك العدل. ثم حذر في الآيتين جميعا في ترك التقوى تحذيرا واحدا فقال في آية النساء: “وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً” (النساء 135) أي إن لم تتقوا، وقال في آية المائدة: “وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ” وأما معنى القوامين لله شهداء بالقسط (إلخ) فقد ظهر في الكلام على الآيات السابقة. قوله تعالى: “اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى” ﴿المائدة 8﴾، الضمير راجع إلى العدل المدلول عليه بقوله: “اعْدِلُوا” والمعنى ظاهر.

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى عن قوامين “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” ﴿المائدة 8﴾ إنّ الآية الأولى من الآيات الثلاث أعلاه تدعو إلى تحقيق العدالة، وهي شبيهة بتلك الدعوة الواردة في الآية (135) من سورة النساء “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً” ( النساء 135)، التي مضى ذكرها مع اختلاف طفيف. فتخاطب هذه الآية أوّلا المؤمنين قائلة: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ”. ثمّ تشير إلى أحد أسباب الانحراف عن العدلة، وتحذّر المسلمين من هذا الانحراف مؤكّدة أنّ الأحقاد والعداوات القبلية والثارات الشخصية، يجب أن لا تحول دون تحقيق العدل، ويجب أن لا تكون سببا للاعتداء على حقوق الآخرين، لأنّ العدالة أرفع وأسمى من كل شيء، فتقول الآية الكريمة: “وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا” ﴿المائدة 8﴾ وتكرر الآية التأكيد لبيان ما للعدل من أهمية قصوى فتقول “اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى” ﴿المائدة 8﴾. وبما أنّ العدالة تعتبر أهم أركان التقوى، تؤكّد الآية مرّة ثالثة قائلة: “وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ” ﴿المائدة 8﴾. والفرق بين فحوى هذه الآية والآية المشابهة لها الواردة في سورة النساء، يتحدد من عدّة جهات: أوّلا: إنّ الآية الواردة في سورة النساء دعت إلى إقامة العدل والشهادة لله، أمّا الآية الأخيرة فقد دعت إلى القيام لله والشهادة بالحق والعدل، ولعل وجود هذا الفارق لأنّ الآية الواردة في سورة النساء استهدفت بيان ضرورة أن تكون الشهادة لله، لا لأقارب وذوي الشاهد، بينما الآية الأخيرة ولكونها تتحدث عن الأعداء أوردت تعابير مثل الشهادة بالعدل والقسط أي تجنب الشهادة بالظلم والجور. ثانيا: أشارت الآية الواردة في سورة النساء إلى واحد من عوامل الانحراف عن العدالة، بينما الآية الأخيرة أشارت إلى عامل آخر في نفس المجال، فهناك ذكرت الآية عامل الحب المفرط الذي لا يستند على تبرير أو دليل، بينما ذكرت الآية الأخيرة الحقد المفرط الذي لا مبرر له. ولكن الآيتين كليهما تتلاقيان في عامل إتّباع الأهواء والنزوات التي تتحدث عنها الآية الأولى في جملة: “فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا” (النساء 135) لأنّ الهوى مصدر كلّ ظلم وجور ينشأ من الاندفاع الأعمى وراء الأهواء والمصالح الشخصية، لا من دافع الحب أو الكراهية، وعلى هذا الأساس فإنّ المصدر الحقيقي للانحراف عن العدل هو نفس إتّباع الهوى، وقد جاء في كلام النّبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم والإمام علي بن أبي طالب عليه ‌السلام قولهما: (امّا إتّباع الهوى فيصدّ عن الحق).