هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟

رياض سعد

سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (2)

هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟

كثيراً ما يعترض بعض الأكاديميين على الحديث عن وجود أمة عراقية في العصور السومرية أو البابلية أو الآشورية، بحجة أن مفهوم الأمة بالمعنى الحديث لم يظهر إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأن الحديث عن “أمة عراقية” في الأزمنة القديمة يمثل إسقاطاً لمفهوم حديث على واقع تاريخي قديم.

وهذا الاعتراض يبدو للوهلة الأولى منطقياً، لكنه في الحقيقة يقوم على خلط منهجي بين وجود الظاهرة وظهور النظرية المفسرة لها.

فالإنسان مارس الزراعة آلاف السنين قبل ظهور علم الاقتصاد الزراعي، وأقام الدول قبل ظهور الفلسفة السياسية، وعاش في مجتمعات منظمة قبل أن يولد علم الاجتماع… ؛ ولم يقل أحد إن المجتمعات لم تكن موجودة قبل علماء الاجتماع، أو إن الدول لم تكن موجودة قبل علماء السياسة.

وكذلك الأمر بالنسبة للأمة.

فالأمة كحقيقة اجتماعية وتاريخية قد تسبق بآلاف السنين ظهور المصطلح أو النظرية التي تحاول تفسيرها.

إن ظهور الفكر القومي الأوروبي الحديث لا يعني أن الأمم وُلدت معه، بل يعني أن الأوروبيين بدأوا في تلك المرحلة التنظير لظاهرة كانت موجودة بأشكال مختلفة قبل ذلك بزمن طويل.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان السومريون أو البابليون يعرفون مصطلح الأمة؟

بل السؤال هو: هل كانت هناك جماعة بشرية مستقرة ومتماسكة ومتواصلة تاريخياً فوق أرض العراق تمتلك مقومات الاستمرار الحضاري والسياسي والثقافي؟

إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام الجذور التاريخية لأمة رافدينية عريقة ، حتى لو لم تكن تستعمل المصطلحات الحديثة نفسها.

***أزمة التعريف القومي الضيق

إن المشكلة الأكبر تكمن في أن بعض الباحثين يتعاملون مع التعريف القومي الأوروبي للأمة وكأنه تعريف نهائي ومقدس.

فإذا كانت الأمة هي وحدة اللغة والعرق حصراً، فإن معظم أمم العالم المعاصرة ستفقد صفتها القومية.

فهل الشعب الهندي ينتمي إلى عرق واحد ولغة واحدة؟

وهل الشعب الإيراني ينتمي إلى قومية واحدة خالصة؟

وهل الشعب الأمريكي أو البرازيلي أو السويسري أو الكندي أو الأسترالي ينتمي إلى أصل عرقي واحد؟

الواقع يقول غير ذلك.

فالهند تضم عشرات القوميات ومئات اللغات واللهجات، ومع ذلك يتحدث العالم كله عن الأمة الهندية.

وإيران تضم فرساً وأذريين وكرداً وبلوشاً وعرباً وتركماناً وغيرهم، ومع ذلك لا يتردد أحد في الحديث عن الأمة الإيرانية.

والولايات المتحدة تشكلت من أمواج بشرية جاءت من مختلف القارات والأعراق، ومع ذلك يتحدث الجميع عن الأمة الأمريكية.

فإذا كانت هذه الكيانات تعد أمماً رغم تنوعها الإثني والقومي، فلماذا يصبح التنوع وحده دليلاً على نفي مفهوم الأمة العراقية؟!

إن هذا يكشف أن الأمة ليست مجرد وحدة دم، بل هي قبل كل شيء وحدة تاريخ ومصير وذاكرة ومجال حضاري وسياسي مشترك.

***العراق: الأمة التي صنعتها الحضارة

والحقيقة أن العراق يقدم نموذجاً فريداً في هذا المجال.

ففي أماكن كثيرة من العالم نشأت الأمة أولاً ثم بنت الحضارة.

أما في العراق فإن الحضارة نفسها كانت العامل الأول في صناعة الأمة.

لقد اجتمعت الجماعات البشرية المختلفة في أرض الرافدين حول مشروع حضاري واحد قبل آلاف السنين.

وشاركت في بناء المدن وشق الأنهار وإقامة المعابد والقصور والأسواق وابتكار الكتابة والقانون والإدارة.

وكان هذا المشروع الحضاري المشترك هو الذي خلق شعوراً موضوعياً بالانتماء إلى فضاء تاريخي واحد.

ومن هنا يمكن القول إن الحضارة العراقية لم تكن نتاج أمة مكتملة التكوين فحسب، بل كانت أيضاً الأداة التي صنعت هذه الأمة ورسخت وجودها عبر الزمن.

***الدولة بوصفها حارس الهوية

ثم جاء العنصر الثاني، وهو الدولة.

فالعراق لم يشهد فقط ولادة الحضارة الأولى، بل شهد أيضاً ولادة أولى التجارب السياسية الكبرى في التاريخ.

ومنذ نشوء المدن السومرية الأولى وحتى الدول والإمبراطوريات اللاحقة، ظل هناك إطار سياسي يتجدد بأشكال مختلفة لكنه يدور دائماً حول المركز الحضاري العراقي.

وهكذا تضافر عنصر الحضارة وعنصر الدولة في إنتاج استمرارية تاريخية نادرة.

فالدولة منحت الحضارة الحماية والتنظيم، والحضارة منحت الدولة الشرعية والهوية.

ومن هذا التفاعل الطويل تشكلت الشخصية العراقية عبر آلاف السنين.

***الأمة العراقية: مفهوم تاريخي لا اختراع حديث

إن القول بوجود أمة عراقية لا يعني الادعاء بأن السومريين كانوا يرددون شعارات قومية حديثة أو يكتبون أدبيات قومية بالمعنى الأوروبي المعاصر.

بل يعني أن العراق شهد تراكماً حضارياً وسياسياً وبشرياً متصلاً أوجد جماعة تاريخية كبرى حافظت على وجودها رغم تغير اللغات والسلالات الحاكمة والأديان والأنظمة.

ولهذا فإن الأمة العراقية ليست اختراعاً سياسياً حديثاً، وإنما هي التعبير المعاصر عن استمرارية تاريخية عميقة تعود جذورها إلى فجر الحضارة.

فإذا كانت أمم كثيرة تستند في وجودها إلى بضعة قرون من التاريخ المشترك، فإن العراق يستند إلى آلاف السنين من التراكم الحضاري والسياسي والإنساني.

ولهذا فإن السؤال ليس: متى وُلدت الأمة العراقية؟

بل لعل السؤال الأصح هو: كيف استطاعت هذه الأمة أن تستمر كل هذا الزمن رغم ما تعرضت له من غزوات وانقطاعات وتحولات؟

إن بقاء العراق حاضراً في التاريخ منذ فجر الحضارة وحتى اليوم ليس دليلاً على وجود دولة عابرة، بل دليل على وجود كيان تاريخي أعمق من الدول وأبقى من الأنظمة؛ كيان يمكن وصفه، دون تردد، بأنه الأمة العراقية.