صباح البغدادي
مع تطور الصراع العسكري الذي اندلع في 28 فبراير 2026، حيث شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية مشتركة ضد إيران، أدت إلى مقتل القيادة العليا بما في ذلك الزعيم الأعلى علي خامنئي، أصبحت “حرب السرديات” الإعلامية محورًا حاسمًا يجري بالتوازي مع الضربات الجوية والصاروخية المتبادلة. هذه الحرب تشتعل بشكل أساسي على منصات التواصل الاجتماعي مثل إكس (تويتر سابقًا)، حيث يتنافس محور إيران والفصائل الولائية (مثل حزب الله والحوثيين ومحور المقاومة) مع الولايات المتحدة وإسرائيل على تشكيل الرأي العام العالمي. ليس الفوز بالقوة العسكرية كافيًا؛ فالنصر الحقيقي يتطلب كسب القلوب والعقول، كما أكدت تجارب تاريخية مثل حرب فيتنام أو العراق، حيث أدت خسائر الرأي العام إلى انسحابات مذلة. فيما يلي تطوير شامل لهذا الموجز مع نظرة استباقية استراتيجية، مبنية على الأحداث الجارية والتوقعات الاقتصادية والسياسية.
1. طبيعة حرب السرديات وديناميكيتها الحالية
- السردية الإيرانية والمحور الولائي: إيران تركز على تصوير نفسها كضحية لـ”عدوان صهيوني-أمريكي” يهدف إلى نهب الطاقة والسيطرة على المنطقة. على إكس، تنتشر حملات مثل #ZionistAggression، حيث يتم تضخيم تقارير عن “مذابح مدنية” (مثل قصف مدارس أو أطفال)، مع اتهامات بأن الولايات المتحدة وإسرائيل تستخدمان “ديب فيك” لتزييف جرائم النظام الإيراني. الفصائل الولائية، مثل حزب الله في لبنان، تضيف منحى مقاومة بطولية، حيث يُصور الهجمات على قواعد أمريكية في البحرين أو قطر كـ”دفاع عن السيادة”، لا كتصعيد. هذا يعتمد على شبكات بوتات ومؤثرين مدعومين، ليثير الانقسام داخل الغرب، خاصة بين اليساريين والمناهضين للتدخل.
- السردية الأمريكية-الإسرائيلية: من الجانب الآخر، يروج الرئيس ترامب ونتنياهو لسردية “تدمير التهديد النووي والإرهابي”، مع التركيز على “فجر جديد” للشعب الإيراني بعد إسقاط النظام. قنوات مرتبطة بالموساد تشجع الإيرانيين على توثيق احتجاجات داخلية، مما يصور الضربات كـ”تحرير” لا احتلال. على إكس، تنتشر تغريدات عن “انهيار النظام”، مع تحذيرات من معلومات خاطئة إيرانية، كما في خيوط BBC Verify التي تفضح الدعاية الإيرانية يوميًا. هذا يستهدف الرأي العام الغربي، لكن يواجه تحديات في الشرق الأوسط حيث يُرى كـ”عدوان استعماري”.
هذه الحرب تتخذ شكلًا هجينًا: إيران تعوض ضعفها العسكري بالدعاية “الناعمة” (اختراقات إلكترونية، تهديدات بحرية الملاحة في هرمز)، بينما الولايات المتحدة تستفيد من سيطرتها على الإعلام الرئيسي لتبرير الضربات كـ”سريعة وحاسمة”، كما قال نتنياهو.
2. من يفوز بحرب السرديات؟ تحليل استباقي
- الفوز ليس عسكريًا فقط: كما أشرت في الموجز الأصلي، من يعتقد أن النصر يأتي بالقوة وحدها مخطئ. الولايات المتحدة وإسرائيل قد يحققان انتصارات ميدانية سريعة (مثل تدمير 1250 هدفًا إيرانيًا و11 سفينة، كما ادعى سنتكوم)، لكن خسارة الرأي العام قد تحولها إلى مستنقع. إيران تفوز إذا نجحت في تصوير الصراع كـ”حرب طويلة”، مستفيدة من دعم روسيا وصين لتقسيم العالم (روسيا توفر غطاءً دبلوماسيًا، والصين تمنح دعمًا اقتصاديًا).
- استباقيًا: إذا استمر الصراع أشهرًا (وليس أسابيع كما يروج ترامب)، فإن إيران قد تكسب الرأي العام العالمي، خاصة في الجنوب العالمي، بتصويرها كـ”ضد الإمبريالية”. أما الولايات المتحدة، فقد تواجه انقسامًا داخليًا إذا ارتفعت الخسائر (6 جنود أمريكيين قتلوا حتى الآن)، مع شكوك في الكونغرس حول “التدخل غير الضروري”. في سيناريو إيجابي لإيران، يؤدي دعمها للحوثيين وهجمات على الملاحة إلى انقسام التحالف الغربي، كما حدث في البحر الأحمر.
3. التحول إلى حرب الطاقة والنفط: التأثيرات الاقتصادية
- الصراع تحول بالفعل إلى “حرب طاقة”، مع إغلاق مضيق هرمز جزئيًا (يمر منه 34% من تجارة النفط البحرية)، وهجمات إيرانية على سفن تجارية في الخليج، مما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وانخفاض الأسواق العالمية. إذا استمر أشهرًا، يتوقع الخبراء انكماشًا اقتصاديًا عالميًا بنسبة 2-3%، مع تضخم في أسعار الطاقة يصل إلى 150% في أوروبا وآسيا.
- من يتحمل التكاليف؟الجانب التكاليف الاقتصادية رد الفعل العام الخسائر البشرية إيران خسارة إيرادات النفط (80% من الاقتصاد)، مع تدمير منشآت نووية ودفاع جوي. لكنها تتحمل بفضل احتياطياتها ودعم الصين.الرأي الداخلي موحد ضد “العدوان”، لكن احتجاجات داخلية قد تنفجر إذا طال الأمر.>550 قتيلًا حتى الآن، معظم مدنيين.الولايات المتحدة تكاليف عسكرية تصل إلى 500 مليار دولار في 6 أشهر، مع ارتفاع أسعار الوقود يؤثر على الانتخابات.شكوك متزايدة في الكونغرس والمجتمع (مثل انتقادات لـ”تغيير الأهداف”)، قد تؤدي إلى احتجاجات.خسائر محدودة (6 قتلى)، لكن أي إصابة لحاملة طائرات تغير المعادلة.إسرائيل تأثر اقتصادي بسبب هجمات حزب الله، لكن دعم أمريكي يخفف.دعم داخلي قوي، لكن دوليًا تواجه عزلة إذا ثبت “جرائم حرب”.11 قتيلًا في هجمات صاروخية.العالم اضطراب سلاسل الإمداد، ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 30%. رد فعل سلبي في الجنوب العالمي، مع دعوات لوقف إطلاق النار.غير مباشرة: آلاف في لبنان والخليج.
استباقيًا، إذا استمر الصراع، تتحمل الولايات المتحدة أكبر التكاليف الاقتصادية بسبب اعتمادها على الاستقرار العالمي، بينما إيران تستفيد من “صمودها” كرمز مقاومة، مما يعزز نفوذها الإقليمي طويل الأمد.
الرئيس ترامب وفريقه الإعلامي يخوضان حاليًا معركة نفسية مكثفة تهدف إلى السيطرة على الرأي العام العالمي والداخلي. من خلال تصريحاته المتكررة في مقابلات إعلامية (مثل CNN) ومنشوراته على منصاته الخاصة، يؤكد ترامب مرارًا أن “الضربة الكبرى” أو “الموجة الكبيرة” (the big wave / the big one) لم تحدث بعد، وأنها قادمة قريبًا. هذه التصريحات تأتي في سياق رفضه الصريح لأي محاولات تفاوض إيرانية حالية، حيث أعلن أن “الوقت قد فات” (too late)، مشيرًا إلى أن القيادة الإيرانية العليا، إلى جانب قدراتها الجوية والدفاعية والبحرية، قد تعرضت لتدمير واسع النطاق.
بل يبدو أن عبارات “الضربة الكبرى” أو “الموجة الكبيرة” تشير إلى مرحلة تصعيدية محتملة في العمليات الجوية والصاروخية التقليدية، ربما تستهدف بقايا البنية التحتية العسكرية والنووية أو مراكز القيادة في مناطق حساسة، بهدف إجبار أي قيادة إيرانية ناشئة على الاستسلام السريع أو تفكيك القدرات المتبقية بشكل نهائي.
في هذا السياق، تظل حرب السرديات محورية: فالنصر العسكري وحده لا يكفي في عصر الإعلام الرقمي. يسعى الجانب الأمريكي-الإسرائيلي إلى تبرير التصعيد من خلال تصوير العملية كضرورة استراتيجية لإنهاء التهديد النووي والصاروخي الإيراني، مع الحفاظ على صورة القوة الحاسمة التي لا تتراجع. في المقابل، يمكن لإيران استغلال أي تأخير في تنفيذ “الضربة الكبرى” لتصوير التهديدات الأمريكية كـ”كلام فارغ”، مما يعزز روايتها عن “الصمود” أمام “العدوان الإمبريالي”، ويؤثر سلبًا على الرأي العام العالمي، خاصة في حال استمرار الصراع لأسابيع أو أشهر إضافية.
من ناحية التحليل الاستراتيجي والنفسي، وهي تضيف طبقة مهمة لفهم ديناميكية حرب السرديات التي ذكرناها سابقًا. والحرب لا تُكسب فقط في ساحة القتال، بل في الاستحواذ على العقول والرأي العام. ترامب يبرر التصعيد بأنه “ضروري” لمنع النووي وتدمير القدرات الصاروخية والبحرية، ويحاول تصوير الضربات كـ”تحرير” للشعب الإيراني (دعوته للإيرانيين “خذوا بلدكم مرة أخرى”). هذا يساعد في تبرير التكاليف البشرية والاقتصادية أمام الرأي العام الأمريكي والغربي. الاتصال الإيراني والرد “الوقت فات”: هذا مدعوم فعليًا. ترامب قال في مقابلة مع The Atlantic إن قادة إيران (الجدد أو الباقين) يريدون التفاوض الآن، لكنه رد بأنه “too late” أو “they should have done it sooner”، وأن “most of those people are gone” بسبب الضربات. هذا يعزز صورته كقائد حاسم لا يتفاوض تحت الضغط، بل يملي الشروط.
4. نظرة استباقية استراتيجية: السيناريوهات المحتملة وكيف يؤثر هذا على حرب السرديات؟
الخطر: إذا استخدم ترامب تصعيدًا كبيرًا جدًا (حتى تقليديًا على طهران)، قد ينقلب الرأي العام الأمريكي والدولي ضده بسرعة، خاصة إذا ارتفعت الخسائر المدنية أو إذا أدى إلى أزمة طاقة عالمية.
لصالح ترامب/إسرائيل: هذه التصريحات تبقي الإيرانيين في حالة رعب وشك (هل يأتي الضربة الكبرى غدًا؟)، مما يضعف أي محاولة لإعادة بناء النظام أو توحيد الصفوف. كما أنها تُظهر ترامب كـ”القوي” الذي لا يتراجع، وهذا يعزز دعمه داخليًا في أمريكا (خاصة بين قاعدته).
لصالح إيران/المحور: إذا طال الأمر دون “الضربة الكبرى” الفعلية، يمكن لإيران أن تصوّر ترامب كـ”مُهدد فارغ”، وتكسب نقاطًا في الرأي العام العالمي (خاصة الجنوب العالمي) بأن أمريكا “تُرعب” فقط لتبرير احتلال أو نهب النفط. كما أن أي تأخير في “الضربة الكبرى” يعطي فرصة لروسيا والصين للتدخل دبلوماسيًا أو عسكريًا غير مباشر.
- سيناريو إيجابي لإيران: إذا نجحت في إطالة الصراع (بمساعدة حزب الله في لبنان أو الحوثيين في البحر الأحمر)، فإن الرأي العام الأمريكي ينقلب، مما يجبر ترامب على وقف إطلاق نار، كما في أفغانستان. هذا يعزز محور المقاومة كـ”منتصر أخلاقي”.
- سيناريو إيجابي للولايات المتحدة-إسرائيل: إنهاء سريع (أسابيع) يؤدي إلى إسقاط النظام، مع مفاوضات نووية جديدة. لكن المنطقة تبقى غير مستقرة، مع خطر تفكك إيران.
- الخطر الأكبر: تصعيد نووي أو إقليمي يشمل روسيا/صين، مما يجعل الجميع خاسرًا. الدرس: في عصر التواصل، الفوز يعتمد على “القصة” التي تبقى، لا الضربة الأخيرة.